وكنتِ يا 2016 سنة للحزن؟!؟
خليفة بن قارة
717

حديث في الموضوع

وكنتِ يا 2016 سنة للحزن؟!؟

إنها أقدارُنا، السنة المنقضية أحْزَنتنا أكثر مما أسعدتنا، وأبكتنا أكثر مما أفرحتنا، وأتعبتنا وأعيتنا أكثر مما قوّتنا، ولم تكن أيامها إلا سِياطًا جلدتنا، إلى حدِّ التذمّر بالحياة، كانت عقارب ساعات أيامها تلدغنا في كل منعرج، انكسرت دواخلنا فيها انكسارًا غريبا، وظلت حياتنا تتأوه حتى لحظة الرحيل الأخيرة، إنها السنوات تتابع وتأكل بعضها بعضا، وكل سنةٍ تأتي على الناس، تكون أسوأ مما مرّ بهم، فهل العيب في العام بأيامه وشهوره، أم العيب فيمن يعبثون بزهوره ويقدِّمونها طعاما للخنازير ؟ لا شيء تغيّر في الكون منذ الأزل إلا ما امتدت إليه يد الإنسان من عبثٍ بنواميس الطبيعة، ولم تجد رسالات السماء التي جاء بها مُرسَلون مُضحّون، من أجل إعادة تهذيب السلوك البشري الذي تشيْطن، كما لم ينفع ظهور حكماء جعلوا من يومياتهم قدوة للصلاح والفلاح، وكأن حيوانية بني آدم تغلّبت على إنسانيته، فراح يستعير من كل حيوان جارح مفترس قاضم وسام، صفاته الوحشية، ليُصبِح أشرس حيوان، يستعمل عقله من أجل الإطاحة بالعقل .

لقد كانت السنة الراحلة منذ أربعة أيام، سنة حزن بحق على النخبة الجزائرية الصادقة، حيث حصد الموت فيها مجموعة من خيرة ما أنجب الوطن في مختلف الميادين، لم يكن الجزائريون يشعرون بوجود تلك الشخصيات من حولهم إلا حينما ارتحلت، ذهب الصحافي والكاتب والفنان والمبدع وعالم الدين والإطار النزيه، وبقيت الأفواه بعدهم مشدوهة: أهؤلاء كانوا معنا حقا ؟ وكما تخلت تلك السنة الكبيسة  عن تلك الأسماء التي تُعتبَر محطات ثابتة في مسيرة الأمة، فقد أصابت كثرة كثيرة من الجزائريين بالألم الشديد، ودفعتهم إلى طرق باب عدّوهم القديم يستجْدونه لجوءا سياسيا، وتزاحموا على أبواب مكتب باريس، المخصَّص للهاربين من بلدانهم، بأفواج تقول إحصائيات فرنسية رسمية، إن تعدادهم بلغ ألف أليمٍ ناقمٍ على وضعه في جزائر مستقرة وغير معتكرة، في حين أبحر أكثرُ من ألفٍ آخرين عبر قوارب الموت، هربًا من واقعٍ جسّدته هذه التي تركت آثارها المؤلمة في حياتهم، حتى تصوّروا أن الجنة هي خارج الحدود، ربما كانت لغة التخويف من الأزمة، الناتجة عن سوء تسييرها، والتلويح بكابوس التقشّف، هو ما دفعهم إلى الهرب نحول الشمال، وقد يكون من آثار السنة الفارّة أيضا، أن اكتشف الإسلاميون اللاعبون في الساحة السياسية المتعفِّنة، أن ما لم يستطع إسلامُهم جمعَه فيهم، استطاعت أن تُنجِزه رياح الانتخابات التشريعية المقبلة !

لقد كانت سنة قاتلة لأصحاب المهنة التي وُصِفت دائما بمهنة المتاعب، حيث سقط من حمَلة الأقلام وآلة التصوير في بقاع متفرِّقة من العالم، ثلاثة وتسعون صحافيا، بمعدّل سبعة صحافيين يتم اغتيالهم كل شهر، وهم بذلك يُعتبَرون الشريحة الأكثر تعرّضا للموت، وقد لا يضاهيها إلا الطائفة المسلمة، التي تتعرّض إلى أكبر محرقة في التاريخ البشري المعاصر، والتي يكون أجّجها الأمريكيون ومعهم الغرب الكولونيالي باحتلالهم للعراق، وإعدام رئيسه صدام حسين، الذي طهّر بلاده من داء الأمية، وجعل منها بلدا يستقطب العلماء العرب، وحوّلها إلى منصة تقذف الكيان اللقيط في فلسطين المحتلة، بالصواريخ كما لم يفعل رئيسٌ قبله، وقد ذكّرتنا سنة حزننا هذه، بالذكرى العاشرة لتاريخ إعدامه الذي كان في يوم عيد الأضحى، المقدَّس لدى كل المسلمين، حينما نصبوا له محكمة صورية، يسيّرها الأمريكيون بأيدٍ عراقية، أدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في حين أصاب العمى هذه المحكمة والعالم معها، فلم ترَ جرائم جورج بوش وتوني بلير، اللذين أدّى طيشهما وجنونهما، إلى قتْل ما يناهز المليونيْ عراقي، وتخريب دولةٍ هي أعرق من بريطانيا وأمريكا ، أما مسلمو الروهينغا فقد كانت السنة عليهم دمًا نازفًا، ولم تنفع نداءات العديد من الحائزين على جائزة نوبل للسلام، في حمايتهم من الإبادة الجماعية التي تتم على مسمعٍ ومرأى من العالم كله .

أعتقد أن الأماني وحدها- وإن كانت جميلة أخلاقيا- فإنها لن تنفع في تحديد مسار العام الجديد 2017 إن لم يقم الإنسان بتغيير ما بنفسه من اعوجاج، وما لم يقم باعتقال شياطينه التي تدعوه إلى العبث بجمال هذا الكون، ومسْح ينابيع الحزن التي يصنعها السفهاء، وتجفيف جيوب اليأس التي يخلقها المتهوِّرون، وكي لا يأتي مَن بقي منا حيًّا في أخر شعور العام، ليقول إنها سنة كانت وفيًّة لسابقته في أحزانها وأتعابها ومآسيها ومنافيها فينا، وأن نبوءة الذين بشّرونا بالفقر، بمجرّد أن هبّت مِن هناك ريح الأزمة قد تحقّقت، ولأنني متفائل بطبعي أقول لكم جميعا، إني أرجو أن تكون كل أيامكم الثلاثمائة والخمسة والستين، ملأى بكل ما تحبون، من هناءٍ وأمنٍ واستقرارٍ ورخاءٍ وتقدّمٍ وسعادة ؟؟؟

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة