لغة الكرة... ساعة عذاب!
محمد قماري
1561

الحق المر

لغة الكرة... ساعة عذاب!

لا أبالغ إذا قلت إن أكبر تميز لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الجزائرية، طيلة نصف القرن الماضي، هو قدرة المؤسستين على إخراج أجيال من المعلقين الرياضيين باللغة العربية، جعلوا من مفردات القاموس العربي تجري على ألسنة الناس في يسر وقبول، أخفقت المدرسة والجامعة في أيجاد مثله، بل إن كثيرا من معلقي الأقسام الرياضية بالفرنسية قد تحولوا إلى القسم العربي في يسر وإبداع، قل أن نجد له نظيرا في الإدارة مثلا، وهي ملزمة بحكم القانون على أن تخاطب الناس بما يفهمون، ولها من الوسائل المادية والأدبية ما يعزز توجهها لو صدقت نية القائمين عليها في هذا الاتجاه.

ما زالت كلمات عبد الرزاق زواوي ومحمد صلاح وبن يوسف وعدية من المعلقين الرياضيين الأولين، يتردد صداها في نفسي وفي كثير من أنفس جيلي، كانوا يحاولون تطويع اللغة وجعلها تصل إلى الناس نقية، فنجحوا في جعل جيل كامل من الشباب يعرف: التماس والعارضة، وخط التماس وضربة الجزاء والمخالفة والركنية، والمرمى وعامود المرمى  والشبكة والتسلل...وعشرات المفردات الأخرى، مع ما يميز التعليق من حماس والجمهور والتشجيع والفوز والهزيمة...

ثم خلف من بعدهم شباب، استفاد من سلفه فحسن وطور، وأفاد من تجارب أخرى، نذكر منهم لخضر بريش وحفيظ دراجي والحبيب بن علي وليلى سماتي وغيرهم كثير، كلهم مع تفاوت خدموا لغة الإعلام الرياضي، وكانت لهم لمسات مميزة في هذا النسق من استعمال اللغة، وبعضهم أصبح نجما دوليا في هذا المضمار.

ولقد وجدتني على غير تقدير مني يوم الأحد الماضي، أتابع مقابلة نهائي كأس الجمهورية العسكري على القناة التلفزية الثالثة، فشعرت بالأسى يعتصر وجداني، لقد أدركت معنى عبارة : خلف در التي يرددها العسكريون في تدريباتهم، كان الثنائي الذي تولى أمر التعليق على المقابلة غريبًا ونشازا، كنت أشعر بعذابهما وهما يبحثان على الكلمات التي تأبى أن تخرج، لكن لم يشعر أحد بعذابي أنا، والألم الذي يعتصر وجداني من ضحالة التعليق، وهروب المعلق إلى إقحام تملق سافر للمسؤولين أكثر من مرة، ولعل أكبر بخس لمجهود المسؤولين على الرياضة العسكرية أن يختار للتعليق على مقابلتهم النهائية من لا يحسن تسويق هذه الجهود بين الجمهور...

اللغة سحر...سحر البيان...به يخاطب الأنبياء أقوامهم والزعماء أتباعهم والقادة جنودهم، سحر البيان هو الذي يحرك الهمم ويلين القساة ويهذب الجناة، والتفريط في أمر اللغة هو تفريط في هذا السحر...

أرأيت أنك تقف للرجل أو المرأة احتراما لأنه مسؤول، فإذا تعثر في لسانه سقط من نظرك، وأصبح أقرب إلى صورة الكاركاتور منه إلى الآدمي بلحمه وشحمه ودمه، ناهيك أن ينال منك هيبة المسؤول أو احترام القائد...

لقد أطلق أهل الاختصاص على الإذاعة والتلفزة وصف الإعلام الثقيل، فالصوت والصورة يستقبلهما المثقف والأمي والنابه والغفل، والشاب والشيخ، والمرأة والرجل والطفل، لذلك لا يجوز لمن لا يحسن فن الخطاب، والخطاب الفني أن يخاطب الناس، فكل ميسر لما خلق له، والعاقل من يحسن ما يعمل إذا لم يتيسر له أن يعمل ما يحسن على الدوام.

إن القسم الرياضي بالتلفزة الجزائرية، وقد كان من قبل مدرسة، أجدر به أن يتخير أحسن كفاءته في التعليق، لأن الكرة فرجة يصنعها اللاعب على أرض الميدان، والمصور في إخراج الصورة، وصوت المعلق الرياضي، وهذا الأخير عليه أن لا يخرج بتعليقه بالفرجة من اللعب إلى الجد، إذ سمعنا بعض العابثين بالتعليق ممن يتحدث عن المعارك وكسر العظام، والثأر وهو يعلق على مجريات مقابلة كروية.       

اقرأ أيضا.. لنفس الكاتب

4

  • المنيب
  • Amber
    Amber الخميس، 07 جويلية 2016 20:34 تبليغ

    Thanks for coitbnruting. It's helped me understand the issues.

    شارك التعليق

  • حليمة
    حليمة الثلاثاء، 03 ماي 2016 20:02 تبليغ

    لست استغرب شجاعتك الأدبية دكتور هدف في الصميم

    شارك التعليق

  • خليفة بن قارة
    خليفة بن قارة الثلاثاء، 03 ماي 2016 16:11 تبليغ

    شكرا لك أيها الحكيم ، لقد أصبت فيما قلت، ولكن نحن أمام ردّة ما كنا نحسب أننا سنُبلَى بها في "بياننا" ولكنها إرادة الله شاءت أن ينحرف السفهاء بقاطرة اللغة ليسقطوها في مستنقع الرداءة، كنت وانا معك على الخط أتابع حصة للأطفال في تلفزيون اليتيمة، رأيت ان الأطفال الصغار كانوا أكثر "بيانًا" من المنشطة الكبيرة، إن المدرسة تكوِّن على الفطرة، وسياسة السفهاء تثأر من الجزائر في أجيالها، وهو مع حدث في شكل قطيعة بين جيل أبدع في الرياضة باللغة وبين خلف كان يُنتظر منه أن يزيد القاموس اللغوي الرياضي ثراء أكثر، ولكن قاله حكيم السياسة وارتحل : نحن في زمن الرداءة وللرداءة رجالها ...

    شارك التعليق

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة