.. في "الأفلان البعثي" وسؤال المتحف!
نذير بولقرون
2297

الكلام الأخر

.. في "الأفلان البعثي" وسؤال المتحف!

 قرأت قبل يومين مقالا افتتاحيا في إحدى الصحف الناطقة باللغة الأجنبية .كاتب المقال من الجيل الذي رافق عهد الحزب الواحد أو على الأصح، مرحلة "واحدية النظام"، إذ الملاحظ أن "الواحدية" ظلت هي عنوان نظام الحكم، حيث أنها استمرت بعد أن أصبح "الحزب الواحد" حزبا عاديا في إطار التعددية، بعد أن تم التآمر عليه خلال أحداث أكتوبر 88 وانتخابات 1991 وجرى السطو على الأصوات التي تحصل عليها في انتخابات 1997، لكن النظام الأحادي لم يتبدل، حتى وإن تغير الرؤساء والقيادات.

تلك الحقيقة الواضحة والبارزة، يتعمد الكثير القفز عليها عن قصد، كما يتجاهلون حقائق أخرى، مرتبطة بمسار الأفلان ومختلف المحطات التي تميزه، مثال ذلك المادة 120، التي جعل منها كاتب المقال المذكور، كما يحلو للكثير من خصوم الأفلان، الاستدلال بها في حربهم الضروس ضده، حتى لو كانت هذه الحرب تستند على الكذب والافتراء، مثل المادة 120، التي لم يحاول أي واحد من هؤلاء العودة إلى قراءة متأنية لمضمونها، في معناه ومبناه، حتى يكفون عن ترديد "الكذبة المكشوفة"، لعلهم يتوبون، ليس فقط عن خطيئتهم، بل أيضا يعترفون بجهلهم، وهم الذين يدعون أن الديمقراطية خرجت من صلبهم وأنهم "أنبياء" هذا الزمان!

إن المادة 120، التي تقض مضاجع هؤلاء، منذ عشريات من الزمن وتجعلهم في يأس من هذه الدنيا، إلى درجة أننا نشعر لو أنها لم تكن، لهام فلان وعلان عشقا في الأفلان، بكل ما يرمز له من تاريخ مجيد ومن نضال مشرف، في سبيل سيادة الجزائر وهوية الأمة ووحدة الشعب وبناء الدولة وتشييد البلاد، دون أن يعني ذلك أن المسيرة لم تخل من سلبيات ونقائص وأخطاء. 

ليست المادة 120، كما تتعمد الكثير من الأقلام في نشرها للمغالطات المفضوحة حول هذه المادة والاعتماد عليها في التهجم على الأفلان ومحاولة تصويره على أنه كان الحزب المغلق، الطارد للإنسان والحيوان، المتبني لهوية مستوردة. 

لا إنكار ولا اختلاف على أن الأفلان كان حزبا واحدا، بكل ما يعنيه ذلك من منطق أحادية النظام، وأن لتلك المرحلة ما لها وما عليها، من خلال وضعها في إطارها السياسي والتاريخي، لأن الحديث عنها يجب أن يكون في إطار هذا السياق وليس خارجه.

نعم، الأفلان قاد ثورة نوفمبر المجيدة وحرر البلاد من الاستعمار وأعاد للدولة الجزائرية كيانها، وهو فخور بذلك اليوم وغدا، كما أنه متحرر من كل إحساس بـ"الذنب"، خاصة وأن هناك من يسعى إلى أن يغرس فيه هذه "العقدة"، وهذا ما يريد صاحب المقال المذكور أن يوحي به صراحة، من خلال استشهاده بما أقدم عليه القياديان محمد بوضياف وآيت أحمد، رحمهما الله، من إنشاء حزبين لهما، وكيف أنه من ذلك التاريخ "أصبح الأفلان عدوا لحرية التعبير وللديمقراطية، كما تم اختراقه من طرف البعثيين".

ولنا أن نتساءل: إذا كانت البعثية جريمة كما يرى هؤلاء- فماذا نسمي الفرانكوفيلية، التي سيطرت على عقول الكثير من النخبة المفرنسة في بلادنا وأعمت فيها البصر والبصيرة، حتى أصبح في مفهومها طبعا- كل من يرافع لصالح الهوية الوطنية بعثيا وكل من يدعو إلى إحلال اللغة العربية مكانتها اللائقة بها، يحشر في زمرة البعث والأصولية وكل من ينادي بوطنية المدرسة الجزائرية يتهم بالإرهاب والظلامية.

وقد نتفق أن حرية التعبير والممارسة الديمقراطية، كانت في إطار "السياج" الذي يفرضه منطق الأحادية، إلا أنني وجدت نفسي أبحث عن "البعث" وامتداداته في الأفلان، لكن أعياني البحث دون الوصول إلى نتيجة، قد يجد فيها كاتب المقال ما يشفي غليله، لذا أكتفي بطرح هذه التساؤلات: هل من يدافع عن هوية الشعب الجزائري يعتبر بعثيا، هل ينتمي الأمين العام عمار سعداني ومحمد الشريف مساعدية وعبد الحميد مهري وبوعلام بن حمودة  وعبد القادر حجار إلى هذا التيار، هل كان أحمد طالب الإبراهيمي ومحمد الصديق بن يحيى ومحمد السعيد معزوزي، من أتباع البعث، هل كان الدكتور عبد الله الركيبي بعثيا وهل للدكتور عثمان سعدي صلة انتماء للبعث، ثم هل يمكن تصنيف محمد الشريف خروبي في خانة البعثيين، وهو الأمازيغي، صاحب المواقف المشرفة في الدفاع عن اللغة العربية، في إطار ثلاثية الهوية الوطنية. 

إن هؤلاء وكل أبناء الأفلان جزائريون حتى النخاع، يؤمنون بأفكار حزبهم عن قناعة، وهي وليدة هذا الشعب، الراسخ في هويته الوطنية، الممتدة عبر التاريخ، ليسوا مندسين أو دخلاء عليه ولا ناطقين باسم البعث في صفوفه، وهم يستندون، في قناعاتهم الفكرية، إلى البيان التاريخي المؤسس للثورة الجزائرية، الذي يحدد بوضوح عنوان شخصيتنا الوطنية ومعالم انتمائنا الحضاري.

ولا يكتفي كاتب المقال بالحديث عن "الأفلان الذي اخترقه البعثيون"، بل يعود إلى المادة 120،  وكيف أن الأفلان "أعلن حربا شاملة على قوى التقدم، من خلال هذه المادة، التي أبعدت الإطارات الكفؤة عن التسيير، وهي التي تكونت في المدارس الكبرى"، هكذا هي المغالطة الكبرى، ذلك أن المادة المذكورة لا علاقة لها بمؤسسات التسيير، لم تكن تعني مدير سوناطراك ولا سونلغاز ولا مركب الحجار ولا رئيس الجامعة ولا الخطوط الجزائرية ولا حتى وحدة إنتاجية صغيرة، بل إن مضمونها واضح، لا يخفى، إلا على من يمتهنون تحريف الحقيقة وتزييف التاريخ.

إن المادة 120، التي يحاول هؤلاء أن يجعلوا منها برنامجهم السياسي لمحاربة الأفلان، لا تعني إلا قيادات المنظمات الجماهيرية والاتحادات المهنية، حيث تشترط فيهم الانضمام إلى الحزب، وهذا أمر طبيعي، يتوافق مع طبيعة تلك المرحلة، ومن هنا فليس هناك إطارات، تم إبعادها، باسم هذه المادة. لذلك نتساءل: هل هذا التحريف ناتج عن جهل أو سوء فهم أو عن قصد. لذلك ارتأينا هذا التوضيح، فقد يزيل الغشاوة عن أصحاب النظارات السوداء.

أما إذا كان المرحوم محمد بوضياف، رحمة الله عليه، قد قال- كما استشهد بذلك صاحب المقال، الذي يتأسف بحسرة، لأن قول بوضياف لم يجد من يسمعه- : "يجب وضع الأفلان في المتحف، لأنه ملك لكل الجزائريين"، فذلك رأيه، الذي نختلف فيه مع كل من يطرحه، كان من كان، لأن ما يجب الانتباه له هو أن الأفلان اليوم ملك مناضليه فقط، وهم الذين يملكون الحق في تقرير مصيره، ويظل الشعب وحده هو صاحب القرار في تحديد مستقبله، ويعلم صاحب المقال بأن الأفلان باق وأن الزعامات إلى زوال.

إذن، لا وجود لـ" الأفلان البعثي" إلا في أذهان النخبة المتغربة، المسلوخة عن ذاتها، المرتمية في أحضان  ثقافة مستوردة وحضارة غريبة، وإذا كان الدفاع عن هويتنا الوطنية بأبعادها المعروفة  يعني البعثية، فلا بأس أن نكون بعثيين بامتياز، وعلى الذين يعتنقون الفرانكوفيلية أن يحددوا من أي نبع يشربون.

وخلاصة القول: إن ما وصل إليه كاتب المقال في خاتمة الموضوع، من أنه "قد حان الوقت لمناقشة مستقبل الأفلان"، إنما يدعو إلى الدهشة والاستغراب، لأن هذا الطرح العجيب ينم عن فكر أحادي، في وقت طلق فيه الأفلان الأحادية بالثلاث.

4

  • تركية حويِّ
    تركية حويِّ الخميس، 13 أكتوير 2016 19:11 تبليغ

    التهجم على التيار الوطني ومحاربته انطلق مع إستقلال الجزائر.ففرنسا الإستعمارية لم تنس ولن تنس ما فعله بها الوطنيون الأحرار .وكيف أخرجوها بالركلات ومن الباب الضيق للتاريخ.
    لقد تبنى بعد ذلك وبعد السبعينيات أشخاص كل طروحات فرنسا الإستعمارية الإنتقامية والتي لا تزال تقدمها لهم على أساس أنها مبادئ نضالية تارة من أجل إحلال التعددية وحرية التعبير (1988) وهي مبادئ جميلة لو لم تكن ملغمة لأنها كان الهدف الأساسي لها هو تكسير "الدولة الأمة" والقضاء على التيار الوطني من خلال الثضاء على الأفلان. وقد عشنا كيف تم تكسير كل رموز الدولة وهياكلها وكذا رموز الأفلان في تلك الأحداث التي لم ينخرط فيها الشعب أبدا.وقبل ذلك عاش الدارسون باللغة العربية في الجامعة الأمرين حيث منعوا بالتسجيل في الجامعة .ودام الصراع طويلا.ولسنوات .مما خلق العداوة بين أبناء السعب الواحد.وتم تكسير وحدة الجيل الأول من أبناء الجزائر المتقلة بهذه الطريقة .والذين كانوا يمثلون إطارات ومثقفي المستقبل.
    وبعذ ذلك تم إخراج تيار غسلاماوي لا ندري كيف.ونحن نعلم أن الشعب الجزائري يمارس دينه الأسلام كهوية وجزء من كيانه وليس كبرماج سياسي .وعندها بدأ التجنيد ضد هذا التيار بعد أن تم إيصاله الى المجالس البلدية والمجلس الشعبي الوطني في المرحة الأولى لإنتخابات في 1990.
    والمشكل أن من يتكفلون بتطبيق أفكار الإستعمار الجديد في الجزائر هم جزائريون والكارثة أن الكثير منهم يعتقد أنه على صواب لأنهم لا يقرِون كثيرا ولا يفكر ولا يفكرون بحرية .فيكفي أن ينطق واحد ليتم ترداد كلامه من طرف المجموعة حتى لوكان على خطإ .وهو ما يمكن أن أسميه أنا شخصية بالعصبية الفكرية غير المستنيرة.ولا يزال الصراع قائما الى الآن. (تركية حويِّ في 13 أكتوبر 2016)

    شارك التعليق

  • عبد الكريم
    عبد الكريم الثلاثاء، 06 سبتمبر 2016 11:19 تبليغ

    تحليل رائع. كما ألاحظ خاصة هذه الأعوام أن جبهة التحرير إنشغلت كثيرا بمشاكلها حتى كادت أن تنسيها دورها التاريخي بالنسبة للشعب الجزائري سواء في الشدة أو الرخاء، بأنها هي المحامية الأولى عن ثوابته و الذود عنها تحت أي مبرر . فهذا الفراغ القاتل و لا يبشر بخيرجعلت جبهة التحرير متفرجة ولا فاعلة و هي المعنية بالأمر بحكم تاريخها. فاستغله العدو التقليدي للتوغل استهانة بثوابتنا. حتى أصبح الإسلام يقزم و لا يستهل أن يكون له كتاب واحد لأبنائنا.

    شارك التعليق

  • صــوكــو  مـحــمـــد  (أمين قسمة جيملة  ، محافظة جــيــجــــل)
    صــوكــو مـحــمـــد (أمين قسمة جيملة ، محافظة جــيــجــــل) الإثنين، 23 ماي 2016 13:55 تبليغ

    تحليل صائب ، و لكنه لن يكتمل إلا بتلقينه لمسؤولي الهيئات الوطنية و القاعدية للحزب حتى يحمله جميع المناضلين و يتسلحوا به و يرددونه في كل المناسبات و المحطات ....

    شارك التعليق

  • أبو عبيدة
    أبو عبيدة الثلاثاء، 17 ماي 2016 22:34 تبليغ

    تحليل ممتاز، يتميز بالرصانة في الموقف و العقلانية في الطرح ويعبر عن واقع الحال بدون رتوش.

    شارك التعليق

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة