التحريض أشد من القتل!
نجيب بلحيمر
1022

فكرة

التحريض أشد من القتل!

شاحنة تدهس متسوقين في برلين فتقتل اثني عشر شخصا وتجرح عشرات آخرين، ورجل أمن تركي كان يفترض فيه أنه موجود لحماية ظهر السفير الروسي لدى أنقرة يوجه مسدسه إلى هذا السفير ليصيبه بطلقات قاتلة.

هذه من أشكال القتل التي لا يتوقعها أحد، وما استخدم فيها من أسلحة لا يمكن حظره أو مراقبته، فلا نستطيع التفكير في منع حركة السيارات والشاحنات في أي مدينة في العالم، ولا يمكن لرجل أمن أن يحمي الآخرين من غير سلاح ناري، ومن هنا وجب الانتباه إلى ما يغير وظائف الوسائل ويجعلها جالبة للموت في حين أنها كانت موجهة لمهمة مغايرة تماما.

صدح قاتل السفير الروسي باسم سوريا، وكانت رسالته الأخيرة، قبل أن يقتله زملاؤه في الشرطة التركية، أن ما فعله كان انتقاما من أفعال روسيا في حلب تحديدا، وبعد هذا لم يعد مفيدا في شيئا اعتقال عائلته، أو حتى البحث في ماضيه، فالدوافع واضحة، وليس هناك ما هو أسهل من الوقوع تحت تأثير التحريض على روسيا في بلد تحول فيه الخطاب الرسمي إلى اتهام لروسيا بارتكاب جرائم إبادة في سوريا من خلال قصف الأطفال والنساء، وتدمير البيوت والمستشفيات فوق رؤوس المدنيين.

قد يكون قاتل السفير الروسي أكثر الأتراك ولاء للرئيس أردوغان، فهو في النهاية استجاب بكل حماس لخطاب التحريض الذي تمارسه حكومة أنقرة، وكثير من ضحايا التحريض التركي تمنوا لو كانوا مكان القاتل الذي يكون قد ألهم كثيرا من رجال الأمن في مواقع أخرى لتقفي أثره.

في ألمانيا أيضا قد لا تجد الشرطة أثرا لمجموعة خططت ونفذت لعملية الدهس في برلين، فالأمر لا يتطلب أكثر من رجل متحمس تلقف دعوة داعش بقتل الغربيين بكل الطرق ودون انتظار أمر أو إيعاز، وربما اعتقد القاتل أيضا أنه يدافع عن شعب مظلوم، أو عقيدة مضطهدة، أو إله مهجور.

نمط الحياة في المدن يجعل الناس يتجمعون بأعداد كبيرة في أماكن ضيقة، وهذا يحولهم إلى أهداف سهلة للمهووسين بالقتل، ولم تعد هناك حاجة لسلاح ناري أو قنبلة لتنفيذ الجريمة، كل شيء يمكن أن يتحول إلى آلة للقتل، ومن هنا وجب التركيز على المحرك.. إنه التحريض الذي نقرأه ونسمعه ونتنفسه، فالمرشحون إلى ارتكاب الجرائم في هذه الأجواء فوق الحصر والمراقبة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة