ثقافة القصدير..
خليفة بن قارة
1236

حديث في الموضوع

ثقافة القصدير..

أينما تحل البيوت القصديرية، فثمة تستوطن الآفات الاجتماعية، التي تُلحِق حروقا وجروحا في نسيج المجتمع، وأعطابًا مؤلمة في بناء الدولة، ويكون وجودها في الجزائر، أكبر عاهة أصابت المدينة الجزائرية، منذ استرجاع الاستقلال، وقد تضرّرت مدينة الجزائر وعاصمة البلاد، من هذه الظاهرة أكثر من غيرها، إلى درجةٍ جعلت السلطات العمومية، تشن حربا وظّفت لها كل الوسائل، تقول إنها ربحتها وراحت تفتخر و "تزوخ" بأنها قاب قوسيْن من مدينة خالية من القصدير، وجاءت بالأمم المتّحدة لتُشهِدها على ذلك، ولتَشهد أن الجزائر هي بصدد التطهّر من هذه الآفة، التي لم يقتصر وجودها على تشويه العمران، وقضم مساحات هامة من الأراضي الفلاحية، بخلق جيوب فساد تتعدّى الأرض إلى نمط الحياة، ولكنها عمّقت الفجوة بين أبناء الوطن الواحد، وأنتجت جيلا سيظل يُورِّث حقده على المجتمع، الذي يظن أنه رماه تحت صفيح قاتل بقَرِّه في الشتاء وحَرِّه في الصيف.

قد تكون مدينة الجزائر نجحت في إزالة العدد الأكبر من المباني القصديرية التي اختلط فيها المحتاج بالمحتال، والخائف من عودة ريح عشرية سوداء مضت بالباحث عن رفاهية يرجوها، بالهارب من فقر حقيقيّ لاحقه في بقعة ما من الجزائر العميقة، ولكن هل ما تم من غزو إسمنتي همجيّ للأراضي الفلاحية، التي استبيحت خلال عشريتيْ الدم والفساد، لا يُعَد بناء قصديريّا آخر، هو أكثر خطورة على العمران والبيئة والتمدّن ؟ لقد شوّه الوجه الجميل الذي كانت تتميّز المحروسة، وجعلها لأزمان عديدة، إحدى عرائس البحر المتوسط، واختفى بياضها الناصع لتحل محله أشكال وأنماط لم تخطر على بال أتعس المهندسين المعماريين وأفشلهم، وأصبحت المدن الجزائرية كلها تقريبا، مجرّد تجمّعات سكانية كتلك التي تعشِّش في البلدان المتخلّفة، لم تُحترَم في مدننا حُرمة البيت من خلال اقتراب البنايات من بعضها، حتى أنه بإمكان النائمين في السكنات المتجاورة، أن يتحادثوا مع بعضهم من أسِرَّتهم في غرف نومهم، كما تقلّص عرض الطريق، فبدت كأنها درب ضيِّق قد لا تستطيع سيارتان أن تتقاطعا فيه، واختفى رصيف الراجلين، إما بالاستيلاء عليه عنوة من طرف الباعة الموسميين، أو عن طريق الاحتلال الذي يمارسه سكان البنايات القصديرية الإسمنتية على الحق العام الذي لم يجد مَن يحميه وينصفه.

هل يمكن أن نعتبر مدينتنا ضمن حظيرة المدن العصرية حتى لا أقول المدن الذكية ؟ أكذب إن قلت نعم، ويُجانِب الصوابَ مَن يعدّها جزءا من تلك المنظومة، فلا شيء يؤهِّلها- بوضعها الحالي- لأنْ تكون لؤلؤة في ذلك العقد، وإن كانت إلى وقت لم يكن بعيدا، وحدها عقدا يُزيِّن به السكان حياتهم وتاريخهم، ويفاخرون به زوارهم من سواح وعابرين ومقيمين، وتستدل به الدولة على عراقة الأمة، ولكن يبدو أن التحضّر توقّف عند أعتاب هذه المدينة المخنوقة، المحاصَرة بكل أنواع الرداءات التي طالت كل ما يتعلق بحياة الإنسان، حتى تخلّى عن مواطنته، وأصبح مَن لم يهرب أو يحرق، يعيش كأنه غريب داخل البيت الذي يؤويه، فالطرق لم تعد سوى مسالك تُتعِبه، كما تُعطِب له عربته، نظرا للحفر التي تنبت فيها بمجرّد هطول المطر، والممهلات أو مُحطِّمات السيارات تكاثرت بهذه المسالك، إلى أن أصبحت الجزائر تكاد تُعرَف ببلاد الدودانات، والتي لم يعد لها من هدف سوى تكسير العربات والتسبّب في الحوادث، فكل جهة رسمية تضع ما يحلو لها من حواجز، وشاركها السكان في تشويه عملية الحد من جنون السواق، وغدا كلٌّ يغنِّي على دوداناه.

صحيح أن هناك جهدًا كبيرا تبذله الدولة بهدف تحديث المدن، وأن هناك إطارات كفءة مخلصة، تُضحِّي وتُنكِر ذاتها من أجل الآخرين، كما أن هناك إرادة صادقة لدى الساكنة، بُغية الاشتراك في الجهد العام، الهادف إلى القضاء على مظاهر العطب، التي أصابت مدنهم، ولكن لا جُهْد الدولة ينفع، ما لم يُتوّج بالصرامة المطلوبة والمتابعة اللازمة للمشاريع، وما لم يُرفَع سيف الحجاج في وجه العابثين المفسدين، ولا تضحيات الإطارات المخلصة تؤتي أكلها ما لم يُثمَّن عملها، فيُجازَى كلٌّ بما فعل، يقال للمحسن أحسنت، وتُرفَع له درجته، ويقال للمسيء خسئت، ويُخفَض درجة، ولا إرادة السكان في تحسين حياة مدينتهم تنجح، ما لم يتم توريطهم في العملية، بوضع حدٍّ للمستهترين، الذي يستهزئون بإخلاص المخلصين الذين يعتبرون هؤلاء جياحًا أو سفهاء، إن المدينة الغارقة في الفوضى العامة، يمكن أن تخرج من حالتها البائسة، وتُصبح مدينة تحلو فيها الحياة، بالتخلص من ثقافة القصدير، المتمكِّنة من عقولنا، ولن يتم ذلك إلا إن تلاقى جهد الدولة مع صدق العاملين، مع توظيف إرادة السكان في الاتجاه الصحيح، وليس ذلك بعزيز...

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة