الطاهر بن عائشة: عام على رحيل مثقف كبير
محمد بوعزارة
627

أفكار

الطاهر بن عائشة: عام على رحيل مثقف كبير

منذ عام وستة أيام بالضبط ارتحل عنا الصديق الأستاذ الطاهر بن عائشة الذي كان واحدا من أبرز الصحفيين كفاءة و موسوعية و جرأة و شجاعة وثورية ووطنية،  منذ عرفته في شهر أوت من عام  1971  ، و الرجل هو هو، لم يتغير،  لم يتبدل ، لم يتلون، ظل مسكونا بالحالة الثورية كأنه شاب في مقتبل.

كان أول صحفي جزائري يطبق عنه تعسفا التقاعد المسبق لا لسبب، إلا لأنه تجرأ على قول لا لأحد المسؤولين، أدخله نص مجهول كتبه بخط يده وأرسله لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون في العام الأول لاستعادة الاستقلال إلى هذه المؤسسة ولولا ذلك النص لبقي سي الطاهر يعلم التلاميذ في مدرسة نائية بمدينة حجوط بولاية تيبازة حاليا.

تخرج من الزيتونة ونحا نحو اليسارية في شكلها التقدمي، متخذا من أمثال المعتزلة ومن الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري نموذجا ليساريته الثورية في الدفاع عن المستضعفين والفقراء وطالبي الحرية والمساواة ، مقدما مفهومه للإسلام في بعده التقدمي والإنساني في تحقيق العدالة والمساواة.

لا يكل ولا يمل من الجدل العلمي الرفيع في أمور الثقافة والإعلام   والتاريخ والسياسة وفي معرفة تاريخ الشخصيات الوطنية والعالمية بعيدا عن الديماغوجية أو الشطط والخيال.

ظل سي الطاهر يحاور ويناقش بفكر العالم والفقيه والموسوعي  والصحفي والنابغة في أمور الدين بفكر العالم المستنير وفي قضايا الفكر والسياسة.

وقد يتغلب في ذلك على عدد من العلماء والمتخصصين في هذا الشأن كما حدث ذات ثلاث ليال متتاليات من رمضان من سبعينيات القرن الماضي بالمركز الثقافي الإسلامي بالعاصمة، حيث كان سي الطاهر النجم الساطع في نقاش رفيع حول اليسار في الإسلام .

ويكفيه شرفا ما قدمه من سلسلة وثائقية عن الإسلام في عصوره الزاهية عبر العديد من دول آسيا الوسطى والعديد من بلدان القارة الافريقية  والأندلس.

لا يبيع ولا يشتري في المبادئ كما آمن بها ولو كلفه الأمر قوت أولاده.

عرف كبار رجالات الحركة الوطنية والسياسة و الفكر، وناضل معهم من أجل استعادة الوطن لاستقلاله، وهو يعترف للكبار بكبرهم في سمو الأفكار وفي الوطنية.

إذ يقول عن سي عبد الحميد مهري الذي سبقه سي الطاهر إلى الدراسة في جامع الزيتونة بأنه كان سابقا لزمانه.

ويتحدث بإعجاب كبير عن البطل الشهيد مصطفى بن بوالعيد الذي التقاه عام 1948 خلال حملة انتخابية لصالح حزب الشعب فيقول:

بأنه وطني كبير وعملاق متزن وهادئ تنفذ كلماته مثل الرصاصة التي لا تخطيء الهدف.

اليوم نجتمع في هذا الصرح الثقافي لنتذكر هذا الأب ، هذا المثقف المشاكس الجريء ، هذا الثائر ، هذا الوطني، هذا الموسوعي، هذا الذي يوصف باليساري وقد قال لي ذات يوم وأنا بصحبته في بيته تعالى معي ..

وراح يقودني إلى مكتبته العامرة بآلاف الكتب وهو يقول لي هنا صومعتي في إيماني، وأشار رحمه الله إلى سجادة الصلاة، و هنا صومعتي الأخرى،  وأشار إلى الكتب، حيث كان قارئا نهما يقرأ كل شيء ولا يتوقف عند ويل للمصلين .

رحمك الله أيها الصديق العزيز الأستاذ سي الطاهر،  وتأكد أنك حي بيننا، فأنت لم تمت، ولن تموت ما دامت أفكارك وقيمك وآثارك ومواقفك تشهد لك لتبقيك حيا.

واليوم وبمثل هذه الوقفة التكريمية فإن أصدقاءك وتلاميذك سيتذكرونك ويذكرونك بخير، وهم بذلك يقولون لك بأنك ستبقى نحيي ذكراك، ونقول عنك ما يجب أن يقال لتعرف الأجيال الحالية واللاحقة أن الطاهر بن عائشة كان قامة كبيرة وسيبقى كذلك .

ولا شك أن الشهادات التي سيدلي بها الأصدقاء وكل الذين عرفوك أو قرؤوا عنك أو لك أو سمعوك أو سمعوا عنك أو شاهدوا أعمالك، وكذا الوثائق التي تركتها ستكون الدليل الحي على أنك ستبقى حيا بيننا وبين من سيأتي بعدنا.

ولا أجد كلمة أختم بها مقدمتي هذه سوى ترديد ما قاله الشاعر الكبير عبد الله بن كريو عندما قال:

الناس الزينين لو ما ماتوا حيين      حيين بخصلات تتعاد وراهم ..

أنت من هؤلاء و ستبقى منهم حيا لن تموت.

نص الكلمة التي ألقيتها بالمكتبة الوطنية بمناسبة الندوة التي أقامتها وزارة الثقافة بمناسبة إحياء الذكرى الأولى لوفاة الأستاذ الطاهر بن عائشة يوم 9 جانفي 2017.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة