التحرير
972

الاستثمار في الأمن

يمكن استخلاص عديد الملاحظات من أحداث الشغب والعنف، التي مست بعض الجهات من البلاد،أولها: دعوات المواطنين المتتالية والملحة إلى التعقل، حيث  أثارت أعمال العنف والتخريب حفيظة الجزائريين الذين سارعوا إلى التعبير عن رفضهم لمثل هذه الاحتجاجات ووقوفهم جسدا واحدا أمام زارعي الفتنة في البلد.

والملاحظة الثانية هي قيام المواطنين بحملات تطوعية من أجل تنظيف الأحياء التي شهدت أعمال عنف وإزالة الركام الذي نتج عن التخريب الذي طال الممتلكات، كما أن التجار ببجاية وغيرها من المناطق ردوا على المحرضين على العنف بفتح محلاتهم، مفوتين بذلك الفرصة على المحرضين لضرب الاستقرار.

أما الملاحظة الثالثة، التي تستدعي الوقوف عندها، فهي المعالجة الأمنية لأحداث العنف والتخريب،التي مست بعض الجهات في البلاد، حيث أنها تكشف  التحول الكبير الذي طرأ على السلطة في بلادنا، ليس فقط في كونها لم تعمد إلى استعمال القوة وقلصت اللجوء إليها في الحالات القصوى، ولكن أيضا في ترك الغاضبين المشاغبين يصطدمون بالواقع الشعبي المجتمعي الرافض لعمليات الحرق والنهب والتخريب.

اقتصاد الدولة في اللجوء إلى القوة المادية الصلبة يؤشر فيما يؤشر على استعادة الدولة  لثقتها في قواها وقدرتها على لملمة الأوضاع، وهذا رغم أن عدد المصابين من قوات الأمن قد تجاوز العشرات.

حالة الخوف وربما الرعب التي شعر بها بعض الجزائريين في بداية الأحداث، عادت وتحولت من اللحظات الأولى، إلى ثقة واطمئنان، لما لمسوا التسيير الهادئ والمرن والعقلاني، وتحكم قوات الأمن في أعصابهم وتدرجهم في الرد على أعمال العنف، وهو الأمر الذي حفز المواطنين على التنديد بهذه الأعمال التخريبية.

اعتماد السلطات العمومية على  المزاوجة بين القوة الكامنة والقوة الناعمة يؤكد أن تحولا عميقا قد طرأ على نظرة السلطة إلى الشارع، وأنها استفادت واستخلصت الدرس من أحداث مشابهة عرفتها الجزائر على امتداد العشريتين الماضيتين.

ولو أن التكلفة المادية لأعمال الحرق والتخريب، مهما كانت، فهي باهظة، إلا أنه ومن منظور الدولة الجزائرية، لا يعد ذلك شيئا يذكر مقابل مقتل جزائري واحد.

الإمكانات المادية والتكنولوجية التي سخرتها الدولة للحفاظ على الأمن وحماية الأرواح والممتلكات، وجدت ترجمتها المادية وعائدها الملموس في هذه الأحداث، التي لو وجدت في ظروف أخرى وفي ظل شروط غير الشروط الحالية للجزائر، لكانت قد خلفت، ليس خسائر مادية فحسب، ولكن فواجع وآلام كثيرة، يصعب علاجها وترقيعها في زمن قصير.

إن كانت الدولة قد خطت خطوة إلى الوراء حفاظا على السلم الاجتماعي الذي ما يزال يتربص به كثير من الخصوم، فإن قوات حفظ الأمن التي امتصت غضب الغاضبين بكل صبر وتلقت الضربات الموجعة دون أن ترد، إنما تكبدت كل ذلك من أجل الجزائر ومن أجل الدولة الجزائرية.

وإذا كان الكثير منا يدرك أن الجزائر قد فوتت على »الخلاطين« فرصة إحداث شرخ بين الشارع والدولة، فإن الكثير أيضا ينتظر من  الجهات المعنية استخلاص العبرة من هذه الأحداث وإلقاء الضوء أكثر على الأطراف المستفيدة وعن دورها في إلقاء الزيت على النار؟

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة