كيفية نزع الألغام التي زرعـتها القوات الفرنسية بالمناطق الحدودية
صورة: أرشيف
01 جوان 2016 أحمد زديـرة/ عسكري سابق
أحمد زديـرة/ عسكري سابق
5257

عسكري سابق يكشف

كيفية نزع الألغام التي زرعـتها القوات الفرنسية بالمناطق الحدودية

 أما العقيد حسن غرابي، فقد قدم عرضا تفصيليا قيَّم فيه أمام الحاضرين المسيرة التي عرفتها عمليات نزع وتدمير الألغام بصفة عامة على مستوى الشريطين الحدوديين الجزائرية المغربية والجزائرية التونسية، وذلك منذ 1963، لتتوقف في 1988 نتيجة لبعض العوامل، وبعد استئنافها أو إعادة بعثها من جديد في أواخر نوفمبر 2004، عرفت نشاطا مكثفا نتج عنه بالإضافة إلى ما تمَّ نزعه منذ بداية

     العملية الأولى، نزع وتدمير 8.356.596 لغما أي بمعدل 7.800 لغما في كل شهر في بعض المناطق و 1.760 لغما في مناطق أخرى، وتطهير مساحة تقدر بـ7.570.422 هكتارا، مضيفا بأن الألغام التي زرعتها فرنسا في الجزائر على مستوى ربوع الوطن، تتمثل في 11 مليون لغم، منها 10.883.300 خصصت لإقامة خطي موريس و خط شال، إلا أن الرقم الذي أقرت به لا يعبر عن الحقيقة، بالمقارنة إلى ما تمَّ الوقوف عليه وملاحظته في ميدان الحقول المزروعة بالألغام، كما أن استغلال الوثائق والخرائط التي أقرت بها فرنسا، لم يقدم أية مساعدة للجزائر، لتسهيل عمل الوحدات المكلفة بهذه العملية، ونظرا لعدم توفر المعلومات الكافية التي تخص ربط الحقول بالألغام وكثافة التلغيم حسب كل منطقة على حدى، تمَّ اللجوء إلى استطلاعات ميدانية بواسطة دراسة توبوغرافية و جمع معلومات من السكان ومن المجاهدين لتسهيل العملية وتحديد القطاعات الملغمة من خلال إعادة ترسيم الخطوط، انطلاقا من وضع رسم بياني شمل كل المسارات التي حصل من خلالها أثرا لهذه الخطوط، مما زاد في تأخير مدة التنفيذ المحددة في إطار اتفاقية أوطاوا الدولية المؤرخة في 27 نوفمبر 2004.

وبناءا على هذا التعقيد، طلبت الجزائر تمديد المهلة التي تربطها بهذه الاتفاقية إلى خمس سنوات إضافية، طبقا للمادة 5 التي حددت آنذاك شهر أفريل 2012 كآخر أجل لتدمير كل الألغام، وبذلك تلقت الرّد بالقبول و تمَّ تمديد المهلة إلى غاية 02 أفريل2017.  

نص المادة 5 من اتفاقية أوتاوا طبقا للتراجم المنقولة إلى مختلف اللغات

1 ـ تتعهد كل دولة طرف بتدمير أو ضمان تدمير كل الألغام المضادة للأفراد في المناطق الملغومة المشمولة بولايتها أو الخاضعة لسيطرتها، في أقرب وقت ممكن، على ألا يتعدى ذلك عشر سنوات منذ بدء نفاذ الاتفاقية بالنسبة إلى تلك الدولة الطرف.

2 ـ  تبذل كل دولة طرف كل جهد لتحديد جميع المناطق المشمولة بولايتها أو الخاضعة لسيطرتها التي يعرف أو يشتبه في أنها مزروعة بالألغام المضادة للأفراد، وتقوم في أقرب وقت ممكن، بضمان وضع علامات حول الحدود الخارجية لكل حقول الألغام المضادة للأفراد في المناطق الملغومة المشمولة بولايتها أو الخاضعة لسيطرتها، وضمان رصدها وحمايتها بسياج أو غيره من الوسائل، لكي تكفل فعليا استبعاد المدنيين من دخولها، إلى أن يتمَّ تدمير جميع الألغام المضادة للأفراد الموجودة فيها، ويكون وضع العلامات متماشيا، على الأقل مع المعايير المحددة  في البروتوكول المتعلق بحظر أو تقييد استعمال الألغام أو الأفخاخ المتفجرة والأجهزة الأخرى، صيغته المعدلة في 2 أيار/ مايو 1966 والمرفق باتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر.

3 ـ  إذا اعتقدت دولة طرف أنها لن تكون قادرة على تدمير أو ضمان تدمير كل الألغام المضادة للأفراد المشار إليها في الفقرة 1 في حدود تلك الفترة الزمنية، جاز لها أن تطلب من اجتماع للدول الأطراف أو من مؤتمر تمديد الموعد الأخير المحدد لإتمام تدمير تلك الألغام المضادة للأفراد، لفترة أقصاها عشر سنوات. انتهى التعريف بنص المادة 5 من اتفاقية اوطاوا المتبوعة بمواد أخرى.

وللتعرف بما أنجزته مفارز الجيش الوطني الشعبي في أرض الميدان، أطلعت من خلال العقيد حسين هامل و قائد المفرزة الأولى على مستوى القطاع العملياتي لولاية تبسة على عرض يتضمن نماذج من الألغام، التي تمَّ نزعها وهي ألغام مضادة للأفراد من طراز 55/51 APDV  و 55/51 APID و55/51 APD وألغام مضادة للجماعات من طراز 55/51 APMD وألغام مضيئة من طراز 50MIE ، بما في ذلك أدوات تفجير العبوات من مشاعل بلاستيكية 59/51 DBS ومشاعل أليمنيومية 59/51، بالإضافة إلى متفجرات احتكاكية وقواعد تثبيت للألغام المضادة للأفراد من طراز 59/51 APDV وعوازل مطاطية وسدادات وأسلاك سحب، إلى غير ذلك من الأدوات التفجيرية الأخرى من بينها نماذج من الصناعة الأمريكية.

ولقد تبيّن من خلال عملية النزع، أن كثافة الألغام المزروعة بلغت معدل 50 ألف لغما في كل 20 كلم مربعا.

أما خصائص هذه الألغام، فقد أخذت ثلاثة أشكال وهي:

- الألغام المضادة للأفراد، يقارب حجمها قبضة اليد، وعند الانفجار تقطع القدم أو تبتر الساق بكامله، كأقصى ضرر تحدثه للشخص.

- الألغام المضادة للجماعات، تعتبر أخطر بحيث يمتد مفعولها إلى مجموعة بكاملها، في حالة ما يكون أفرادها قريبون من بعضهم البعض.

- أما الألغام المضيئة، فتهدف إلى كشف المارين على الأسلاك، لأنَّها عند الانفجار ترتفع و تبقى فترة وجيزة بين السماء و الأرض منشأة أضواء كاشفة، يظهر شعاع موقعها عن بعد، مما يسهل عملية القصف المدفعي و الصاروخي عن بعد. 

بهذه القراءة الوجيزة التي استخلصتها من الزيارات الأربع مع جمعية مشعل الشهيد إلى كل من ولايات تبسة، النعامة، بشار والطارف، و التي تعرفت من خلالها على ما تمَّ و يتم نزعه من ألغام من طرف مفارز الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، والإطلاع في نفس الوقت على جملة من الإحصائيات المتعلقة بنزع و تدمير الألغام بصفة عامة، وعلى التدابير المحددة في إطار اتفاقية اوطاوا الدولية، ارتأيت أن أواصل قراءتي في هذا المجال، لأعرف المعطيات التي أجبرت فرنسا الاستعمارية على إقامة هذه السدود المتمثلة في الأسلاك الشائكة و زرعها بهذه الألغام و كهربتها و تجهيزها بالرادارات ومختلف الوسائل المتمثلة في تشديد الحراسة الدائمة بواسطة الحصون (ليبلوكوز) أو الدواشم و النصب المتقدمة (ليبوست أفانسي) وأبراج المراقبة وتدعيمها بقوة عسكرية ضخمة لتطبيق هذه الإجراءات، من أجل القضاء على كل من يتجرأ في محاولة العبور.

كما ارتأيت أن أعَرِّفَ بالصعوبات التي كانت تعترض سبيل دوريات جيش التحرير أثناء سيرها من و إلى الحدود لجلب الأسلحة و الذخائر و كيفية التعامل مع هذه الأسلاك عند الوصول إليها و العودة من خلالها و هي محملة بما ذهبت من أجله.

وبالإضافة إلى ما سبق ذكره، أتطرق كذلك (بين الفينة والفينة الأخرى) في هذه القراءة إلى بعض الجوانب من مسار الثورة التحريرية المجيدة و تضحية شهدائها الأبرار، حيث ركزت على ذكر عددهم، تماشيا مع كل مناسبة أتطرق إليها في هذه القراءة، و التعريف بالتواجد الفعلي لبعض الأعداد من القوات الفرنسية في الجزائر، و كيفية تأطيرها و مواصلة مضاعفتها في خضم الكفاح المسلح، و الآطلاع في نفس الوقت على بعض العينات من الأسلحة و الطيران و المطارات العسكرية التي كانت تتوفر عليها هذه القوات، وما قام به الجنرال (شال موريس) القائد الأعلى للقوات الفرنسية في الجزائر الذي عينه الجنرال ( شارل ديغول) من أجل القضاء على الثورة التحريرية، إلى غير ذلك.

 وقبل الشروع في التعريف ببعض المعطيات المشار إليها أعلاه، أتطرق إلى بعض المعلومات التي استخلصتها بشأن عملية نزع الألغام، استنادا إلى إحصائيات جديدة ، أدلى بها المقدم أحمد أدمي، رئيس مكتب بقيادة القوات البرية، و ذلك بمنتدى المجاهد الكائن بشارع الحرية بالعاصمة، بالتنسيق مع السيد محمد عباد رئيس جمعية مشعل الشهيد، وجريدة المجاهد وحضور السيد محمد الأمين جوادي رئيس جمعية ضحايا الألغام، بمناسبة إحياء اليوم العالمي لمكافحة الألغام، و من خلال هذه الإحصائيات ، استخلصت أن عملية نزع الألغام وتدميرها تسير بوتيرة حسنة للغاية، وبذلك أسفرت إلى غاية الـ30 مارس 2016 على نزع وتدمير ما لا يقل عن 8.659.201 لغم، منها 7.819.120 لغم مضاد للأفراد والباقي من مختلف الأصناف الأخرى من بينها تلك المتعلقة بالجماعية، مذكرا في هذا الصدد أن الجزائر ستعلن قريبا على انتهاء العملية بصفة رسمية، أي قبل نهاية العمل باتفاقية "أوطاوا" الدولية المحددة في 2 أفريل 2017 كآخر أجل لنزع الألغام وتدميرها بالنسبة للجزائر.

أما الأراضي المطهرة من هذا الإرث القاتل، فتتمثل في 98.555.874 هكتارا، ولم يبق منها سواء مقطع بسيط على مستوى ولاية النعامة بالغرب الجزائري، وبعض المقاطع القليلة من ولايات: الطارف، سوق أهراس و قالمة بالشرق الجزائري، مذكرا أيضا أن ولايتي: تلمسان وبشار، تمّ تطهير أراضيهما بصفة كلية من هذه الألغام، ولم يبق ما يعيق استغلال أراضيها، مع ولاية تبسة التي عرفت تطهيرا كاملا هي الأخرى، حيث مست 17 بلدية من إقليمها.

وفي مستهل حديثه قدم أحمد أدمي، رقما مثيرا يتمثل في 7.000 ضحية، أغلبها من أبناء الفلاحين وبعض الرجال والنساء من هذه الطبقة، ولم يكتف بهذا القدر من المعلومات فحسب، بل عرّف بكثير من المعطيات و الإحصائيات في هذا الشأن، سبق لي أن قمت بتعريفها في مستهل قراءتي هذه أنفا.

مدى تصور الحكومة الفرنسية في إعداد منهجية تهدف إلى خنق الثورة التحريرية وعزلها عن المجال الخارجي بشتى وسائل الدمار

نظرا لتفاقم الأوضاع المتمثلة في كثرة العمليات المترتبة عن نشاطات الثورة التحريرية المسلحة ضد قوات الاستعمار الغاشم خلال السنوات الثلاث الأولى من اندلاعها، و إيفاد المزيد من عناصر جيش التحرير الوطني في شكل دوريات نحو المغرب وتونس لجلب الأسلحة والذخائر من القواعد الخلفية للثورة، من أجل مواصلة الكفاح المسلح، شرعت القوات الفرنسية بإيعاز من حكومة (غي مولي) التي تلاها سقوط أربع حكومات بسبب هذه الثورة، في اتخاذ جملة من التدابير المشددة (استجابة لضغوط الغلاة المعمرين والضباط المتشددين والأقدام السوداء ذات التوجه المتطرف، إلى غير ذلك من المتشبثين الذين كانوا يتزعمون فكرة بقاء الجزائر فرنسية) و ذلك من أجل استعمال القوة عن طريق منح سلطات واسعة للجيش الفرنسي في الجزائر، قصد القضاء على هذه الثورة بأي طريقة كانت، قبل أن تتطور الأمور كما كان يتخيل لهؤلاء الذين رؤوا فيها كذلك تهديدا للوحدة الفرنسية و أمنها.

و من بين هذه التدابير، تطبيق فكرة اللجنة الوزارية المكلفة بشؤون شمال إفريقيا، التي قامت (بناء على طلب الحكومة) بإصدار قرار نقلته جريدة "لاديباش أست"  في شهر جوان 1957 تحت رقم 57/27، يفضي إلى خنق الثورة وعزلها عن المجال الخارجي بشتى وسائل الدمار، وفي مقدمتها إقامة خط من الأسلاك الشائكة و كهربتها و زرعها بالألغام و تجهيزها بالرادارات و مختلف الآليات للحد من جلب الأسلحة و الذخائر من طرف عناصر جيش التحرير الوطني  كما تطرقت إليه من خلال هذه القراءة فيما سبق، و القيام في نفس الوقت بمضاعفة القوات الفرنسية ( طبقا للمرسوم الذي أصدرته الحكومة الفرنسية بتاريخ 13 افريل 1956، تلبية لطلب وزير الدفاع الفرنسي (موريس بورجاس مونوري) الذي سيكون رئيسا للحكومة خلفا (لغيمولي)، و نائبه (ماكس لوجان) كاتب الدولة للشؤون العسكرية بالجزائر، بالتعاون مع (روبار لاكوست) الوزير المقيم بالجزائر، وذلك من 60.000 عسكري في 1954 حسب الجنرال (أندري لونارماند) في العدد 207 من مجلة "إستوريا مغازين" إلى ما يقارب الـ400.000 في 1956. أما من حيث التنظيم الهيكلي لهذه القوات، فقد استخلصت من ذلك، أنه تم تشكيلها في 230 فيلق، تتمثل انتماءاتهم الأنثروبولوجية في 335.000 عسكري من أصل فرنسي و 20.000 من اللفيف الأجنبي و 20.000 من الشمال الإفريقي و 15.000 من إفريقيا السمراء، علما أن هذا النوع من العساكر الأفارقة الذين جندتهم فرنسا لمقاتلة الجزائريين، كان يطلق عليهم من طرف عامة الشعب الجزائري (السليقان) ويضاف إلى هذه الحشود العسكرية التي أتت إلى الجزائر أثناء الثورة التحريرية من كل حدب وصوب، 9.000 من رجال الدرك تتراوح نسبتهم بأكثر من 95% من أصل فرنسي. مع استدعاء رجال الاحتياط  و تمديد الخدمة العسكرية، ثمَّ أصبحت هذه القوات في تزايد مستمر، حيث وصل تعدادها تباعا إلى 500.000 في 1957 وإلى 880.000 في 1959، ثمَّ بلغت 1.000.000 (مليون) تحت الراية الفرنسية، بسبب حرب الجزائر (لا ڤير دلجيري)، مثل ما أطلق عليها من طرف الفرنسيين، بناء على ما استخلصته من الأنسيكلوبيديا الفرنسية التي توجد بحوزتي، ويقدرها الجنرال المؤرخ (موريس فايفر) بـ1.230.000، يؤازرهم 390.000 عميلا.   

يتبع...

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة