17مجازر أكتوبر 1961.. شاهد على جريمة الدولة الفرنسية
صورة: ارشيف
16 أكتوير 2019 عزيز طواهر
عزيز طواهر
1134

58 سنة تمر على جريمة نكراء ارتكبت في حق مدنيين عزل

17مجازر أكتوبر 1961.. شاهد على جريمة الدولة الفرنسية

تمر اليوم 58 سنة على إحدى المجازر الشنيعة التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حق الشعب الجزائري الأعزل، عقود من الزمن لم تكن لتمحو قبح وشناعة مجازر 17 أكتوبر 1961 التي ستظل تلاحق فرنسا، هذا الكيان الذي يرفض إلى غاية يومنا هذا الاعتراف والتعويض والاعتذار عن الجرائم النكراء التي ارتكبها خلال فترة احتلاله للجزائر، هي وصمة عار ستظل عالقة في جبين هذا المستعمر الغاشم الذي ادعى حمايته وتبينه لحقوق الإنسان وراح يدوس عليها عبر كل مستعمراته في العالم، غطرسة وتعالي فوق القوانين الدولية التي تجرم مثل هذه الأفعال، ستظل مجازر 17 أكتوبر شاهدا من الشواهد الكثيرة على جريدة الدولة الفرنسية. 


يوصف يوم 17 أكتوبر 1961 بالمجزرة النكراء، هذه الجريمة التي ارتكبتها فرنسا ضد متظاهرين جزائريين خرجوا في احتجاجات سلمية ردا منهم على حظر التجول الذي فرض على الجزائريين في باريس عام 1961، حينها أطلقت الشرطة الفرنسية بأمر من محافظ شرطة باريس موريس بابون يوم 17 أكتوبر النار على جزائريين مهاجرين نزلوا إلى الشوارع في مسيرات ضخمة قدر المشاركون فيها بالآلاف بدعوة من جبهة التحرير الوطني احتجاجا على قانون صدر ضدهم، وللمطالبة باستقلال الجزائر.

وتعود الأحداث إلى الخامس من أكتوبر 1961 عندما أصدر بابون أمرا بحظر تجوال الجزائريين من الساعة الثامنة مساء وحتى الخامسة والنصف صباحا، واعتبر المهاجرون الجزائريون وقتها الحظر عنصريا وتعسفيا. وفي 17 أكتوبر 1961 وفي الثامنة مساء خرج آلاف الجزائريين في باريس بمظاهرات سلمية وتجمعوا في الساحات العامة للتنديد بالقرار، ولإبلاغ السلطات الفرنسية بمطالب عبرت عنها شعاراتهم التي تقول "فليسقط حظر التجوال.. تفاوضوا مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.. الاستقلال للجزائر.. تحيا جبهة التحرير".

وقد هاجمت قوات الشرطة المتظاهرين الجزائريين وقتلت العشرات منهم عمدا في الشوارع ومحطات مترو الأنفاق، وألقت بالعشرات منهم في نهر السين حتى طفت جثثهم على سطحه، في عمليات قمع للمسيرات لا يعرف تحديدا عدد ضحاياها.

ويذكر مؤرخون وكتاب شهدوا الأحداث أن الشرطة اعتقلت نحو 12 ألف جزائري واحتجزتهم في مراكز الشرطة وفي محتشدات أنشأتها لهم في قصر الرياضات في باريس وقصر المعارض، وتعرضوا هناك للاستجواب والإهانة والضرب والتعذيب والقتل.

جثث تطفو في نهر السين

يذكر مؤرخون وكتاب شهدوا الأحداث أن الشرطة اعتقلت نحو 12 ألف جزائري واحتجزتهم في مراكز الشرطة وفي محتشدات أنشأتها لهم خصيصا، في قصر الرياضات في باريس، وقصر المعارض، وتعرضوا هناك للاستجواب والإهانة والضرب والتعذيب، والقتل، حسب شهود، كما رحلت السلطات الفرنسية آلاف العمال الجزائريين من باريس وضواحيها إلى الجزائر، بسبب مشاركتهم في المظاهرات. ويقدر المسؤولون الجزائريون ضحايا قمع مظاهرات 17 أكتوبر من 300 إلى 400 قتيل، ألقي بجثث العشرات منهم في نهر السين، فضلا عن المفقودين.

ويرى الكاتب الجزائري، عبد القادر ذهبي، أن أجهزة الأمن الفرنسية، بقيادة موريس بابون، الذي تعاون مع النازية، كان يعرف أن أغلب الجزائريين في فرنسا كانوا يناضلون، طوعا أو كرها، في صفوف جبهة التحرير الوطني، ولم يكونوا وقتها يسمون مهاجرين لأنهم كانوا فرنسيين بالنسبة للسلطات الفرنسية، وعلى هذا الأساس فرض عليهم وحدهم حظرا للتجول ويضيف ذهبي أن هذا الحظر العنصري هو الذي دفع بالجزائريين إل تحديه بالمسيرات السلمية، ولكن الواقع أن ما حدث هو فخ نصبته لهم الشرطة، لكي ترهب الجزائريين بقمع وحشي لم تقم به النازية، إذ قتل نحو 450 جزائري، حسب شهادة بعض من عاصروا الأحداث وشهدوها.

شهادات حية لبعض المتظاهرين الناجين من مجازر 17 أكتوبر

وفي شهادة له أكد سعيد بقطاش -أحد المتظاهرين آنذاك- أن تلك المظاهرات سرعان ما تحولت إلى مجازر، وأن قوات الشرطة الفرنسية هجمت على المتظاهرين بالهراوات والرصاص الحي، وألقت بعض المتظاهرين مكبلين في نهر السين، وفي اليوم التالي طفت الجثث على سطح الماء. وقال سعيد بقطاش إن آلاف الجزائريين اعتقلوا في تلك المظاهرات، مشيرا إلى أن بعضهم مات تحت التعذيب.

وبدوره صرح المؤرخ الجزائري حسن زغيدة، أن ما جرى في مظاهرات 17 أكتوبر هو جريمة دولة منظّمة، تُعاقب عليها جميع القوانين الدولية ولا تموت بالتقادم.

وكشف أن مجازر 17 أكتوبر جرت وسط تعتيم إعلامي، حيث منعت السلطات الفرنسية حضور الصحافة والكتابة عن المجزرة، كما تجاهلت شكاوى ذوي المفقودين في المظاهرات.وقالت الناجية الفرنسية من المجزرة مونيك هيرفو في شهادة لها، إنها شاهدت بأم عينيها كيف أطلق عناصر من الشرطة النار على الجزائريين، وكيف كانوا يلقون بالجثث في النهر.ووصف المؤرخان البريطانيان جيم هاوس ونيل ماكماستر ما تعرض له الجزائريون يوم 17 أكتوبر في كتابهما "الجزائريون، الجمهورية ورعب الدولة" بأنه أعنف قمع لمظاهرة في أوروبا الغربية في التاريخ المعاصر.

المسؤول بفيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا يروي تفاصيل الواقعة

أكد  المجاهد محمد غفير المدعو "موح كليشي" المسؤول بفيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا بأن ما يزيد عن 80.000 جزائري مغترب شاركوا في هذه المظاهرات السلمية يوم 17 أكتوبر 1961 بباريس و ضواحيها تلبية لنداء جبهة التحرير الوطني.

وقد تم هيكلة المتظاهرين ضمن فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا التي شرعت في النشاط إبتداءً من 25 أوت 1958 تحسبا للمشاركة في المظاهرات المذكورة حسبما أوضحه المجاهد غفير  في ندوة تاريخية ببومرداس في"ظرف وجيز" نظرا للظروف الصعبة ومضايقات الأمن الفرنسي التي كانت تستهدف الجزائريين على وجه الخصوص.

وجاء قرار تنظيم المظاهرات السلمية بقلب باريس يضيف المجاهد - تلبية لنداء لجنة التنسيق والمتابعة المنبثقة عن  مؤتمر الصومام الذي أوصي بضرورة تجنيد الـ 300000 جزائري المغترب بفرنسا و في كل الدول الأوروبية لمساندة الثورة ماديا ومعنويا وتحسيس الرأي العام الدولي بعدالة القضية.

وحسب المجاهد غفير، فإن الشهيد عبان رمضان عضو لجنة التنسيق والمتابعة هو من أشرف على تعيين المجاهد عمر بوداود على رأس فيدرالية جبهة التحرير بفرنسا بتاريخ 10 جوان 1957 و أعطيت لهذا الأخير أوامر للتحضير من أجل نقل الثورة التحريرية إلى قلب  فرنسا و من ضمنها تنظيم مظاهرات 17 أكتوبر 1961.

وبغرض مواجهة التحركات التي كانت تشرف عليها الفيدرالية بفرنسا و خاصة ليلا بباريس يضيف المجاهد غفير سنت السلطات الاستعمارية حضرا للتجوال ابتداء من تاريخ 6 جوان 1961 للجزائريين دون سواهم.

وتم تجنيد لقمع أي تحركات بعد تعيين موريس بابون محافظا لشرطة باريس أزيد من 7000 شرطي و 1500 دركي إضافة إلى أعداد أخرى من مختلف أجهزة الأمن وما يزيد عن 500 حركي.  ويري غفير بأن المظاهرة التي جاءت لكسر الحصار من خلال حضر التجوال تعد بمثابة أخر محطة في مسار الثورة التحريرية بعدما لقيته (المظاهرة ) من تضامن محلي و دولي جراء التقتيل و التنكيل الذي جوبهت به حيث اضطرت السلطات الاستعمارية بعدها إلى فتح حوار حقيقي مع ممثلي الثورة التحريرية.  

اعتراف فرنسي بمجازر 17 أكتوبر عام 2012

فرنسا على المستوى الرسمي أنكرت لسنوات مجزرة 17 أكتوبر، غير أن الرئيس  فرانسوا هولاند أقر بها في خطاب له بالجزائر في ديسمبر 2012 لكن دون أن يقدم الاعتذار، حيث قال، إن فرنسا تعترف بكل وعي بالمأساة التي تمثلت في قمع دموي تعرض له جزائريون كانوا يتظاهرون من أجل حقهم في الاستقلال، وكان ذلك أول اعتراف رسمي من فرنسا بتلك المجزرة. وتحدث مؤرخون فرنسيون عن المجزرة أبرزهم جون لوك اينودي الذي كشف في شهادته التي نشرت في 20 ماي 1998 في صحيفة لوموند أنه في أكتوبر 1961 وقعت في باريس مجزرة اقترفتها قوات الشرطة بأمر من موريس بابون، وهي الشهادة التي دفعت بابون -الذي أدين عام 1998 خلال محاكمته بالتعاون مع النازية- إلى تقديم شكوى ضده عام 1998 بتهمة التشهير ضد موظف عمومي، لكنها رفضت عام 1999 وتمت تبرئة المؤرخ.

كما أن الفرنسيين خلدوا مجازر17 أكتوبر بوضع لوحة كبيرة على جسر في سان ميشال وكتب فيها "من هنا كانت ترمي الشرطة الجزائريين في نهر السين في 17 أكتوبر 1961"، لكن هذه اللوحة تعرضت للتخريب قبل أن يعاد تثبيتها، إضافة إلى تأسيس "جمعية 17 أكتوبر 1961 ضد النسيان".

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة