هكذا تُهرب المافيا السمراء "صدقات" الجزائريين
صورة: صوت الأحرار
12 ديسمبر 2018 ياسمين ناب
ياسمين ناب
429

عصابات دولية تستغل ظروف المهاجرين الأفارقة لجني الثروة

هكذا تُهرب المافيا السمراء "صدقات" الجزائريين

"الله يخليك أنا مريضة"، "عاونوني"، أعطيني "صدقة".. بهذه العبارات تحتضن "برنسيس" طفلها ومعه تحمل همومها التي ساقتها من قريتها بشمال المالي إلى قدر مجهول، وقد تجلى الحزن على محياها تجدها على حافة الطريق لا خيار لها سوى انتظار أحد المارة للتسول منه وبمجرد أن تُسأل عن حياتها تنهمر الدموع من عينيها وهي تروي بلغة عربية متقطعة عذاب رحلة الشتاء والصيف التي انتهت بها في أحد شوارع العاصمة الجزائرية لتنتظر من يجود عليها بعطفه بمنحها بعضا من الدنانير..


حالة "برنسيس" هي عنوان يلخص حياة آلاف المهاجرين واللاجئين الأفارقة، خاصة الأطفال والنساء الذين يضطرون إلى التسول، فيما يجود الحظ للبعض منهم بفرص عمل بأحد ورش البناء.. لكن بالمقابل لا يعلم الكثيرون أن هذه الاموال تذهب إلى جيوب عصابات وشبكات إجرامية، تستثمر في بؤس هؤلاء الأفارقة، ليتم تحويل مغانم هؤلاء المتسولين خارج الجزائر.

في تحقيق استقصائي استغرق شهرا ونصف من العمل، حاولنا أن نرصد، أطفال ونساء الشوارع المتسولين، وبشكل خاص، المهاجرين الأفارقة الوافدين من البلدان الثلاثة: مالي، النيجر ونيجيريا  لاقتفاء أثر عمليات تهريب الأموال لهذه الشبكات الإجرامية...

مما لا شك فيه، أن الهجرة حق أصيل من حقوق الإنسان، إلا أن الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتردية قد تدفع بكثيرين إلى ترك أوطانهم رغما عنهم، بحثا عن حياة أفضل، وهذا هو حال المهاجرين الأفارقة، الفارين من جحيم بلدانهم، في رحلة قاسية، بحثا عن ملاذ آمن، لكن ...

فالمتجول عبر طرقات العاصمة، يلاحظ فورا أعدادا كبيرة من المهاجرين، الذين تدفقوا على الجزائر من مناطق متفرقة، يمارس أغلبهم مهنة التسول، التي اختاروها أو فرضت عليهم من قبل شبكات تشرف على هذه العملية المنظمة.

"غنائم التسول" تهرب نحو عدد من الدول الإفريقية

وبالرغم من أن المتسولين يجمعون على أن عملهم فردي، وأنهم لا ينخرطون في أي شبكة أو أنهم غير تابعين لأي تنظيم، إلا أن واقع الحال يؤكد غير ذلك، فلا أحد يزاحم أحدا في مكانه، إنهم ينتشرون وفق خطط مدروسة وبشكل منسق يشير إلى وجود شبكات منظمة، تعتمد تقنيات حديثة في الاتصال بهم ووضع خطط توزيعهم على مناطق حساسة، كفيلة بضمان العودة بمبالغ مالية مهمة، يتم فيما بعد تحويلها إلى أشخاص يقومون بتهريبها بمختلف الطرق.

في إحدى مراكز الإيواء للأفارقة المهاجرين في دالي ابراهيم بالعاصمة، تقف امرأة في الثلاثين من عمرها، وهي تحمل طفلا رضيعا، وبعد إلحاح كبير تحدثت إلينا قائلة: "اسمي ديبرا قدمت من مالي، كنت أعيش تحت أحد الجسور قبل مجيئي إلى هنا، وليس عندي دخل أعيش به أفضل من التسول، لأنني حتى وإن اشتغلت لن أجني ما يوفره لي التسول، فضلا عن الأكل والملبس.. فالمحسنون يتعاونون معي ومع طفلي ووضعي في مركز للإيواء يعني حجزي، حتى وإن قدموا لي ما أحتاج إليه، أنا بحاجة إلى أن أرسل المال لأهلي هناك في مالي، وإلا لماذا سافرت وعبرت كل هذه الطريق".

وفي منطقة أخرى، حاولنا التقرب من مريم، امرأة يبدو على وجهها علامات الكبر، حيث قالت لنا عند سؤالها: لي ثلاثة أبناء يجب إطعامهم. لكن الحقيقة أنها لا تطلب طعاما تسد به رمقها، بل تريد ثمن الطعام الذي تعلم هي وحدها- على حسب قولها- كيف تصرفه، فهروبها من حركة "بوكو حرام" المتشددة بنيجيريا جعلها ترفض العودة إلى مدينتها التي تركت فيها باقي أهلها، وعند سؤالها عن كيفية إرسال المال إلى أهلها، أجابت بكل بساطة، من خلال تسليم المبلغ إلى شخص ما يتولى الاتصال بطرف آخر في فرنسا، ليحول المبلغ إلى عائلتي، على أن أدفع عمولة مقابل كل عملية تحويل، وعلى الرغم من أن مريم تقف في نفس المكان بشكل يومي، إلا أنها ماهرة في استعطاف الناس.

أما حكاية أحمد، فتبدو مختلفة بعض الشيء، فهو شاب قرر التوجه من مالي إلى الجزائر ولم يجد من طريقة سوى دفع مبلغ يقارب الـ1000 اورو لأحد مهربي المهاجرين والذين قاموا بجلبه إلى مدينة تمنراست، ليجد نفسه بوسط الصحراء الجزائرية، وهو ذلك الشاب الذي لطالما حلم بالعاصمة الجزائرية، لما سمع عنها من توفر فرص عمل بالإضافة إلى وجود مواطنين ميسوري الحال، ليختار من هذا المنطلق طريقا أخرى يصل بها إلى مدينة بجاية ومن ثم إلى العاصمة رفقة اثنين من مهاجري موطنه الأصلي. يقول أحمد: أنا لا أمتهن التسول، ولكنني أحيانا لا أجد عملا يضمن لي مردودا كافيا، لأرسل المال لعائلتي التي تركتها هناك، ولهذا أضطر أحيانا للتسول من أجل تأمين المبلغ الكافي الذي يمكنني من البقاء.

محاولة تهريب 11 مليون أورو خلال 6 أشهر.. استنزاف لاحتياطي العملة الصعبة

لقد تسببت الفوضى الأمنية في كل من مالي والنيجر إضافة إلى نيجيريا بدرجة كبيرة في اتخاذ الجزائر منطقة لكسب المال بأي طريقة، فبينما يعمل البعض بأجور زهيدة في ورشات البناء، ينخرط آخرون في أنشطة غير شرعية، كالنصب والتزوير والشعوذة والمتاجرة في المخدرات، وهي الأعمال التي أوقعت بعدة ضحايا جزائريين، فضلا عن عمليات تهريب الأموال التي أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني ، حيث حذر الخبير الاقتصادي بشير مصيطفى من الانعكاسات السلبية لحجم الاموال المهربة الى خارج الجزائر والتي بلغت سقف الـ60 مليون أورو في سنة 2017 ، فيما تم فقط خلال النصف الاول من 2018 محاولة تهريب 11 مليون أورو وهو الامر الذي أضر كثيرا باحتياطات الجزائر من العملة الصعبة .

 المتسولون الأفارقة يجنون يوميا ما بين 30 و60 ألف دج

ولمعرفة حجم الأموال التي يتم تهريبها كان يجب التطرق لقيمة الاموال التي يجنيها هؤلاء الأفارقة وهنا يوضح لنا رئيس ديوان الوالي لولاية العاصمة محمد عمراني الذي أكد أنه في اليوم الواحد يجمعون نحو 30 أو 60 ألف دينار" أي ما يفوق الـ300 دولار وهذا المبلغ يتقاضاه راتب موظف خلال 30 يوم، وهو ما يعادل أجرة شهرية تفوق الـ180 مليون دينار، وعليه يمكن توقع أن هناك أموال ضخمة يتم جمعها وتهريبها بعد ذلك خارج الجزائر، مشيرا إلى أن العصابات تستغل 38 طفلا من النيجر بغرض التسول في الأماكن العمومية.

"تمنراست" منطقة تجميع ملايير التّسول من الولايات الجزائرية وتهريبها إلى النيجر

تعمل السلطات الجزائرية بشكل حثيث حاليا لإيجاد حلول لمشكلة تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى أراضيها، خاصة بعد اعلان وزارة الداخلية عن دخول نحو 3500 مهاجر أسبوعيا، من 24 جنسية مختلفة، تبين أن دخولهم يتم غالبا عبر شبكات التهريب وعصابات إجرامية تلزمهم بجمع الأموال عبر التسول أو من خلال عمليات النصب والاحتيال لتقوم بعدها فرق خاصة بجمع ثم تهريب هذه الأموال خارج الجزائر، وهنا بيت القصيد في الملف الذي نتناوله، حيث أن هناك مداخيل تعود لهذه العصابات من خلال استغلال هؤلاء الضحايا، ليبقى التساؤل: كيف يتم هذا الاستغلال، وعبر أي وسيط يتم جمع الأموال وإخراجها من التراب الجزائري ووصولها بسلام إلى الضفة الأخرى؟

بداية البحث عن المتورطين في عمليات التهريب، كانت صعبة لأن المهاجرين الأفارقة يرفضون الاعتراف بحقيقة تحويل الأموال من الجزائر إلى الخارج عبر الشخص المعروف في أوساط الجماعات المهاجرة السمراء بتسمية "الصراف " والذي توكل له مهمة تحويل الأموال من الطرف "أ" إلى الطرف " ب"، كما أنهم يصرون على أن المبالغ المالية التي يتحصلون عليها بالكاد، تكفيهم لسد احتياجاتهم البسيطة، بالرغم من أنهم يناقضون أنفسهم في حديثهم أثناء قيامهم بالتسول عن مهمة العمل من أجل إعالة أهاليهم الموجودين في مواطنهم الأصلية.

ومن هنا كان يجب أن نقتفي أثر هذا التحويل غير القانوني، من خلال الاهتداء إلى فكرة دخول عالم السوق السوداء للعملة الصعبة بساحة بور سعيد "السكوار" بالعاصمة، والتي يتم فيها تحويل أموال التسول إلى العملة التي يحتاجها "الصراف"، وهناك أرشدنا بعض تجار صرف " الدوفيز" الذين يقومون بتغيير العملة الصعبة إلى شخص تطابقت فيه المواصفات التي كنا نبحث عنها، ولأننا نعلم أنه من الصعوبة الوصول إلى ما نريده بسهولة، حاولنا انتحال صفة شخص يريد إرسال مبلغ مالي لأحد الرعايا الذين كانوا بالجزائر وتم ترحيلهم إلى بلادهم "النيجر"، فكان رده بالرفض القاطع وامتناعه عن المساعدة-حسبه- لدواعي أمنية، حيث أخبرنا "كاميل" صاحب الـ30 سنة، القادم من احدى مدن نيجيريا والذي كان حذرا جدا في تعامله معنا، بأن السلطات الجزائرية أصبحت تشدد الرقابة فيما يخص هذه الأمور وأن العمليات التحويلية لم تعد تحدث كما سبق، بل أصبحت الأموال ترسل مباشرة من منطقة تمنراست بالجنوب الجزائري في محاولة لإلغاء مهمة "الصرافين" الذين تم في كثير من الأحيان إلقاء القبض عليهم وبحوزتهم مبالغ مالية مهمة، وعليه يتم في الوقت الحالي الاعتماد على جزائريين لإيصال المبالغ المالية لشخص أو أشخاص رئيسيين، تقوم بإرسالها  إلى المنطقة المحددة والشخص المعين، وبطبيعة الحال لم يصرح لنا "كاميل" عن اسم أو مكان هذا الشخص مدعيا أنه لا يعرفه ولا تجمعه به أي علاقة.

"كاميل" التاجر كما يفضل تسميته والذي رفض عدة مرات تسميته بالصراف، نصحنا بالاهتداء إلى طريقة أخرى لإيصال المبلغ المالي، الذي احتقر قيمته، مقارنة بالمبالغ المالية الثقيلة التي كانت تمر بين أيديه، حيث نصحنا بمحاولة الاتصال بأحد العاملين بالسفارات المتواجدة هناك أو بموظفي سفارات البلاد الذين سنرسل إليها المبلغ المالي.

حصيلة ثقيلة يقودها أفارقة بتورط جزائريين

لا تخلو الأخبار في الجزائر من بيانات صادرة عن قيادة الدرك الوطني، تفيد بتوقيف عشرات المهاجرين الأفارقة عند الحدود مع النيجر ومالي، وفي حصيلة لفصيلة الأبحاث للدرك الوطني بتمنراست، تم تفكيك شبكة دولية للاتجار بالبشر تختص في تهريب الأطفال والنساء النيجريين بطريقة غير شرعية إلى الجزائر من أجل التّسول، حيث أوقفت رئيس العصابة المعروف بـ "الصرّاف"، أين أجرى أفراد العصابة التي كانت تستغل الأفارقة في التسول أكثر من 200 عملية تحويل عبر حساب بريدي جاري لأموال ضخمة خلال السنوات الثلاثة الماضية.

هذا "الصرّاف"، رئيس العصابة، شيخ على أعتاب السبعين من عمره، ينشط في الاتجار بالبشر وبالتحديد المهاجرين غير الشرعيين النيجيريين بالجزائر، حيث يعتمد على تهريب الأطفال والنساء من "نيامي" و"أغاداس" بالنيجر إلى تمنراست، ومنها إلى الولايات الداخلية والشمالية بالجزائر لاستغلالهم في التّسول وحصد الأموال والقيام بتهريبها.

بعد التّحقق من العمليات المالية، من الشمال إلى الجنوب، تبين أن الشبكة أجرت أكثر من 200 عملية تحويل خلال ثلاث سنوات، حيث يتراوح المبلغ المحول أسبوعيا بين 40 مليون و200 مليون سنتيم، ليبلغ 400 مليون سنتيم شهريا، كما بينت التحقيقات أن حصة الضحايا، أي المهاجرين المستغلين في التّسول، ضئيلة جدّا، حيث لا يمكنهم اختلاس جزء من المال لأن هناك من يراقبهم من الشبكة عن قرب، وقد تصل حصتهم إلى ثلث الأموال.

وأشارت إلى أن هؤلاء الضحايا في قبضة محكمة للشبكة، من نيامي إلى أغاداس إلى الولايات الشمالية للجزائر، لأنهم يقعون تحت طائلة الدّين، مقابل نقلهم من النيجر والتكفل التام بهم في الجزائر، وأظهرت أن تفسير الكثير من حالات القتل لمهاجرين غير شرعيين يوجدون ملقين بالشوارع، هي أنهم ضحايا الشبكات الإجرامية التي تنقلهم.

 الجنوب الجزائري.. الساحة المربحة لتجارة المافيا الإفريقية

بدورها تحذر الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، من تفاقم الوضع حيث أكدت أن المهاجرين الأفارقة يدفعون ما لا يقل عن 2600 يورو لأجل قطع الصحراء والوصول إلى الجزائر، كما أنّ شبكات التهريب التي تنشط بين الجزائر، مالي والنيجر تحصل على مبالغ ضخمة جراء هذا النشاط الذي تستمر عائداته فالمهاجر يظل مجبورا على الدفع بعد دخول الحدود سواء عبر التسول أو قيامه بعمليات نصب واحتيال أو حتى عمله بورشات البناء، المهم أن عمليات الدفع تبقى مستمرة في إطار عمليات التحويل غير الشرعية والتي أصبحت بعدها الدولة في مواجهة لأكبر عمليات شبكات المافيا التي تستغل تدفق مئات المهاجرين عليها، أين  تبرز المحاور الحيوية لتهريب البشر في محور منطقة  "آرليث ? سمقة" بالنيجر وعين قزام بالجزائر، إلى جانب محور صحراء تنزروفت الذي يتم فيه تهريب البشر بين منطقتي برج باجي مختار الحدودية ومدينة أدرار جنوبي الجزائر.

تقرير أسود حول العصابات الإفريقية بالجزائر

أفادت الخارجية الأمريكية، في تقريرها السنوي حول وضعية حقوق الانسان في العالم لسنة 2017، بأن دخول الرعايا الأفارقة إلى الجزائر، يتم غالبا عبر شبكات التهريب وعصابات إجرامية، مؤكدة بأن المهاجرين الذين يتعذر عليهم الوصول إلى أوروبا يستقرون في الجزائر، حتى يتمكنوا من مواصلة رحلتهم، في حين تحصل فئة محدودة منهم على فرص للعمل في ورشات البناء، وبعضهم يدخلون عالم الدعارة لكسب المال، وهو ما يضعهم في مواجهة مخاطر عالية من الاستغلال.

واللافت في التقرير تطرقه إلى قضية التسول باستخدام الأطفال، ويتعلق الأمر بأطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و 8 سنوات، يتم جلبهم إلى الجزائر عن طريق شبكات الاتجار بموافقة والديهم ويجبرون على التسول لعدة أشهر في الجزائر قبل أن يعودوا إلى عائلاتهم في النيجر، كما عرض التقرير بعض التجاوزات ضد مهاجرات، من إفريقيا جنوب الصحراء، يعملن كخادمات يتعرضن للإيذاء الجسدي، ومصادرة جوازات السفر، ولا يحصلن على أي علاوة، إلا بعد توفير المبلغ المحدد.

وبحسب التقرير، لم تبلغ الحكومة على وجه التحديد، عن إدانات ضد كل المتورطين في تلك القضايا، حيث أصدر القضاء أحكاما بالسجن ضد 14 من بين 79 متورطا في قضايا استغلال وعمالة الأطفال، وقالت الخارجية الأمريكية، بأن الجزائر لم تقدم معلومات محينة عن الحالات المبلغ عنها في السنوات السابقة، بما فيها الملاحقات القانونية ضد 16 متورطا في القضايا المسجلة قبل عام من صدور التقرير، وهو نفس ما وقفنا عليه خلال طلب معلومات من وزارة الدفاع الوطني وكذا الدرك الوطني، حيث قوبل طلبنا برفض إعطاءنا معلومات حول الموضوع بداعي عدم وجود أي حالة بهذا الخصوص، في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الداخلية والجماعات المحلية عن معلومات تفيد بضلوع شبكات تهريب وعصابات إجرامية في نقل الأفارقة من بلدانهم الأصلية إلى الجزائر واستغلالهم في أعمال التسول التي تهدف إلى تهريب الأموال من الجزائر.

صدقات الجزائريين في جيوب عصابات تهريب الأموال

ويجري البحث خاليا للكشف عن أفراد العصابات التي تستغل هؤلاء الأطفال بصفة غير إنسانية في عمليات التسول، والتي تحاول التمركز في الولايات الهامة من خلال وضع  شبكة تجبرهم على العمل 14 ساعة في اليوم ليتم بعدها تجميع هذه الأموال وتهريبها خارج الوطن،

وفي هذا الإطار، وجه المكلف بالهجرة بوزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة  العمرانية حسان قاسيمي أن التحقيقات نداء للمواطنين، دعاهم فيه إلى عدم تشجيع  العصابات الإجرامية من خلال منح المال لهؤلاء الأطفال المتسولين الذين يتم  شراؤهم من النيجر وتهريبهم إلى الجزائر وأغلبهم يعانون من أمراض خطيرة، كما وجه رسالة إلى الرأي العام الدولي، بالتأكيد على أن الجزائر تحارب  المنظمات الإجرامية المختصة في الاتجار بالأطفال وأعطت أدلة على ذلك في مناسبات عديدة، وذلك رغم الحملات الشرسة لأطراف تحاول ضرب مصداقيتها، مضيفا  أن الجزائر تعامل المهاجرين غير الشرعيين في إطار احترام المعاهدات الدولية،  حيث يتم توفير التغطية الصحية لهؤلاء المهاجرين الذين ينقلون معهم أمراضا  خطيرة.

وكشف المسؤول بوزارة الداخلية، أن مصالح الأمن الجزائرية تمنع سنويا على  مستوى الحدود الجنوبية، حوالي 40 ألف مهاجر غير شرعي من التنقل إلى أوروبا،  حيث أن الذين يحاولون اختراق الحدود الجنوبية ينتمون إلى 23 جنسية إفريقية  تأتي من إفريقيا الغربية ومنطقة الساحل وإفريقيا الوسطى، وقد سلمت الجزائر  للسلطات النيجرية.... 10 ألاف مهاجر غير شرعي بينهم 7 آلاف طفل و3 آلاف امرأة.

عصابات تمتهن جلب الأفارقة بطريقة غير إنسانية لاستغلالها ماديا

وتتخوف رئيسة الهلال الأحمر الجزائري، سعيدة بن حبيلس، من ازدياد نشاط عصابات تهريب الأموال ما بين الجزائر، النيجر ومالي مؤكدة أن استغلال اللاجئين الأفارقة في التسول فاق كل الحدود، حيث يتم يوميا ضبط العشرات من الأطفال دون أولياء يتم تجنيدهم في التسول، مشيرة الى أن الجزائر رحّلت أزيد من 6000 طفل إفريقي ضبطوا دون أولياء ولا وثائق، وهو ما يعطي صورة عن كميات الأموال التي يتم جمعها ومن ثم تحويلها بطريقة غير شرعية، ما جعل الهلال الأحمر الجزائري في العديد من المرات يحذر المواطنين من مخاطر منح المال للاجئين الأفارقة ليس كرها فيهم ولكن حفاظا على كرامتهم لأن هذه الأموال ستحول إلى جيوب عصابات تمتهن جُرم تهريب الأموال.

الفراغ القانوني زاد من حجم الظاهرة

لمعرفة الجانب القانوني في الظاهرة جمعنا لقاء بالمحامي والحقوقي الأستاذ والذي يرى بأن التهريب والتي ينجم عنه الإجرام بشكل عام، ولّد تنظيما متعدد الجنسيات يستغل فيه هؤلاء المهاجرين، قصور القوانين الجزائرية في التعامل مع هذه الظاهرة، وذلك لغياب التنسيق على صعيد واسع بين مختلف المصالح، وليس الاكتفاء باتخاذ مجموعة من التدابير كتكثيف الرقابة على الحدود سواء كان ذلك من أجل التصدي للتهريب أو لتنقل الأشخاص بالطرق غير الشرعية  وتخصيص فرق أمنية لمكافحة الهجرة السرية ومحاكمتهم وفقا للقانون، في نفس الوقت تحدث بوشاشي من الناحية القانونية عن المشرع الجزائري الذي قال بأنه واضح في ذلك، حيث يسري على هؤلاء الأشخاص قانون العقوبات الجزائري، فهناك نصوص خاصة تقضي بالإبعاد مع ضمان محاكمة عادلة من خلالها تثبت التهم المنسوبة إليهم وبموجبها يتم تأسيس الحكم بالترحيل الذي يكون في حالة عدم امتلاكهم للوثائق الرسمية التي تثبت إقامتهم الشرعية بعد تنفيذ العقوبة المسلطة في حقهم، وكذلك بالنسبة للذين انتهت صلاحية مدة إقامتهم.

أما في حالة تورطهم في قضايا تمس بأمن الدولة يتم معاقبتهم وفقا للقانون، ثم يتم تسليمهم للسفارة المعنية أين يتم أيضا معاقبتهم بأشد العقوبات باعتبار أن ما يقومون به تشويه لصورة بلدانهم.

نظرة على الوضع القانوني والسياسي للمهاجرين الأفارقة

ولعلّ الرجوع إلى المواثيق الدولية والقوانين الوطنية الناظمة للهجرة والمعمول بها في هذا المجال، يفضي إلى التأكيد على أن الهجرة ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة تنظيم دخول الأجانب إلى التراب الوطني لأي دولة، والذي يعدّ من مظاهر فرض سيادتها على إقليمها وفق ما تنصّ عليه مبادئ وقواعد القانون الدولي ذات الصلة، ومن هذا المطلق فإن الدول قاطبة سنّت قوانين تنظم دخول الأجانب إليها، تنقلهم وإقامتهم بها، والجزائر بدورها لم تشذ عن هذا المنحى، حيث أصدرت القانون رقم 08 - 11 المؤرخ في 25 جوان 2008، حدّدت بموجبه مختلف القواعد والإجراءات التي تنظم وتحدّد شروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها وتنقلهم فيها.

ويمكن الإشارة على سبيل المثال فقط لا الحصر إلى بعض النشاطات التي يمكن أن يقوم بها المهاجرون الأفارقة، والتي تعدّ مساسا بالمصالح الوطنية كارتكاب جرائم تزوير العملة الوطنية والأجنبية والإتجار بالمخدرات، وعليه جائت المادة 30 من القانون رقم 08 - 11 بيًّنت الحالات الأخرى لإبعاد الأجانب، وهي:

- الحالة التي يتبين فيها للسلطات الإدارية أن وجود الأجنبي في الجزائر يهدّد النظام العام و/ أو أمن الدولة، مع الإشارة إلى أن تقدير خطورة ما إذا كان الفعل يشكّل تهديدا للنظام و/ أو لأمن الدولة يبقى خاضعا للسلطة التقديرية للمصالح الإدارية المختصة خاصة اذا تعلق الامر بجريمة الاتجار بالبشر.

-الحالة التي يصدر في حقّ الأجنبي حكم أو قرار قضائي نهائي بعقوبة سالبة للحرية بسبب ارتكابه جناية أو جنحة.

لكن ينبغي التذكير والإشارة إلى نقطة هامة جدا وهي أنه إذا كان الإبعاد والذي أشرنا إليها فيما سبق هو إجراء تتخذه سلطات الدولة في حق الأجنبي المقيم الذي قد يرتكب عملا غير شرعيا يمس بمصالح أو أمن الدولة، فإن الترحيل أو الطرد إلى الحدود يعد إجراء تتخذه السلطات الإدارية في مواجهة الأجنبي أو المهاجر الذي يوجد في وضعية إقامة غير شرعية أو غير قانونية.

علاوة على ذلك، فإن المادة 37 / 1 من القانون 08 - 11 استحدثت ما يسمى بالوضع في مركز الانتظار، وهو إجراء بموجبه يجوز للسلطات الإدارية المختصة إحداث مراكز انتظار، تخصص لإيواء الأجانب الموجودين في وضعية غير قانونية في انتظار طردهم إلى الحدود أو تحويلهم إلى بلدهم الأصلي، وقد استحدثت الجزائر مراكز انتظار في مدينة تمنراست لترحيل الأفرقة، وهي المراكز التي تتوفر على كل الشروط والظروف الملائمة لكرامة الإنسان، من منطلق التزام الجزائر بحماية حقوق المهاجرين وفق ما تنصّ عليه الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

"تم هذا التحقيق تحت إشراف أنس بن ظريف وبالتعاون مع منظمة المادة 19وجمعية تاج".

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة