"شباب جزائري وفرنسي.. في رحلة " العيش معا في سلام"
01 أوت 2018 فهيمة بن عكروف
 فهيمة بن عكروف
66

عشرة أيام للحوار وتبادل الأفكار في ضيافة الجزائر

"شباب جزائري وفرنسي.. في رحلة " العيش معا في سلام"

في صباح الرابع جويلية 2018، وصلت المجموعة الأولى للوفد الفرنسي  إلى مطار هواري بومدين، ليلتحق به باقي الوفد على الساعة 12 زولا، الوفد كان يتكون من 7 أعضاء، كان في استقبالهم  بالمطار الدولي ناصر مغنين، رئيس جمعية " أس أو أس باب الواد" وطاقمها الإداري.

بعد إلقاء التحية وتبادل عبارات الترحيب بين الوفد الضيف والوفد المستضيف، تبدأ رحلة سلام بين بلدين يعيشان على ماضي، يشوبه إرث التاريخ، يعيشان على قصة كفاح جزائري من أجل حريته واستقلاله، شعب أقسم أن يعيش في أمن وسلام على أرضه، وإصرار فرنسي على اغتصاب تلك الأرض بأشرس أنواع التعذيب والتنكيل والإبادة.


توجه الوفد إلى مقر جمعية "أس أو أس باب الواد"، أين جرى التعارف بين الطرفين، الوفد يتكون من خمسة شباب فرنسيين، جيوم، ڨيوم، ماليك، تيبو وزكي ، بالإضافة إلى ڨيرونيك وكولات، عضوين في  المجلس الإداري لجمعية 4 أسي جي ، الجمعية تحمل رسالة سلام إلى الشعب الجزائري على وجه الخصوص والشعوب المستعمرة حول العالم بصفة عامة.

بعد قضائهم يوما كاملا "الرابع من جويلية"، الذي يتزامن مع حدث جد مهم، عشية عيد الاستقلال والشباب، التحضيرات للمناسبة كانت على أشدها، الشوارع ترسم الفرحة بألوان الراية الوطنية، الأحمر "دم الشهداء الأبرار،" الأبيض "السلام والأمن" و الأخضر رمز الهوية والازدهار.

كانت أول وجهة سياحية للوفد، كنيسة "السيدة الإفريقية" بأعالي العاصمة الجزائرية التي استقبلتهم بشموخها الذي يعانق زرقة البحر، مهللة بتحية سلام لكل زائر، إعجاب لا مثيل له بجمال المنظر الذي يحاكي تاريخ البلاد الذي كان مهدا للحضارات المختلفة والمتعاقبة، مازالت تحتفظ هذه "السيدة" بحقبة تاريخية مهمة، حيث تُعتبر كاتدرائية "السيدة الإفريقية" من المعالم الدينية والتاريخية الهامة في العاصمة، فهي من أبرز الأمثلة على التعايش الديني في المجتمع.

الذكرى 56 للاستقلال.. تعزيز لمكسب السلم والاستقرار

يوم يكن له كل جزائري مشاعر خاصة، يقف له وقفة إجلال لرجال صنعوا ماض مشرفا وقدموا لنا الحرية بعد تضحيات جسام، لنحيى اليوم أسيادا على أرضنا، الأرض التي ضحى من أجلها مليون ونصف مليون شهيد.

يوم يقدسه كل جزائري في ربوع العالم، الخامس من شهر جويلية 1962، 56 سنة تمر على استقلالنا، 56 سنة من الحرية، 56 سنة عرفت فيها الجزائر مراحل ما بعد الاستقلال عاشتها بحلوها ومرها، تألمت ونزفت في عشرية الدم، قدمت حصيلة أخرى من الشهداء من أجل أن نحتفل اليوم في مدننا وقرانا، في شوارعنا وأحيائنا في أمن وسلام، 56 سنة من العطاء من أجل بناء جزائر الحرية، وأجدني اليوم أقف وقفة احترام لرجال ونساء تفانوا في سبيل إرساء الاستقرار، الأمن والأمان كأولوية من الأولويات لهذا الوطن.

شباب فرنسي يحتفل مع الجزائري في عيد استقلال الجزائر

وفد فرنسي في الجزائر في عيد استقلالها، رسالة تحمل أبعادا هامة وتتجاوز مدلول الزيارة العادية، إنها تؤكد لدى هؤلاء الشباب حق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال، كما تجسد الاعتراف له بالسيادة على أرضه. كما إنها رسالة بمضامينها الواضحة، التي تؤكد   بأن صفحة التاريخ لا يمكن أن تقطع، إلا أن الشعب الجزائري لا يضمر حقدا للشعب الفرنسي، وأن العلاقات بين البلدين يجب أن تبنى على المنافع المشتركة دون نسيان ما ارتكبه الاستعمار البغيض من جرائم في حق الجزائريين.

كانت زيارة هؤلاء الشباب، التي تزامنت مع احتفال الجزائر بعيد الاستقلال خطوة، تعتبر الأولى من نوعها، بغية التعرف على البلد والتاريخ وخلق سبل الحوار بين شباب الضفتين، والتحدث في الماضي المشترك بين البلدين، رغم ما يحمله من مآسي.

الكل متفاعل ومتناغم مع الأناشيد الوطنية، التي تؤكد لكل مستمع أن الجزائر حرة، سيدة وآمنة، تجدني في هذه اللحظة أفكر في الوفد الذي كان كل أعضائه مبتهجين ومحتفلين بالاستعراضات الفلكلورية، التي كانت تزين شوارع العاصمة، بداية من الساعات المبكرة من الصباح، شيوخ، شباب، كهول، نساء وأطفال، الكل تغمره السعادة ابتهاجا بعيد الاستقلال، تستوقفني  صورة "كولات" ـ مسؤولة الوفدـ وهي ترقص على أنغام الأناشيد، سعادتها تضاهي سعادة الجزائريات، تعجبت للمشهد، وقلت في نفسي: هل هذا الانسجام يعبر عن لحظة وعي، هل "كولات" وهي منغمسة في هذه الأجواء الاحتفالية بمناسبة استقلال الجزائر، تعبر حقا عن قطيعة مع الفكر الاستعماري بكل أشكاله.. واصلت بيني وبين نفسي طرح ملاحظاتي، بينما كان الوفد مبتهجا ومستمتعا بأفراح الجزائر بعيدها. 

 وكم هي جميلة تلك الصورة التي رسمت أمام أعيني في ذلك اليوم، اختلاف بين أبناء البلدين يتوحد أمام راية الحرية، وما زاد من روعة هذه الصورة الجميلة فرحة هؤلاء الأصدقاء، اعترافا بقيم ثورة نوفمبر، هذه الثورة التي اكتسبت مكانة مرموقة في قلوب عشاق الحرية في العالم، ثورة كسبت أصدقاء يغذيهم الحس الإنساني، أصدقاء ما زالت تحتفظ بهم وعددهم يزيد كلما عرف تاريخها وأهدافها التي تنادي بالحرية ولاشيء غير الحرية، وما زيارة هؤلاء الشباب إلا دليل على عظمة هذه الثورة التي تبقى درسا من دروس نضال الشعوب ضد الظلم والاستبداد.

بعد أكثر من ثلاث ساعات من الاستعراض، يتوجه الوفد للتجول في أرجاء العاصمة، الإعجاب هو اللغة الوحيدة التي يتقنها الوفد، بعد أقل من نصف ساعة، توقف أمام "ملك اللوبيا" بشارع طنجة.

في هذه اللحظات، بينما كان الكل منهمكا في الحديث وتناول الطعام، دخلت رفقة مدير الوكالة السياحية "ميدي فواياج"، الذي اتصلت به بغية مرافقة أجانب يقضون عطلتهم في الجزائر، وجدنا الطلب عند ابراهيم جواجلي، الذي استقبلنا بكل ترحاب، لمسنا فيه، بعد حديث مطول، إرادة قوية في رفع مستوي السياحة في الجزائر، كما تحدثنا عن الواقع السياحي، والموروث الغني الذي تزخر به البلاد، والذي يمكنه منافسة الدول المتقدمة في هذا المجال، لو استغل أحسن استغلال، دخلنا لنلتقي بالوفد الذي عرفنا كل تفاصيله من جمعية "أس أو أس باب الود" ومسؤول الوكالة السياحية المشرفة، بعد وجبة الغذاء إقتربت من  كولات وفيرونيت لمعرفة تفاصيل أكثر عن الوفد والجمعية التي ينشطون فيها، ولماذا اختار الجزائر كوجهة سياحية، عرفتاني بنفسيهما والجمعية "4 أسي جي"  وقالت إنها جمعية أسسها أربع من قدماء المجندين الفرنسيين ضد الثورة الجزائرية وأصدقاء الثورة، وأكدت أن المجندين كانوا يجهلون تفاصيل الثورة، وأنهم استسلموا لأوامر الجيش الفرنسي، بعد مرور السنين واستقلال الجزائر، قدمت لهم منحة مالية مكافأة لهم على مشاركتهم في الحرب ضد الجزائر، مال لم يقبله المجندون لأنه ملطخ بدماء شهداء أرادوا العيش في حرية وكرامة، فقرروا إنشاء جمعية تهتم بمساعدة الجمعيات ودعم الشعوب التي تعاني من الحرب كفلسطين وسوريا..، وتعمل الجمعية أيضا على مساعدة الجمعيات التي تقدم خدمات إنسانية، الجمعية أرادت التعرف عن قرب على الجزائر الحرة والمستقلة  وخلق تبادل ثقافي بين الشباب الجزائري والفرنسي، تحت راية يمكننا العيش معا في سلام، سطرت الجمعية برنامجا لزيارة ثلاث ولايات جزائرية، الجزائر العاصمة، تيزي وزو ووهران.

صدام بين الجيلين حول تاريخ ومستقبل الجزائر

 بعد المقابلة، توجهنا إلى مقر الجمعية الوطنية للشباب على مقربة من ساحة "الأمير عبد القادر" أين احتسى الوفد القهوة والشاي في إحدى المقاهي.

دخلنا مقر الجمعية لنجده ممتلئا على آخره، يتقدم الحضور وجوه تاريخية معروفة، بدأ تنشيط الندوة بكلمة رئيس الجمعية بعدها رئيس جمعية " 4 أسي جي"،  لتنتقل الكلمة إلى الشابة سهى لاكرادي، تبلغ من العمر 24 سنة، ألفت كتابا تحت عنوان "بأسمائهن"  تحدثت فيه عن حرائر الثورة التحريرية، كما عبرت عن رأيها، تحدثت بصراحة وعفوية قائلة: علينا أن نتصالح مع التاريخ، فليست هذي هي الجزائر التي نريدها، نيريد جزائر مواكبة للتحرك الذي يحدث في العالم، أردفت قائلة: نحب بلدنا ونحترم شهداءنا لأنهم فخرنا، لكن علينا أن نفتح صفحة للمستقبل. ما إن أكملت الجملة، حتى هوجمت أمام الجميع من إحدى الحاضرات بأنها لا تعرف التاريخ ولا تحترم تضحيات الشهداء وكفاح المجاهدين.

حدث الصدام بين جيلين حول قضية التاريخ، هدأت الأوضاع بعد أن تحدث الجميع في نفس الوقت، ليعود ويلتهب حول العلاقات الجزائرية- الفرنسية، فبعد تدخل إحدى الحاضرات قائلة: "الاستعمار منح لنا لغة نتواصل بها"،  ليجيبها أحد الشباب قائلا: "الجزائر لم يقدم لها شيء إنما انتزعت هذه اللغة كما  اقتلعت استقلالها"، وهنا تدخل شباب الفرنسي حول "الذاكرة المشتركة" وإمكانية التصالح مع التاريخ بالخوض فيه والتفكير في المستقبل.

تمام الخامسة، أكثر من ساعة تأخر على البرنامج المسطر، الحديث وتبادل الأفكار ووجهات النظر بين الحاضرين حول التاريخ، الحاضر والمستقبل، أنساهم في الوقت وصرامته.

تسدل الشمس ستارها ولكل واحد منا صورة جميلة عن الأخر، الصراحة  التي كانت تتخلل نقاشاتنا نسجت علاقات، تغذيها الإنسانية يرعاها احترام الآخر.

أربع أيام قضاها ضيوفنا في الجزائر البيضاء، تعرفوا فيها على شوارع الوردة البيضاء، تعلموا كلمات من لهجتنا المحلية، من طرف شباب جمعية "أس أو أس باب الواد"، تعرفنا على أسماء بعضنا البعض وحفظناها.

القصبة تجمع الوفد بطلبة المدرسة العليا للسياحة

السابع من جويلية، برنامج مميز جدا، الوجهة هذه المرة كانت القصبة "الجزائر القديمة"، الساعة تشير إلى 11:30 الوقت الذي  وصل فيه الوفد إلى أحياء القصبة العتيقة رفقة طلاب المدرسة العليا للسياحة، الجولة هذه المرة كانت رفقة دليل سياحي، حيث صاحبنا التاريخ بتفاصيله، بالإضافة إلى الأحاديث الجانبية بين الشباب الفرنسي وطلاب المدرسة العليا للسياحة، ليثير هذا المشهد فضول "جيوم" ابن أحد المجندين الفرنسيين ليطرح الكثير من الأسئلة، إنه يحب الاستفسار عن كل التفاصيل، ليس فقط حول الثورة والدور البطولي الذي لعبته القصبة، بل أيضا تلك التي تعنى بالأشخاص البسطاء على أرصفة الطرقات، يحب الاختلاط بعامة الشعب رغم عائق اللغة، لكن لغة الإنسانية كانت تقدم له شروحات كافية وفي أغلب الأحيان تنتصر له لغة الإشارة ليفهم ما يريدون قوله.

بعيدا عن كل هذه التفاصيل، سألته عن لقائه بطلاب المدرسة العليا للسياحة، ليجيب بكل صراحة، أجدهم خجولين بعض الشيء، يذكرون محاسن السياحة في الجزائر لكنهم يتحاشون التحدث عن النقاط السلبية، كل كلامهم كان منصبا حول دعوتنا إلى زيارة الجزائر في قادم المرات. أما عن ما أعجبه في رحلته إلى القصبة، فقال: الهندسة المعمارية فريدة من نوعها، تحمل في طياتها تاريخا عريقا وفسيفساء هندسية رائعة.     

بعد الجولة في أروقة التاريخ القديم للجزائر البيضاء، كانت العودة، وفي الذاكرة صورة مختصرة لتعاقب الحضارات على ماضي القصبة. 

زيارة الوفد لمقر جريدة "الوطن" بدار الصحافة

شمس الجزائر الساطعة تسلم بتحية الإسلام لتشع على جبال بوزريعة الشامخة، وينتشر إشعاعها على هؤلاء الضيوف من الضفة الأخرى، في حي بوفريزي، بالضبط مركز التكوين المهني بأعالي بوزريعة " سياغا"، المكان الذي التحقت به في الصباح الباكر والذي اتخذه الوفد مقرا له، الكل يستعد ليوم حافل بالاكتشاف، الملفت للاهتمام هو اهتمام الشباب الفرنسي بقراءة جريدة" الوطن" الناطقة بالفرنسية، استفسرتهم عن السبب، لأعرف أن لنا لقاء مع مدير الجريدة في حدود الساعة 12 زولا بمقر الجريدة، قبل التوجه إلى غرب العاصمة، بالضبط إلى ولاية تيبازة.

وجهت لنا دعوة للتجول في مركز "سياغا" لمعرفة أهم الورشات التكوينية برفقة شروحات من طرف مسؤول الورشات، انقضت ساعة لنتوجه إلى الحافلة باتجاه دار الصحافة، في أقل من نصف ساعة نجد أنفسنا أمام المقر، في هذه الأثناء تقترب مني فرونيك، تبدو في الخمسينات من العمر لكن تملك حماسة وروح الشباب تتحدث في كل وقت وفي كل المواضيع، اختارت سؤالا عن الحجاب، قائلة:  ألاحظ أن أغلب النساء والفتيات يضعن الخمار؟ تعجبت، أجبتها: الكثيرات لا يضعنه أيضا. لتسترسل في أسئلتها  ولاحظت أنها مهتمة جدا  بقضية تحرر واستقلالية المرأة، حيث سألتني عن أوضاع المرأة في المجتمع الجزائري، لأجيب أنه يختلف حسب المنطقة والانتماء والمستوى الفكري للمرأة ذاتها، استرسلنا في الحديث حتى وجدنا أنفسنا أمام مدخل يومية "الوطن"، كان في استقبالنا مدير الجريدة وبعض الصحفيين، رحب بنا بعفوية الصحفيين، أصحاب الأقلام المؤثرة.

البداية كانت بالتعريف بالحضور، وقدم المدير ومضة مختصرة عن المسار المهني للجريدة، بالمقابل قامت الناطقة باسم " 4 أ سي جي"، كولات غوماز بالتعريف بالجمعية وأهدافها التي تقوم بخلق جسور التواصل بين الشباب الجزائري والفرنسي، محاولة إنقاذ التاريخ المشترك بين البلدين.

ثمن مدير الجريدة المبادرة، وقال إن المواصلة هي التحدي الأكبر، فكل شيء مرتبط ببعضه، فالصحافة الجزائرية لم تكن لتصمد لولا تحدي الظروف التي مرت بها، فحرية الصحافة في الجزائر اقتلعتها أقلام قدمت أرواحها ثمنا، ونحن نحاول مواصلة دربهم رغم كل الظروف، معرجا بذلك إلى  سنوات الجمر التي عشتها البلاد، أين كان الصحفي يجابه شراسة الإرهاب بقلم حر ورسالة صادقة، عديد الصحفيين قتلوا ليس لشيء، فقط لأنهم يحملون كلمة الحق، مذكرا بشهيد الصحافة طاهر جاووت.

الصحفية الجزائرية قطعت أشواطا كبيرة في المهنة  

شهد النقاش مقارنة بين صحافة البلدين، وعديد العوائق التي تعرفها الصحافة، الملفت في ذلك النقاش هو إشادة مدير الجريدة  بشجاعة المرأة الصحفية في نقل المعلومة، حيث وصف الصحفية الجزائرية بالمكافحة والتي تقف ندا للند لزميلها الرجل وفي كثير من المرات تتفوق عليه، خاتما أن عدد الصحفيات يفوق عدد الصحفيين في قاعات التحرير.

هنا وجدت نفسي أفكر في سؤال فيرونيك، عن حرية المرأة في الجزائر، قبل دخولنا دار الصحافة، فكانت الإجابة بالدليل ومن أهلها، على أن المرأة الجزائرية قد كسبت مساحات واسعة في فرض ذاتها كشريك فعلي للرجل في مختلف المجالات.

أكثر من ساعة في الطريق متجهين نحو تيبازة، لتستقبلنا نسائم البحر، مرحبة بنا في منطقة معروفة بعراقتها التاريخية، الساعة كانت تشير إلى الرابعة مساء، كل الحديث كان مختصرا في ماذا سنتناول من أكل بعدما نال الجوع منا.

اقتربت من كولات لأطرح سؤالا طالما شغلني، تمثل في معرفة تفاصيل عن الجمعية، بدأت المقابلة بالسؤال التالي: هل لنا أن نعرف أسماء المجندين الأربع الذي قاموا بتأسيس الجمعية " 4 أسي جي"، راودني حس تحري المعلومة، أردت الوصول إلى صورة أوضح ورسم معالم الجمعية التي أرافقها، لتقدم أسماءهم  وهم: ميشال ديلسو، ريمي سيريس، جورجيو ترايو وأماند فيرنات، لتواصل كلامها قائلة: سأقدم لك كتابا فيه كل التفاصيل حول الجمعية والمؤسسين الأربع، الكتاب  يؤرخ لكل هذه التفاصيل بالإضافة إلى شهادات لأصدقاء الثورة الجزائرية، بالفعل قدمت لي الكتاب في اليوم الموالي، وشرعت في قراءته، الكتاب تحت عنوان: "Guerre d’Algérie, Guerre d’indépendance" الكتاب بالإضافة إلى شهادات المجندين، تعرض إلى عدة محاور: كالحركي، العودة إلى فرنسا، العودة إلى الجزائر، الأقدام السوداء.. الخ.

رحلتنا إلى تيبازة ماتزال في بدايتها، رغم أن الشمس بدأت تودعنا، دخلنا إلى المحمية الرومانية، بعد اقتطاع تذاكر الدخول، انتابنا شعور بأننا نركب آلة الزمن لتسافر بنا، كل شيء ينطق بالتاريخ، الأحجار  والجدران، يقودنا  إلى العهد الفينيقي، هنا يمتزج التاريخ بالتراث والسياحة، لتشاهد منظرا نادرا يجتمع في نفس المكان، الأسوار العالية والبوابات الرئيسيّة والأقواس التي تدعم المدرّجات، أبواب الساحة والمعابد والأضرحة، أمام كل هذا يقابلنا البحر، يعزف لحن الترحيب. سمعت جملة علقت في ذاكرتي، قالها "قيوم"..: "هذا رائع، وكأننا في أحد الشواطئ الايطالية"، هذا الشاب من الوفد الفرنسي، يعمل في الإضاءة السينمائية، يعشق الحلويات التقليدية الجزائرية، حيث كان ينتهز كل فرصة لشراء "دزيريات"، قائلا بلغتنا" تاكل الدزيريات"، الجدير بالذكر أنك كلما بحثت عنه تجده يمسك بكتاب عن ثورتنا التحريرية، عنوانه: " la gangrène et l’oubli, la mémoire de la guerre d’Algérie"    

لم يطل الليل كثيرا، لتوقظنا نسمات الصباح، الحركة غير عادية، الوجهة  شرق العاصمة، ولاية تيزي وزو، سفوح جبال جرجرة، بركة شجرة الزيتون، الجبة القبائلية، تفاصيل تقاسمها الوفد للتحدث عن هذه الولاية.

 في صباح اليوم الموالي بعد اجتماع بين شباب الجمعيتين، يسلمنا مدير جمعية "أس أو أوس باب الواد"، لابن المنطقة علي، مرافقنا في رحلتنا إلى منطقة القبائل.

انطلقت الحافلة، شد انتباهي كتاب كان بحوزة "ماليك" من الوفد مزدوج الجنسية، غلافه من ألوان الراية الوطنية، الكتاب يقدم تفاصيل عن الجزائر القارة، الموقع الجغرافي للولايات، الأماكن السياحية، عدد السكان، يقرأ معلومات عن الولاية، ولاحظت اهتماما كبيرا من الجميع لمعرفة بلادنا وحرصهم على تعلم لغتنا المحلية، أول كلمة تعلموها، كلمة "سلام" حيث أصبحوا يحيون الكل بها.

 بعد مضي بعض الوقت، توقفت الحافلة في أحد الشوارع، الهدوء يخيم على المكان، توقفت أمام شجرة يستظل بها شيخ طاعن في السن، ليخرج فيرونيك وجيوم رأساهما من النافدة لإلقاء التحية قائلين: سلام، بلكنتهما الفرنسية، لم يفهم الشيخ الذي كان يسرح في أمن وأمان في الهدوء، ليرد عليهما قائلا: " ما تهبلوناش" انفجرت بالضحك أنا وحميد، عضو في الجمعية، مترجمين لهما ماذا قال، ليضحكا معنا.

وصلنا إلى مدينة تادميت، بعدما قضى "ماليك" و"قيوم" مسافة الطريق في التقاط صور لكل ما تقع عليه عيناهما من مناظر خلابة، كان في استقبالنا رئيس جمعية البيئة، توجهنا بعد إلقاء التحية إلى مكتبة المدينة، الظاهر عليها أنها شيدت حديثا، لنتوجه إلى قاعة الاجتماعات، حضر رئيسا جمعيتين محليتين، جمعية للبيئة وجمعية للمعاقين، بدأ الحضور بالتعريف بالجمعيتين، ليقاطعا من طرف عضو الاستقبال قائلا: أعتذر، أنتم لا تملكون تصريحا باللقاء هنا. خرجنا لمعرفة السبب لنجد الشرطة في قاعة الاستقبال، طلبت جوازات السفر، أقترب حميد للاستفسار، أخذت هاتفي لألتقط صورا للمشهد، ليخطف الشرطي الهاتف منى، قائلا: ممنوع التصوير، بعد حديث مطول سحب مني بطاقة الصحفي، استدعيت إلى مكتب الشرطة بعد أن سبقني ممثل جمعية "أس أو أس باب الواد"، استفسرت عن السبب، ليقول الشرطي بكل هدوء وثقة وصرامة، أنا أقوم بعملي، الجمعية لا تملك اعتمادا أو أي وثيقة قانونية، لذلك لا يمكن لكم الاجتماع في مكان عمومي، وما قمنا به هو حفاظا على سلامة الوفد وسلامتكم، تفهمنا الوضع واسترجعت البطاقة وكذا جوازات السفر، رافقنا الشرطي إلى الباب مودعا، فكرت كثيرا في الحادثة، وناقشناها مع بعض، لنخلص إلى نتيجة أن الدولة واقفة على كل التفاصيل.

صدام الأفكار.. انتشار الحجاب في فرنسا يزعجني !

قضينا الليل بأكمله في استعادة تفاصيل الحادثة، وأكملت الليلة في التحدث مع فيرونيك، حيث تحدثنا عن المشاكل الاجتماعية، الثقافية والسياسية في البلدين، شدت انتباهي قضية تحرر المرأة والحجاب مرة أخرى، لأسألها بصريح العبارة، هل يزعجك الخمار، لتقول بصراحة لم أتحملها لكنني أظهرت العكس، قائلة: نعم، انتشار الحجاب في الشوارع الفرنسية يزعجني، فنحن النساء الأوروبيات قمنا بثورة من أجل أن نصل إلى درجة التحرر التي نعيشها، لا أريد أن نعود إلى سنوات يفرض على المرأة لباس معين، سمحت لنفسي في بمجاراتها وقلت لها: لكن الجاليات المسلمة في فرنسا وأوروبا بأعداد كبيرة، لتقول، نعم وهذا حقا مزعج،. قلت لها: وهل يجب أن أنزع خماري إذا أردت زيارة فرنسا، لتقول: أكيد،  حين قدمت إلى الجزائر ركزت على اللباس وحرصت على أن يكون لباسي محتشما وشبيها بالذي ترتديه المرأة الجزائرية.

وقالت: أرجو أن تحترمي أنت أيضا طريقتنا في للباس في رحلة العودة التي سننظمها لاستقبال الشباب الجزائريين في فرنسا العام المقبل. أزعجني اقتراحها ولم أتحمل صراحتها لكن تبسمت، وخلدت للنوم وأنا أقول في نفسي: يتحدثون عن حرية الآخر ولم تقبل زيارتي لبلدهم على طبيعتي، عن أي حرية يتحدثون !

 استيقظ الجميع في الصباح الباكر، بعدما أمسوا على خيبة، حيث لم يتمكنوا من زيارة جبال جرجرة، عين الحمام، آزفون وتيقزيرت، ونحن نحتسي قهوة الصباح شدتني جملة قالتها كولات، قالت: أكثر من 50 سنة وأنا أحلم بزيارة منطقة القبائل، كم هذا مؤسف، أنا هنا ولا يمكنني زيارتها.. في هذه الأثناء تشاركنا فريونيك القهوة بعد إلقاء التحية، للتوجه إليّ قائلة: إذا أردت أن تكوني في رحلة العودة التي سيقوم بها الشباب الجزائري إلى فرنسا يمكنك ذلك، وقضية الخمار لك أن تقرري، شعرت حينها أنها فهمت انزعاجي من كلامها.

اتفق الجميع في الصباح على العودة إلى العاصمة وتناول وجبة الغذاء في مدينة تيزي وزو بالإضافة إلى القيام بجولة في المدينة.

جرح الجزائري من بشاعة الاستعمار لم تضمده السنون الطوال

أكثر من ساعتين من الزمن في الحافلة، والتفكير كله منصب حول المكان الذي سنشاهد فيه مباراة كرة القدم، الذي يجمع بين الفريق الفرنسي والبلجيكي، اللذين كانا سينشطان النصف النهائي لكأس العالم، توقفنا أمام البريد المركزي بالعاصمة، لمتابعة المباراة مع الجموع، في أجواء عائلية مبهرة، تعطي صورة جميلة عن جزائر اليوم.

لم تمض دقائق، حتى اتضح جليا أن كل الجمهور الحاضر يشجع الفريق البلجيكي، أرادت فرونيك تأكيد شكوكها، لتسأل أحد الحاضرين قائلة: الكل هنا يشجع بلجيكا، ليقول لها، لا.. نشجع مناصفة، لترتاح قليلا. وقررنا تغيير المكان للوقوف مع المشجعين الفريق الفرنسي، تمر دقائق لينفعل المشجعون مع الفريق البلجيكي، يخيل لك لحظتها أنك في بلجيكا، شهدت تأسف الوفد للمشهد، ليسعدوا أيما سعادة بصحفي من القناة الثالثة الإذاعية وزميلته يشجعان الفريق الفرنسي، انتهت المباراة، وفي طريق العودة تحدثنا عن الكرة الجزائرية ومشاركة فريقنا الوطني في كأس العالم، استقبلنا رئيس جمعية "أس أوس باب الواد" ليقول جملة ـ يضع بها النقاط على الحروف ـ،  ليس سهلا نسيان بشاعة الاستعمار الفرنسي وتجاوز ما فعلت  في أجدادنا، فالجرح لا يزال جديد وشفاءه يتطلب تكاثف الجهود من الجانبين.

 لم يبق لـ"رحلة السلام" في أرض السلام إلا ثلاثة أيام، صباح اليوم الخميس، الكل متحمس لزيارة ولاية وهران، ولاية كيفما وصفتها تجد نفسك مقصرا، بعدما قضى الشباب يوم الأربعاء بالتجوال في شوارع العاصمة، يتحدثون مع عامة الناس، يوم عاشوا فيه يوميات المواطن العاصمي.

حل المساء، لم تبق سوى ساعة لنشد الرحال إلى الغرب الجزائري، كنا في انتظار عضوي المجلس الإداري لجمعية "4 أسي جي"، اللذين كان لهما لقاء مع وزير السياحة بمقر الوزارة، بعد ما طال انتظارنا قررنا التوجه إلى متحف باردو الذي كان قريبا من المكان، تجنبا لساعات الانتظار التي طالت.

الساعة تشير إلى السادسة مساء، انتهت المقابلة  مع الوزير، حيث اتفق الطرفان على   تقديم تسهيلات لقدوم مجموعات شبانية فرنسية إلى الجزائر بهدف تبادل الخبرات وبالإضافة إلى التحضير لدورات تكوينية في المجال السياحي لشباب. 

الوصول إلى الباهية وهران.. المدينة التي لا تنام

36 دقيقة بعد منتصف الليل، المدينة مكتظة بالعائلات التي تتجمع في الساحات والمطاعم، أنغام الحفلات الموسيقية في كل مكان.

تدخل الحافلة القرية السياحية "الأندلسيات" لنجد الجزائر بمختلف طبوعها الموسيقية واختلاف أزيائها التقليدية في استقبالنا، فرقة فلكورية عزفت كل الأنغام من القبائلي والشاوي والنايلي إلى الوهراني والصحراوي، ليرقص الجميع، محاولين تقليد الفرقة، رافقتنا الفرقة إلى طاولة العشاء، بعدما استقبلنا مدير القرية السياحية مرحبا بنا في وهران، تناولنا وجبة العشاء لتتواصل السهرة إلى ساعات متأخرة من الليل.

بعد ما أخذنا قسطا من الراحة، وجبة الغذاء كانت حسب العادات والتقاليد الجزائرية في يوم الجمعة، طبق "الكسكس"  النقاشات كانت مفتوحة، حيث تحدثنا في مواضيع عديدة، منها تلك التي كانت تعتبر "طابو" وقد سمح الحديث فيها بتبادل وجهات النظر، على اختلافها، ، ونال موضوع "الأقدام السوداء" حصة الأسد من النقاشات.

 انتهى وقت الجد والنقاشات في القضايا الكبرى لنتفق على اللقاء في حدود الساعة السادسة للسباحة، كان الكل في الموعد، الجميل في الأمر، الإعجاب الذي أبداه الوفد بلباس السباحة للفتاة المحجبة، الكل كان يقول رائع، الألوان صيفية جميلة، ليس مزعجا أبدا كما كنا نظن، كنت اعتقدت إنه رداء أسود يعيق السباحة، ويشوه منظر الشاطئ، لكن حقيقته أنه عملي جدا ولطيف، سعدنا جدا بملاحظاتهم، فكرت في كلمات فيرونك حين قالت أن الخمار يزعجها، ولكن كلمة حق كانت أول من أبدت إعجابها.

 طالما كان غروب الشمس ملهماً لجميع البشر، تنبئنا لحظات الغروب، بأن النهايات أكثر حرارةً من البدايات، وأن ساعات الوداع اقتربت، منحنا غروب ذلك اليوم السكينة، وجعلنا نختم اليوم بلحظةٍ ساحرة، وترتسم أجمل وأروع وأعظم اللوحات الربانية، لوحة جمعتنا في أرض السلام، جمعتنا على اختلاف في الأديان والأفكار، جمعتنا تلك اللحظة التي كانت من إمضاء ريشة الإنسانية، لتبقى  معلقة في أسوار الذاكرة، نستحضرها  في كل اختلاف لنقول: يمكننا العيش معا في سلام، أليست الجزائر هي المبادرة بتظاهرة للسلام في 16 ماي الماضي حيث أعلن رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة عن التظاهرة تحت شعار "العيش معا في سلام"  وبإعلان من الجمعية العامة لمنظمة الأ

مم المتحدة إقرارا بجهود الجزائر في ترقية ثقافة السلم.

 آخر يوم في الباهية، مضت عشرة أيام على عجل، لتبقى لنا ساعات قليلة في وهران، قضيناها في شوارعها العتيقة، التقينا بجمعيات عديدة وشباب يتنفس حماسا، يستنشق الفن، تحركه الحياة، أناس بسطاء مرحبين مبتسمين، لنترك  وهران، على أمل العودة في قادم الأيام.

تخلصت من النظرة العدوانية للحجاب والمحجبات

العاشرة ليلا، وقت وصولنا إلى الجزائر العاصمة، التحضيرات على قدم وساق للسفر غدا، طلبت إجراء مقابلة مع فيرونيك حول الأيام  التي قضوها في الجزائر، لتقول بكل عفوية: لا يمكن أن أقول إنني في بيتي، لكن الحقيقة لقد شعرت أني عند أهلي، شعب مضياف، الجزائر بلد جميل، لكل منطقة جمالها وسحرها،  الشباب مبدع ومتأقلم، تعرفت على إطارات في الدولة، أناس بسطاء، أصحاب مهن، التقيت مسيحيين ومسلمين يعيشون معا، في هذه الأثناء تقول: سأعترف لك بأمر، لقد غيرت نظرتي العدوانية للفتاة المحجبة، وأعدك أني سأتصرف معهن بلطف من اليوم فصاعدا، والفضل يعود لك وللقاءات مع بعضنا البعض والأحاديث الممتعة والمفيدة التي جمعتنا، وأدعوك لتغطية رحلة العودة التي سيكون وفد جزائري في ضيافتنا السنة المقبلة.

عشرة أيام من الحوار وتبادل الأفكار، عشرة أيام للاختلاف والاتفاق، عشر أيام للمشاعر الإنسانية، اجتمعنا حول قضايا واختلفنا حول أخرى، تقبلنا اختلافاتنا، جلسنا حول مائدة واحدة، تشاركنا فيها حول نفس الأكل، تقبلناهم على طبيعتهم وتقبلونا كما نحن، احترمنا طقوسهم ليبادلونا الاحترام أضعافا، جميلة تلك اللقاءات التي تجمعنا وتؤسس للقاءات في مملكة السلم وتتخذ راية كتب عليها: "تمكنا من العيش معا في سلام".

  

 

 

 

 

          

 

 

 

 

 

 

  

  

 

 

   

 

     

  

 

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة