بسكرة.. سحر مدينة جزائرية
صورة: أرشيف
01 فيفري 2017 نذير بولقرون
نذير بولقرون
15641

بسكرة.. سحر مدينة جزائرية

 

لكل مدينة رائحتها الخاصة، هكذا يقول الشاعر محمود درويش:" المدن رائحة" وأن كل مدينة لا تعرف برائحتها " لا يعول على ذكراها"، هكذا هي المدن، فماذا عن بسكرة، التي تتجمع فيها عديد الروائح، من عبق التاريخ إلى رائحة المسك والياسمين إلى رائحة الشمس إلى روائح الحبر والفن بمختلف ألوانه وطبوعه إلى أكلاتها الشهيرة إلى الأنوار المتلألئة من تمور دقلة نور الشهية، أليس هناك من يرى أن تسميتها قريبة من السكر نظرا لجودة وحلاوة تمورها. 

 لذلك كله توجت بسكرة بعرش السحر والفنون، حيث نزلت ضيفة مبجلة على " معهد العالم العربي" بباريس، الذي احتفى بها مدة أربعة أشهر، في معرض جميل وثمين، اختير له عنوان " بسكرة.. سحر واحة جزائرية "، اكتشف من خلاله الجمهور عراقة ملكة صحراء الجزائر وتاريخ هذه المدينة التي تتألق بالعلم والأدب والفنون.

مدينة بلا رائحة.. لا ذكرى لها

ها أنا أعود إلى مدينتي، التي تسكنني، وفي نفسي قناعة راسخة بأنه إذا كانت في وطني الجزائر وفي دول العالم مدن آسرة، فإن هناك  بسكرة ، عروس الزيبان وأرض النخيل ومظهر جمال الطبيعة الفتان وبوابة الصحراء ، معقل العلم والعلماء ومحضن الشعر والشعراء ، ملهمة المبدعين والفنانين ومقصد السائحين والنابغين.

بسكرة التي تعرف بروائحها الجذابة، تقدم نفسها في دلال إلى السياح والزائرين، إنها عبق التاريخ ورموز العلم والفن، إنها أسماء خالدة، ببصمتها الراسخة، تقول: هنا كان ابن خلدون، هنا كان أندري جيد وهنا كان محمد العيد آل خليفة وهنا كان العربي بن مهيدي، إنها أسماء بارزة في سماء التاريخ والجهاد والشعر والأدب والفن، تتحدث عن بسكرة بفخر واعتزاز.

لقد غاص معرض "بِسكرة.. سحر واحة جزائرية"  في أعماق تاريخ هذه المدينة، من خلال  توثيقه، عبر مجموعة من اللوحات التشكيلية والصور الفوتوغرافية، لعراقة موقعها في الآداب والفنون والسياحة، أليست هي المسكونة بكل العطور الزكية.. ألوان ساحرة، مشاهد رائعة، واحات النخيل الخلابة، عادات وتقاليد وشعور جميل بالراحة، هذا ما عكسه المعرض، من خلال وضع أعمال المبدعين، من الفرنسي أوجين فومونتان في عام 1848 إلى المبدعين الجزائريين في عام 2014، في سياق علمي وثائقي يخرج إلى العلن للمرة الأولى ويفتح آفاقاً جديدة لفهم تاريخ هذه المدينة وموقعها في الأدب المحلي والعالمي وفي الفنون.

"بِسكرة .. سحر واحة جزائرية "، وضع أمام زوار المعرض بساطا من الألوان الزاهية، تروي كيف كانت هذه المدينة لدى هؤلاء الأدباء والفنانين والمبدعين الأوروبيين، الذين قاموا بزيارتها والذين أقاموا فيها، لقد كانت واحة خلابة ومنتجعاً للسياحة، مجهزاً بفنادق فاخرة، هكذا تقول رواياتهم وصورهم ولوحاتهم وموسيقاهم، على غرار اللوحة الشهيرة "ذكريات في بِسكرة" للرسام التشكيلي هنري ماتيس، وأندريه جيد الذي استلهم من المدينة أحد أشهر كتبه، كذلك الموسيقي المجري بيلا بارتوك ، الذي استلهم موسيقاه في عشرينيات القرن الماضي من الموسيقى التي كانت تقدّم في قصور المدينة.

بسكرة التي أغوت الرسامين والمصورين والموسيقيين والسينمائيين، كانت مقصدا ثقافيا وفنيا، كما أنها لم تكن هؤلاء فقط، إنها أيضا أدباء وشعراء وعلماء، نبتوا من أرضها، تغنوا بها وكان امتدادهم الوطن كله، ولا يتسع المقام لذكر هؤلاء المبدعين، الذين تنوعت إسهاماتهم الفكرية والفنية.

نهر الذكريات

ما يزال نهر الذكريات متدفقا، يغريني بالغوص في أعماقه، وكأنه يقول لي إن هناك بسكرة التي كانت، هناك تاريخ هذه المدينة الفريدة والمتميزة وتأثيرها على الثقافة العالمية من خلال العديد من الوثائق التاريخية، التي تكشف جوانب بسكرة الفنية.

 لقد كانت مدينتي مصدر إيحاء وإلهام لفنانين كبار في مختلف الفنون، من الصورة واللوحة والبطاقة البريدية وصولا إلى المسرح والأفلام. ويكفي أن نتذكر فيلم "حديقة الله " مع مارلين ديتريش، الذي يسلط الضوء على بسكرة خيالية وصلت حتى إلى هوليوود.

يروي التاريخ أن بسكرة ورد ذكرها في كتب وأبحاث عربية وغربية، وأول من تحدث عنها بإسهاب من الجغرافيين العرب أبو عبيد الله البكري في كتابه "المسالك والممالك"، الشريف الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق"، ابن سعيد المغربي في كتابه الجغرافيا، ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان"، الحسن الوزان في كتابه "وصف إفريقيا".

ومن المؤرخين والرحالة الذين زاروا بِسكرة وأعجبوا بها: العلامة عبد الرحمن بن خلدون في تاريخه المشهور، أبو سالم العياشي في رحلته "ماء الموائد"، أحمد بن ناصر الدرعي في رحلته أيضاً والحسين الورتيلاني في "نزهة الأنظار".

كذلك من الأدباء الغربيين الذين تأثروا بالمدينة وكتبوا عنها: الكاتب الإنكليزي س. هـ. ليدر في كتابه "بوابة الصحراء: بسكرة وما جاورها"، الكاتب الألماني هاينريش فون مالستان في كتابه "ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا"، والكاتبان الفرنسيان ج. ماركايو داميريك وجورج هيرتز في رسالتهما "بسكرة والزيبان".

 ما أروع تلك المدن، التي لها رائحة، وها هي بسكرة " الملكة" قد أنعشت معهد العالم العربي بباريس، بروائحها مدة أربعة أشهر، عاشتها ضيفة مبجلة، حيث استعرضت مفاتنها، مما تزخر به من تراث وفن وجمال وعراقة، فهل تراها تبرهن اليوم وغدا على قدرتها، ليس فقط، في إبراز ذلك الماضي التليد، بل أيضا- وهذا مهم جدا- أن تضيف له، حتى تبقى دوما مدللة السحر والفن والجمال.

بسكرة أمام الامتحان

أعرف أن المرء لا يستحم في مياه النهر مرتين، إنها تتغير، وذلك هو حال بسكرة، التي أقرأ في عينيها صباحا آخر، لأنها لا تنتمي إلى ماضيها فقط بل هي تشع اليوم بإبداعات فنانيها المعاصرين، التي تتكئ على ذاكرة حية، في حوار مع مدينة حديثة تعيش بجدارة انطلاقتها الجديدة.

"بسكرة.. مدينة نظيفة"، جملة ترافقني، تلتصق بها عيناي وتعود بي إلى مدينتي التي لا تزال تسكن في ذاكرتي، فهي معي لا تفارقني، مهما ابتعدت عنها، لكنها تأبى إلا أن تبقى في قلبي، يحتضنها في حب كبير، وكأنها الحب الأول، الذي يتجدد وينتعش، فيعود كما كان، وكأن الزمن في تغيره الدائم يتوقف، لأن صورة بسكرة، رغم ما تعرفه من تحول جذري وامتداد عمراني، لا تزال راسخة في مخيلتي.سمعت كثيرا عن "بسكرة.. المدينة النظيفة"، وكأنها صبية في عمر الزهور، تأبى إلا أن تكون بهية، فاتنة، تشد إليها الأنظار، لأنها تغري بما حباها الله من جمال! شاهدت الصور التي تبدو فيها بسكرة وكأنها تتزين لذاتها ولأهلها ومحبيها وزائريها، وسمعت عن تلك الهبة الجميلة والراقية، لإعطاء الصورة، التي ينبغي أن تكون عليها بسكرة، وهي المدينة التي تبهر بما تتوفر عليه من جمال، رغم ما طاله من تشويه وإهمال، لكنه ظل يتصدى ويتحدى، وكأنه  يصارع الزمن!بسكرة "تتطهر" من مظاهر القبح، تزيل عن وجهها التشوه الذي أصابها، إنها تتجمل بالنظافة، تعطى لنفسها مظهرا حضاريا، وهي التي تستحق أن تكون فاتنة، جذابة، يطيب العيش فيها، لأهلها ولزوارها، مثلما كانت في ذلك الزمن البعيد.وجدتني أعود إلى مدينتي، وها هي ذاكرتي تحيلني إلى أيام زمان، إلى شبابي وطموحي وأحلامي، التي ترعرعت في شوارع وساحات وأزقة وأسواق مدينتي، وكيف لي أن أنسى تلك الحدائق الغناء، التي تنتشر في أرجاء المدينة، تسبي الأنظار، هناك جنان "البايلك" و"جنان لندن"، الذي يحوي أصنافا وتشكيلات خلابة من النباتات والأشجار.

حين يشيد السيد جاك لانغ، الوزير المثقف، ببسكرة التي عرفها والتي قرأ عنها والتي استمتع بالفنانين الرواد الذين عاشوا فيها، فذلك يعنى الكثير، الذي ينبغي الاستعداد له، وهذا حتى لا تمر تظاهرة "بسكرة.. سحر واحة جزائرية"، مرور الكرام، وكأنها مجرد حدث عابر، لا أثر له، في حياة بسكرة، حاضرها ومستقبلها!إن بسكرة التي حظيت بهذا التقدير، لما تزخر به من تاريخ ومن سحر، مدعوة إلى أن تثبت جدارتها وأنها أهل لهذا التكريم المستحق، إنه الامتحان الكبير الذي يجب أن يجتازه والي الولاية السيد ..... بنجاح واقتدار.

نعم، بسكرة اليوم ولاية فلاحية بامتياز، وقد آن الأوان لكي ترفع التحدي، حتى تصبح قطبا سياحيا وإحدى منارات الثقافة في الجزائر.

الأستاذ سليم بشة..عاشق بسكرة

هناك دائما، وراء كل فكرة أو مشروع، يقف رجل أو رجال لبلورة الفكرة وإخراجها إلى النور وتوفير شروط النجاح لها، تماما مثل الزهرة، التي تتطلب ممن يحبها، أن يرعاها حتى تصبح جذابة الشكل وزكية الرائحة!ذلك هو حال معرض " بسكرة.. سحر واحة جزائرية"، الذي يقف وراءه رجل يعشق بسكرة حتى الثمالة، إنها مدينته التي ولد فيها وترعرع في أحضانها، وهي موطن  ذكرياته الجميلة الراسخة في ذاكرته، لا تزول مهما كان البعاد، بل إنها تتأصل أكثر بعودتها الدائمة إلى الينبوع المتدفق دائما، وكأنها تتكئ على الماضي لتعيش الحاضر وتتهيأ للمستقبل.الأستاذ سليم بشة، العاشق لبسكرة وللجزائر وللفن- كما وصفه رئيس معهد العالم العربي جاك لانغ- هو الذي يستحق كل الشكر على هذه المبادرة القيمة، التي أعادت اكتشاف وجه بسكرة الحقيقي، الذي تستحقه بامتياز.

يقال إن الرجل الذي ليس لديه خيال ليست لديه أجنحة، وقد برهن الأستاذ بشة أنه يملك الخيال والأجنحة معا، ولذلك ابتكر الفكرة وطار من أجلها إلى مدن ومتاحف وضحى من أجل تجسيدها، وفاء منه لمدينته وحبا للفن، الذي هو مفتون به.

إن الذكاء مهم لكنه يصبح مهما أكثر إذا توفرت الشجاعة، وهذا ما يصدق على الأستاذ بشة، الذي آمن بالفكرة وصارع من أجلها ونجح فيها.. فله كل الشكر وآيات العرفان، في انتظار تجسيد مشروعه الخاص بإنشاء متحف بسكرة، يحوي كل ما اقتناه من لوحات وكتب وتراث، تروي قصة الفنون ببسكرة، التي تفوح منها كل الروائح الطيبة، لأن لها ذكريات وذاكرة.

"مقهى جيد" تسلط الضوء على محطات من تاريخ بسكرة

كان معرض " بسكرة.. سحر واحة جزائرية"، حدثا ثقافيا كبيرا، حضره بالإضافة إلى رئيس معهد العالم العربي بباريس جاك لانغ  شخصيات سياسية  وثقافية جزائرية وفرنسية، يتقدمهم وزير الاتصال حميد قرين والأستاذ سليم بشة، الذي يعود له الفضل في إنجاح هذه التظاهرة الثقافية.

وقد كانت الفرصة مواتية لوزير الاتصال حميد قرين، خلال فعاليات المعرض، لتقديم مداخلة حول روايته الموسومة " مقهى جيد"، وهي الصادرة سنة 2008 وتسلط الضوء على محطات من تاريخ بسكرة وتروي جزء من حياة حميد قرين، ابن المدينة، مع المزج بين الحقيقة والخيال، كما أن الرواية تقتفي آثار أندري جيد، الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1947.

كلمة شكر

يقتضي المقام الإشادة بما يقوم به رجال ونساء من أبناء بسكرة الكرام، يتقدمهم الدكتور فؤاد فلياشي، الذين يقومون بجهد كبير،  لإبراز ما تتوفر عليه بسكرة، المدينة والولاية، من تاريخ مجيد وأعلام وعلماء ورصيد غني ومتنوع من التراث والفنون، فللجميع أقول شكرا على هذا الجهد المحمود، وكان الله في العون.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة