الوسط المدرسي يتحوّل إلى بؤرة إدمان
صورة: أرشيف
09 مارس 2016 صوت الأحرار
صوت الأحرار
42394

أرقام مرعبة وأخصائيون يدقّون ناقوس الخطر

الوسط المدرسي يتحوّل إلى بؤرة إدمان

قرر الديوان الوطني لمكافحة المخدرات والإدمان عليها إطلاق تحقيق وطني حول انتشار هذه الآفة المدمرة في الوسط المدرسي، ومن المرتقب أن ينطلق ابتداء من الثلاثي الثاني من السنة الجارية, بعينة تضم400 مؤسسة مدرسية للتعليم المتوسط والثانوي على الصعيد الوطني، ومن أجل تجسيد هذه العملية تم تخصيص غلاف مالي بأزيد من 11 مليون دج، كما أن تحقيقا مماثلا سينطلق السنة المقبلة في الوسط الجامعي. وسيجرى التحقيق بالتنسيق مع وزارة التربية الوطنية، وينجزه المركز الوطني للدراسات والتحاليل من أجل السكان والتنمية على مدة 7 أشهر، واستهلالا لهذه العملية سيتم إطلاق تحقيق أولي خلال الثلاثي الأول من هذه السنة على مستوى بعض المؤسسات المدرسية بولاية الجزائر العاصمة، قصد تصديق استمارة الأسئلة التي ستستعمل في هذا الشأن.

أرقام مرعبة وأخصائيون يدقّون ناقوس الخطر

تطاولات.. اعتداءات.. تسرّب ثمّ مخدّرات.. هذا ما تشهده مدارسنا اليوم بعد أن أصبح طالب العلم متعاطيا ومروّجا وتحوّل الحرم المدرسي إلى ملحقة للشارع يستمدّ منه الآفات والأمراض الاجتماعية، كلّ هذا يقودنا إلى التساؤل: أين هو الخلل، ما الحل وهل سيكون التحقيق الوطني حول انتشار هذه الآفة المدمرة في الوسط المدرسي بداية الحل لهذه المعضلة المسكوت عنها. كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن استفحال ظاهرة تعاطي المخدرات في الوسط المدرسي، وهو الأمر الذي عرف تصعيدا على جميع المستويات نظرا لخطورة الظّاهرة وانعكاساتها السلبية، فبعد أن تربعت قضايا التعاطي والإدمان على المخدرات على طاولات المحاكم بعد تفشّيها في المجتمع، ها هي اليوم تتغلغل في الحرم المدرسي وتطيح بمن يفترض أنهم طلبة علم.

وبعد أن كان خوف الأولياء على أبنائهم من الشارع الذي يقدم فرص الانحراف بطرق مباشرة انقلبت المعادلة اليوم وأصبح خوفهم من المحيط المدرسي أيضا بعد أن أصبح التلميذ مروجا ومتعاطيا وتحولت بعض المدارس ـ خاصّة الثانويات منهاـ إلى مسارح للجريمة والانحراف وأسواق للمتاجرة بالمخدرات وطغت عليها ممارسات ومشاهد لا تمت للوسط المدرسي بصلة. ورغم الحديث العلني عن تفشي هذه الظاهرة واستفحالها إلا أنه لم تعط لها الأهمية اللازمة بعد، ولا نزال نسمع عن تجاوزات في هذا الإطار أمام مرأى وسمع أفراد المؤسسة التربوية دون تحريك أي ساكن، وهو الأمر الذي من شأنه تصعيد الظاهرة، فالمخدرات بمثابة الأرضية المهيئة لكل أنواع الجرائم والانحرافات الأخرى، حيث يمكن أن تقود متعاطيها وبكل بساطة إلى السرقة، الاعتداء، وغيرها من الأمراض الاجتماعية الأخرى.

وعن أسباب الظاهرة يرى الأخصائيون أن انسياق الأطفال أو الشباب نحو عالم المخدرات يرجع إلى انعدام الاتصال بين الأولياء وأبنائهم بالدرجة الأولى والتفكك الأسري من طلاق أو انفصال أو موت أحد الوالدين والمعاملة السيئة لزوجة الأب، أيضا التسرب المدرسي إلى جانب الحرمان العاطفي والمتغيرات الاجتماعية مثل عمل المرأة الذي يلعب دورا جد هام في انحراف الأطفال ناهيك عن هشاشة وضعف المنظومة التربوية ونقص أداء أفرادها. وفي الفترة الأخيرة كشفت دراسة أجراها مجموعة من الأطباء، عن تغلغل المخدرات داخل المؤسسات التربوية، بإحصاء قرابة 83 بالمائة من التلاميذ الذين يتعاطون هذه السموم، وخلصت الدراسة إلى أن أغلب المدمنين هم من الذكور وأن 91 بالمائة منهم يستهلكون القنب الهندي والكوكايين -بأقل كمية-، مما يستدعي تدخلا جادا للجهات المسؤولة من أجل وضع حد لتفاقم هذه الظاهرة التي أضحت تنخر المؤسسات التربوية.

وفي الشق المتعلق بالجنس الأكثر إقبالا على تعاطي المخدرات، كشفت الدراسة أن أغلب المدمنين ذكور، بنسبة 73.3 بالمائة في حين بلغت نسبة الفتيات المتمدرسات اللاتي يتعاطين المخدرات 6.7 بالمائة، كما أشارت الدراسة إلى أن 49 بالمائة من المدمنين توجهوا نحو تعاطي المخدرات بمحض إرادتهم في حين أثر رفاق السوء على 15 بالمائة من الشباب مقابل 9 بالمائة من الفتيات. في الشأن ذاته دعا الكثير من الأولياء إلى ضرورة دعم المؤسسات التربوية بمختصّين في علم النفس والاجتماع لمتابعة التلاميذ وإرشادهم بالإضافة إلى إشراك التلاميذ في نشاطات تحسيسية وإخضاعهم لمتابعة من طرف الطب المدرسي الذي يفترض أن يدعم هو أيضا بمختصين في معالجة الإدمان. 

الحرم المدرسي مرتع لتعاطي المخدرات

تحوّلت المؤسسات التربوية في الفترة الأخيرة إلى مسارح للانحراف وارتكاب الجريمة، فبعد تطاول التلاميذ على بعضهم البعض وعلى أساتذتهم هاهم اليوم يتعاطون ويروّجون للمخدرات داخل الحرم المدرسي وهو الأمر الذي ذاع صيته وأصبح يشكّل هاجسا لدى الأولياء الذين أصبح خوفهم على أبنائهم من المدارس أكثر من خوفهم عليهم من الشارع. قصد الغوص والتعمق في الموضوع حاولت »صوت الأحرار« الاقتراب من بعض المدارس التي علمنا من مصادر مطلعة أن بعضا من التلاميذ المتمدرسين بها يتعاطون المخدرات داخل حرمها، والبداية كانت مع إحدى ثانويات براقي شرق العاصمة أين قابلنا بعض المتمدرسين بها أكدوا لنا أن المخدرات حاضرة داخل المؤسسة وبحوزة الكثيرين ومنهم من اعترف لنا بأنه يتعاطى.

وأبعد من ذلك، فحتى الفتيات لهن نصيب، وعن طرق إدخال هذه الممنوعات إلى الثانوية أعلمونا أنه لا توجد أية صعوبة في ذلك بحكم أنه لا يتم تفتيشهم عند الدخول، وبعد أن يدق جرس الاستراحة أو في الأوقات التي يتغيب فيها أستاذ ما يتوجه المعنيون بالأمر إلى دور المياه ـخاصةـ أو إلى زوايا تخفيهم عن الأنظار وهناك تتوزع الأدوار وتحظر الممنوعات، السجائر، »الشمّة«، وأنواع من المخدرات »كالزطلة« وبعض المسكّنات. »الزطلة«، »ليكستازي«، »الحمرا«، »الزرقا«، »الهيرويين«، كلّها أسماء لمخدرات ومسكنات يحفظها تلاميذ أطوارنا الثلاث عن ظهر قلب والقائمة جد طويلة كما أطلعنا مصطفى صاحب السادسة عشر ربيعا تلميذ بالسنة الرابعة متوسط بإحدى متوسطات الحراش وسط، حيث أكد لنا أن المخدرات تدخل إلى المتوسطة بشكل عادي والكثير من زملائه يتعاطونها وهو الأمر الذي أزعج والديه كثيرا وهم يفكرون في نقله لمدرسة أخرى.

تلاميذ آخرون عبّروا لنا عن سخطهم للوضعية، حيث أطلعتنا رانيا أنّها لا تحس بالأمان إطلاقا داخل الثانوية التي تدرس بها بالحراش وهو الأمر الذي جعلها تطلب مرافقة والدتها لها دائما، خاصّة وأن الكثيرين ممّن يدرسون بذات المؤسسة يتعاطون المخدرات والأمر باد عليهم. ثانوية جمال الدين الأفغاني بسيدي مبارك بالحراش هي الأخرى تشهد نفس الظاهرة حسب ما روته لنا أستاذة اللغة العربية التي رفضت الإفصاح عن اسمها، حيث أعلمتنا أن الكثير من طلبة الأقسام النهائية يتعاطون بفناء المؤسسة وهو الأمر الذي جعل رجال الأمن يداهمون حرم الثانوية في الفترة الأخيرة بكلاب مدربة وألقوا القبض على عدد من التلاميذ وبحوزتهم كمية من المخدرات، وأكدت لنا الأستاذة أن التلاميذ المتمدرسين داخل الثانوية يستلمون الممنوعات من طرف أولائك المتسربين من خلال أسوار المؤسسة.

من جهتها مفتشة التربية زهرة فاسي شاركتنا في الموضوع وأخبرتنا أنه بإحدى ثانويات باب الزوار اكتشفت المديرة أن أحد التلاميذ يتعاطى المخدرات فقامت باستدعاء والده الذي طلب منها أن تتخذ الإجراءات اللازمة لأنه لم يعد يستطيع التحكم في تصرفات ابنه العاق، وبعد أن أبلغت المديرة الشرطة عاد التلميذ إلى المؤسسة وقام بحرق المخبر. أم نورة تحدثت لنا في ذات الشأن وقالت أنّه يجب أن تتخذ الإجراءات اللاّزمة للحد من هذه الظّاهرة التي أصبحت هاجس الأولياء الأوّل، »أصبحنا نخاف على أولادنا من المدرسة أكثر من الشاّرع ما بقاش لامان"، وأضافت: "على المدرسة أيضا أن تتخذ التدابير اللاّزمة لتمنع دخول الممنوعات وتحصّن التلاميذ". 

المدرسة الجزائرية فقدت هيبتها 

حمّل خالد أحمد، رئيس جمعية أولياء التلاميذ، المدرسة مسؤولية انحراف التلاميذ وتعاطيهم للمخدرات وهذا بعد ضعف أداء العائلة التربوية بما فيها المساعدين التربويين إلى جانب الأولياء الذين اعتبرهم مساهمين في استفحال الظاهرة بعدم متابعتهم لأبنائهم كما يجب، كما تحدّث عن ميثاق أخلاقيات وأدبيات التربية الذي تم الإفراج عنه مؤخّرا وقال أنه يعوّل عليه كثيرا في استرجاع المدرسة الجزائرية لهيبتها. أكّد خالد أحمد رئيس جمعيات أولياء التلاميذ أن الجمعية لا تحوز على أي رسميات فيما يتعلّق بظاهرة تعاطي المخدرات داخل المؤسسات التربوية ولم تصادفها لحد الساعة حالات من هذا النوع، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن هذا لا يعني أنهم غير مطلعين على الظّاهرة وتداعياتها التي يعتقد أن الأولياء يساهمون بشكل أو بآخر في استفحالها من جهة ـخاصة في ظل غياب المتابعةـ بالإضافة إلى ضعف أداء أعوان الإدارة المدرسية من جهة أخرى.

وفي ذات الإطار تحدث خالد أحمد عن الفرق بين تسيير المؤسسات التربوية في السّابق وحاليا، حيث كان يتم مراقبة وتفتيش محفظة التلميذ وجيوبه قبل ولوجه إلى المؤسسة من طرف الأعوان الإداريين وفي بعض الأحيان حتى من طرف الأستاذ لكن اليوم يقول خالد أحمد: »لم يبقى ذلك الحرص على مصلحة التلميذ والعمل الجدي الذي يرمي إلى تقديس المدرسة وإعلاء مكانتها قائما«. وأضاف محدّثنا أن الظروف التي تمر بها المدرسة الجزائرية اليوم ساهمت في تمرد التلاميذ وتوجههم نحو الانحراف، وعن الوضع الحالي فقد حمل المؤسسات التربوية المسؤولية الكاملة لأنه حتى بالنسبة للأولياء من مهام المدرسة تنشيطهم وتوجيههم، وكما هو معروف المدرسة هي التي تربي المجتمع، »ومدارسنا اليوم لا تؤدي دورها كما يجب لذلك من الضروري أن تتكاتف الجهود من أجل أن تستعيد المدرسة الجزائرية هيبتها«.

في ذات السياق أشار ذات المتحدث إلى جهود الوزارة في الوقت الحالي التي تعكف على تهيئة أرضية ملائمة من أجل النهوض بمدارسنا واستعادة هيبتها عن طريق ميثاق أخلاقيات وأدبيات التربية الذي من المفروض أن تصادق عليه كل النقابات والجمعيات الوطنية موضحا أن ظاهرة تعاطي التلاميذ للمخدرات هي ضمن الميثاق، كما نوه بضرورة العمل بالقانون التوجيهي وقانون التشريع المدرسي لتعجيل عملية النهوض بمدارسنا. كما أكّد خالد أحمد أن الميثاق يطرح أيضا مسألة إعادة بعض الصلاحيات للأستاذ وكل العمال التربويين سواء المدير، المراقب العام أو المساعدين التربويين بالتنسيق مع الأولياء الذين ينبغي على المؤسسة التربوية تحسيسهم وتوعيتهم بحكم أنهم ليسوا كلهم واعين فبالتالي المدرسة هي من ينير لهم طريق الصواب كل هذا من أجل استرجاع هيبة المدرسة بالتكوين والتربية والتهذيب.

الشّارع يصدّر آفاته للمدارس

اعتبر يوسف حنطابلي المختص الاجتماعي، ظاهرة تعاطي المخدرات في الوسط المدرسي ظاهرة اجتماعية بحتة، مشيرا إلى أنّ ضعف دور الأسرة والمدرسة من أهم أسباب استفحال هذه الظاهرة بالإضافة إلى تلوث المحيط الذي يربط بين هاتين المؤسستين والذي يكون مشحونا من طرف جهات تحاول إقحام التلاميذ وتوريطهم، كما ألحّ على ضرورة خلق توازن في الشّارع الذي أصبح يصدّر آفات اجتماعية للمؤسسات التربوية.

أكّد الأستاذ الجامعي والأخصائي الاجتماعي يوسف حنطابلي على أن التلميذ المدمن أو المتعاطي للمخدرات يعيش في وضعية اجتماعية هو في منأى عنها يصعب تفسيرها اجتماعيا، لأنه في حالة ما إذا كان المتعاطي شخصا كبيرا وراشدا كفاية فإنه يمكن إرجاع ذلك إلى المشاكل الاجتماعية التي يتخبط فيها المجتمع وهو الأمر الذي لا يمكن إرجاعه إلى تلميذ في أحد الأطوار التعليمية. وأرجع الأخصّائي سبب إقدام التلاميذ على تعاطي المخدرات إلى الأسرة أو المدرسة في حد ذاتها موضّحا أنّه عندما يضعف أداء هاتين المؤسستين أو يقصران فإن ذلك سينعكس على التلميذ بشكل أو بآخر، لأن التلميذ لا يمكن أن يتأثر بما يحدث في المجتمع مباشرة وإنما يتم ذلك في إطار علاقته الاجتماعية أين يمكن أن يعاني من أزمات اجتماعية، فمشكل البطالة مثلا لا يؤثر عليه ولا يعنيه.

وإذا ما تم إرجاع كل حالة تعاطي إلى أصلها نجد وراءها إمّا طلاق أو أبوين مستقلين عن التربية بمعنى أنّ التلميذ أو الطفل يتجه نحو الانحراف عندما لا تقدم له الأسرة إشباعا من جهة وعندما تفقد المدرسة سلطتها ودورها في منح التلميذ وسطا يساعده على الإنتاج من جهة أخرى، إضافة إلى تلوث المحيط الذي يربط بين المدرسة والبيت، حيث أكّد المختص الاجتماعي أنه في كثير من الأحيان يكون مشحونا من قبل جماعات يحاولون إقحام الأطفال في مشاكل اجتماعية وتوريطهم. وأكّد حنطابلي على أن علماء الاجتماع والمختصين الاجتماعيين يبحثون سبل معالجة الظاهرة ككل وليس حالة مثلما يقوم به المختص النفساني، مشيرا إلى أن الهدف الأساسي هو تصفية الجو الذي يحيط بالتلاميذ المتمدرسين بتأطير تحكمه نظرة اجتماعية، كما ألحّ على ضرورة خلق توازن ما بين الأسرة والمدرسة وما يقصد هنا هو المحيط أو كما نسميه الشارع الذي عجزت كل مؤسسات المجتمع بجميع أبعادها عن التحكم فيه بعد أن أصبح يصدّر الأمراض والآفات الاجتماعية إلى الأسر والمؤسسات التربوية.

الشّارع يقيل الأسرة والمدرسة ويجني على طلبة العلم

قدّمت الأخصائية الاجتماعية زهرة فاسي عددا من الحلول التي من شأنها الحد من ظاهرة التعاطي والإدمان داخل المؤسسات التربوية مشيرة في الوقت ذاته إلى التأثير السلبي للشّارع على الأسرة والمدرسة، كما ركّزت على ضرورة تدعيم فرق الطب المدرسي بمختصين في محاربة الإدمان إلى جانب تحسيس وتوعية المتمدرسين بمخاطر المخدرات وخلق جسر بين البيت والمدرسة بتغيير نمطية عمل جمعيات أولياء التلاميذ. اعتبرت زهرة فاسي أخصائية اجتماعية ومفتّشة بمديرية التربية ظاهرة انتشار المخدرات في الوسط المدرسي موضوعا حسّاسا للغاية كما أكدت أنّ معالجته تحتّم الربط بين تأثير الأسرة والمدرسة على التلميذ وهول الشارع الذي انتقل إلى العديد من مؤسسات المجتمع وأصابها.

وأشارت المتحدثة إلى أنّه في العديد من المؤسسات التربوية اكتشف الأساتذة حالات شرود ذهني غير طبيعي تتملّك التلاميذ وبعد الاستعلام وباعتراف منهم اكتشف أنهم يتعاطون المخدرات ومنهم من وصل إلى درجة الإدمان، ويقومون بإدخالها من الشارع إلى مؤسساتهم دون صعوبة في ذلك، وفي حديثها عن الأسباب بيّنت المختصة الاجتماعية أنّ الاكتظاظ الذي تشهده المدارس في السنوات الأخيرة ساهم في تنامي الظاهرة. وإلى جانب الاكتظاظ تحدّثت عن نقص التأطير الإداري ونقص المساعدين التربويين والمؤطرين على مستوى المؤسسات التربوية "وهو ما تشهده ثانوية عبان رمضان التي يرتادها ما يفوق 1700 تلميذ ولا يوجد العدد الكافي للمؤطرين بها ونفس الشيئ بالنسبة لتوفيق المدني التي حوّلت إلى إكمالية وهي الآن بحجم جامعة".

التأطير المحكم للمراقبين والمساعدين التربويين من شأنه التحكّم في زمام الأمور ومنع التلاميذ من إدخال السموم والممنوعات إلى المؤسسات التربوية حسب ما أكدته لنا ذات المتحدثة، وأضافت: »التلاميذ يغتنمون أوقات الاستراحة للتّعاطي داخل دور المياه أو أمام المؤسسات التربوية في وقت الزوال«، كما أشارت إلى تأثير الشارع الذي اعتبرته خطيرا جدّا، حيث يقدم التلاميذ المتسربين من الدراسة وأولئك الذين تم طردهم على تمرير الممنوعات للمتمدرسين من أسوار المؤسسات التربويّة ولم يجدوا من يمنعهم.

وفي ذات السّياق أشارت فاسي إلى أن الأسرة استقالت ولم تعد تجيد تربية الأبناء كما اعتبرت هذه الاستقالة مفروضة من طرف الشارع الذي تغلب على كل مؤسسات المجتمع تقريبا بما فيها المؤسسات التربوية، وكحلول آنية اقترحت الأخصائية خلق طاقم قار داخل المؤسسات التربوية بأطوارها الثلاث يضم مستشاري التوجيه وأخصائيين في علم النفس والاجتماع مهمّته متابعة التلاميذ والإشراف عليهم. وألحّت على ضرورة إشراك الطب المدرسي بإحالة كل الحالات المشكوك فيها عليه بما فيها التدخين وكذا تدعيم فرق الطب المدرسي بمختصين في محاربة الإدمان، إلى جانب تغيير نمطية عمل جمعيات أولياء التلاميذ بإدراج اجتماعات دورية لإطلاع الأولياء على حالة أبنائهم حتى يتمكنوا من توجيههم وهو الأمر الذي من شأنه خلق جسر حقيقي بين البيت والمدرسة بالإضافة إلى عرض أشرطة فيديو تتحدث على أخطار العنف والمخدرات على التلاميذ لتوعيتهم وإرشادهم. 

العمل التوعوي ضروري للحد من خطر المخدرات على المدرسة

تأسّف عبد الرحمان عرعار لما تشهده المدارس اليوم من انحرافات وتجاوزات بما في ذلك تعاطي السموم والمخدرات من طرف الطلبة والتلاميذ، وقال أنّ الظاهرة تتم بفعل فاعل، حيث توجد عصابات وشبكات تستغل الحرم المدرسي للترويج لهذه المخدرات وتوقع بالتلاميذ حتى يصبحوا مدمنين حينها يتم جذبهم وزجّهم في المتاجرة والتعاطي. في ذات الشأن حمّل محدّثنا المنظومة التربوية كامل المسؤولية لما يحدث من انفلات داخل المؤسسات التربوية بما في ذلك المخدرات وأرجع ذلك إلى غياب بوادر التعاون والتضامن بين المؤسسات الأخرى وهذه المؤسسة بالإضافة إلى انعدام الرقابة وضعف أداء المساعدين والأعوان التربويين ناهيك عن افتقار المدارس للمرافق التي من شأنها نشر الوعي وتنشيط التلاميذ فيما ينفع.

وفي حديثه عن دور الأسرة قال أن العائلة اليوم أصبحت مغلوبة على أمرها فحتى لو قامت بدورها على أكمل وجه فلابد من التنسيق مع مؤسسات أخرى خاصة المدرسة، فضعف المتابعة اليوم جعل الأطفال ضحايا وحتى الشارع أصبح الجاني الرئيسي في كل قضايا الانحراف التي تطال الأطفال أو الطلبة المتمدرسين. وشدّد عرعار على ضرورة الإسراع في إيجاد حلول لهذه الظاهرة الخطيرة وحماية تلاميذنا من الوقوع في الفخ وكل هذا يحتاج إلى تضافر العديد من الجهود والاستناد على العملين الوقائي والتوعوي بالدرجة الأولى، كما أشار إلى أنه في حالة التماطل والتساهل مع مثل هذه المشاهد الانحرافية ستتأزم الأوضاع وسيدخل هؤلاء الأطفال والتلاميذ الضحايا في دوامة الانحراف وهو ما بدأ يظهر اليوم أين أصبحنا نجد أطفال ومتمدرسين متورطون في قضايا السرقة والاعتداءات الجنسية وعديد المشاكل والآفات الاجتماعية الأخرى.

البيروقراطية تمنعنا من خلق خلايا إصغاء على مستوى المدارس

أشار عبد الكريم عبيدات الخبير الدولي والمستشار في الوقاية الجوارية ورئيس المنظمة الوطنية لرعاية الشباب إلى وجود أكثر من 300 ألف مدمن من فئة الشباب تتراوح أعمارهم مابين 15 و35 سنة أخذت البنات أو النساء نسبة 6 بالمائة منهم، كما يرى أن انسياق المراهقين أو الأطفال المتمدرسين وراء هذه الآفة راجع إلى جملة من العوامل والأسباب تندرج كلها في إطار الانقطاع مع المنظومة الاجتماعية. وقدّم عبيدات شرحا لما سمّاه انقطاع مع المنظومة الاجتماعية، حيث قال أنّ من بين أكثر الأسباب التي تجعل الطفل أو التلميذ المتمدرس يقدم على التعاطي هو استقالة الأولياء أو عدم تأديتهم لدورهم بشكل كامل وهو الأمر الذي يجعل القيم التربوية منكسرة داخل العائلة ولا يوجد من يعوّضها بعد ذلك، وأضاف أسبابا أخرى تمثّلت في التفكك الأسري، الفقر، الضيق والإهمال.

التسرّب المدرسي من جهته ساهم بشكل كبير في استفحال ظاهرة تعاطي المخدرات حسب ما أكّده لنا ذات المتحدث بحكم أنه يتم تسجيل ما يعادل 500 ألف شاب وشابة مطرودون من المدارس كلّ سنة، يجدون أنفسهم في فراغ رهيب لأن المؤسسات التربوية تخلت عنهم ومراكز التكوين لا يمكن أن تستقبلهم لأنها تشترط سنّ السابعة عشر، ومن هنا ـيقول عبيدات ـ يبدأ الاحتكاك مع الشّارع. في ذات السياق نوّه محدّثنا بأنّ مشكلة المخدّرات لم تعد تنحصر داخل المحيط الحضري فقط بل تعدّته إلى الوسط المدرسي وهو الأمر الذي فكّر فيه مركز رعاية الشباب الكائن بالمحمدية بتخصيص أربعة حافلات للإسعاف المدرسي تتنقل بيت المتوسطات، الثانويات، مراكز التكوين، والأحياء الجامعية كل يوم ثلاثاء.

وأوضح المتحدث أن حافلات الإسعاف المدرسي مجهزة بطاقم يتكون من أطباء، مختصين نفسانيين واجتماعيين وعند زيارة المؤسسة التربوية تكون هناك مداخلات مع الطلبة أو التلاميذ والعمل معهم يكون تحسيسي وتوعوي بالدرجة الأولى، وبعد نهاية الدوام يتقدم الفريق العامل منهم ويطلب بقاء المعنيين بالأمر دون أن يتم التلميح إلى أنّهم يتعاطون ونجد أنفسنا في كل مرة أمام 4 إلى 10 تلاميذ. وعند حديثنا عن إمكانية خلق خلايا للإصغاء على مستوى المؤسسات التربوية أعلمنا عبيدات أن البيروقراطية تعرقل مثل هذه المشاريع كما أطلعنا على أن دخول حافلات الإسعاف إلى المؤسسات التربوية لا يتم بسهولة بل يتطلب الأمر عديد الإجراءات كالحصول على تصريح لذلك لا يتنقلون حتى يتلقوا طلبا من المؤسسة نفسها، لذلك على أولياء التلاميذ التدخل وتنظيم مثل هاته المبادرات لأن تأثيرهم على المؤسسات التربوية كبير إلى حد ما.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة