الرياض..عاصمة الإعلام والمستقبل
الرياض مدينة الاصالة والحداثة صورة: أرشيف
26 ديسمبر 2018 نذير بولقرون/ د. محمد لعقاب
نذير بولقرون/  د. محمد لعقاب
184

أوراق من زيارة إلى العربية السعودية

الرياض..عاصمة الإعلام والمستقبل

  الرياض، هذه المدينة البعيدة، بمعيار المسافات، هي أقرب إلينا، تاريخا ولغة ودينا ووشائج راسخة صنعها الزمن، إننا نعرفها وهي تعرفنا، ولذلك فهي ليست غريبة عنا، بل إن علاقتنا بها وطيدة، وكأن إقامتنا بها تتجاوز الأيام والشهور?

هكذا بدت الرياض في هذا الصباح الباكر، مدينة حية، بحركتها الدؤوبة، أما معالمها الدالة عليها فهي قائمة، تأبى أن تفقد روحها، وإن كانت تواكب حركية التحديث التي تعطي الرياض طابع المدينة العصرية، التي تسابق الزمن.


  الرياض تتوسد التاريخ وتخاطب العصر

 لم تدم الإقامة بهذه المدينة الجميلة، التي تكتسي بالجديد، إلا يومين، لكن الصورة عنها كانت واضحة، وسواء أسميناها بالتسمية التي تعرف بها حاليا، أي الرياض، نسبة إلى بسلتين النخيل، أم أسميناها "مدينة حجر اليمامة"، فإنها كانت وتظل سليلة العراقة والأصالة.

وإذا كانت المدن، منذ الأزمنة الأولى، تبنى لأسباب دينية أو عسكرية، فإن الرياض، كانت مدينة روحية وعاصمة دولة وحاضرة علم ودين، هكذا يقول عنها التاريخ في ماضيها.

 أما حاضر الرياض، فيقول إن هذه المدينة قد آلت على نفسها أن تخاطب المستقبل وتصنع لنفسها المكانة التي تليق بها وأن تتباهى بكونها واجهة للسعودية، مدينة تحكم وتدار بشكل عصري وتتطور بسرعة، تعج بالمشاريع والأفكار الجديدة، التي تستلهم أحدث التقنيات المتطورة.

مدينة الرياض تتوفر على كل المؤهلات لكي تصبح أحد أقطاب المنطقة في النهضة العمرانية والتقنية والاقتصادية.

هكذا بدت الرياض، في زيارتنا لها بمناسبة تتويجها " عاصمة للإعلام العربي"، كانت تتوسد تاريخها التليد، ففي هذه الأنحاء، كان الشعر والفروسية،  وكانت الشجاعة في الإقدام والمنازلة، هنا في هذا المكان أو ذاك وقعت معارك ووقف شعراء، وقدمت تضحيات، أوصلت هذه الأرض إلى مظلة الوحدة.

 مدينة الرياض عاصمة المملكة العربيّة السعوديّة وأكبر مُدنها، شهدت تحوُّلاً كبيراً في مساحتها؛ حيث كانت في البداية بلدة صغيرة تُحيط بها الأسوار من كلّ اتّجاه، ثمّ أصبحت فيما بعد مدينة عصريّة واسعة الحدود، وإذا كانت قد سميت بالرياض؛ لاشتهارها بالبساتين، وأشجار النخيل في وسطٍ ذي طبيعة جافّة وقاحلة، فهي اليوم كذلك تتزين شوارعها الفسيحة بهذه الشجرة المباركة.

وتعتبر مدينة الرياض أكبر مُدن السعوديّة من حيث عدد السكّان، حيث تطوَّر عدد سُكّان المدينة تطوُّراً كبيراً وسريعاً منذ بداية نشأتها؛ ومع تطوُّر الجانب العمرانيّ وتوسُّعه في المدينة وازدياد النُّموّ الاقتصاديّ تزامُناً مع ارتفاع مُعدّلات إنتاج النفط، تزايد عدد السكّان ليصل إلى ما يقارب 6 مليون نسمة.

الرياض، تختصر في تاريخها مرحلة حاسمة من تاريخ المملكة، فقبل قرن وعشرين عاما كان دخول الملك عبد العزيز إليها، ومنها انطلق لتوحيد المملكة العربية السعودية، وفي قلب الرياض يشهد قصر " المصمك" التاريخي والذي أصبح مقصدا للسياح من داخل المملكة وخارجها على أشهر معارك التوحيد، كما تحكي مدينة الدرعية التي أصبحت متحفا مفتوحا ومنتجعا سياحيا رائعا، على تاريخ تأسيس المملكة، وقد احتضنت هذه المدينة لأول مرة في تاريخ المملكة مسابقة الفورميلا آي التي تزامنت مع زيارتنا لهذه المدينة التاريخية الحديثة.

الرياض ليست ماضيا، بل هي حاضر ومستقبل، إنها مدينة عامرة بالعمران، ناطحات السحاب والأبراج تطاول عنان السماء، إنها عنوان آخر لمدى التقدم التكنولوجي والعمراني والاقتصادي الذي تشهده المملكة، مما يضفي على الرياض مزيدا من السحر والثقة بالعبور إلى المستقبل?

 وترك فينا " قطار الرياض" الذي يجري رص سكته، ويربط بين كل أرجاء عاصمة المملكة، الانطباع، بأن الرياض بعد إطلاقه في حدود 2020 ، ستزداد جمالا ، وستكون أكثر استقطابا للسواح بعد قرار منح التأشيرات السياحية.

خمس لاءات لرسائل خاطئة

 طيلة اليومين، لم نسمع حديثا عن قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي، إنها القضية التي تسعى السعودية إلى تجاوزها، رغم الضغوط التي تمارس عليها، ولعل آخرها موقف الكونغرس الأمريكي، بل إن الرد السعودي على الكونغرس، كان مغلقا، حيث رد بيان الخارجية السعودية بخمس لاءات، منها: لا للمساس بسيادة المملكة، لا للتقليل من مكانة المملكة إقليميا، لا للمساس بسمعة القيادة وعلى رأسها الملك سلمان وولي العهد، ولا لتدويل قضية خاشقجي.

وهذا "التجاوز" ليس من باب إهمال القضية أو التهوين منها أو غلق ملفها، بل من منطلق وضعها في إطارها القانوني?

ولذلك، بدا المشهد مختلفا، فالرياض عاصمة الإعلام العربي، والاحتفائية المقامة بهذه المناسبة، تعكس مكانة المملكة، من خلال مشاركة مميزة لوزراء الإعلام العرب وحضور لافت للصحفيين من كل دول العالم العربي.

الأحاديث الصامتة تعتبر اغتيال خاشقجي جريمة يرفضها الشرع والمنطق والأخلاق، ولا يمكن قبولها أو تبريرها بأي شكل من الأشكال، لكن تتفق الآراء، على أن القاتل والقتيل ومكان الجريمة سعوديون، ولهذا فإن السعودية هي الجهة الوحيدة المنوط بها التحقيق والادعاء على المتهمين وإجراء المحاكمة العادلة.

وإذا كانت السلطات السعودية قد تجاوزت القضية، من حيث عدم "التوقف" عندها والخضوع للضغوط التي تمارسها دول وهيئات، فإن الصحافة السعودية تخوض ما يمكن وصفه بـ " الحرب" ضد ما تسميهم "الذين يحشرون أنوفهم في قضية داخلية، تهم السعودية أولا وأخيرا"، وهذا ما تتفق حوله كل وسائل الإعلام، من خلال تناول يرتكز على التنديد بالجريمة النكراء من جهة، وعلى استنكار ما تصفه بالعاصفة المصطنعة التي تهدف إلى الإساءة للسعودية من جهة أخرى.

فهل تعتبر قضية خاشقجي في عداد "الملف المغلق"؟.. الرد على هذا السؤال هو: نعم، من حيث أن الجريمة تم الاعتراف بها وبالمسؤولية عنها، وأحيلت على جهات التحقيق التي طالبت بأقصى العقوبة المقررة في مثل هذه الحالات وهي الإعدام والحبس المؤبد!

فالقضية تتحملها السلطات السعودية وهي تخصها وحدها- ويجب أن يلقى المسؤول عن الجريمة جزاءه الرادع كما يقتضي القانون- إلا أن الملاحظ هو أن هناك استغلالا واضحا للجريمة، من أجل الثأر والنيل من السعودية كدولة وقيادة ونظام! هذا ما يتردد في مقالات الكتاب السعوديين.

فالمتتبع لجريمة "خاشقجي" يدرك أنها تحولت إلى قضية داخلية لعديد الدول، في حين أن الجريمة تتولاها، وفق جميع قوانين العالم، حكومة الفاعلين والضحية. ففي الولايات المتحدة تحولت إلى حرب على العلاقة مع السعودية وفي تركيا أصبحت - حسب وصف أحد الكتاب-" مسلسل تركي !"

ميزانية تريليونية لتنمية مستدامة

 تتصدى السعودية لهذه العاصفة، التي تتعرض لها، بسبب النهاية المؤسفة للصحفي جمال خاشقجي، ليس فقط بالتصدي للحملة الموجهة ضدها، بل باستمرار المسيرة التنموية والتطويرية، وهي الطاقة المحركة لاقتصاد هذا البلد، وهذا ما تبرره بوضوح الميزانية العامة المعتمدة لعام 2019، وهي أكبر ميزانية منذ نشأة المملكة! وقد وصفت بالميزانية "التريليونية" أي ميزانية بألف مليار ريال، لمواصلة تحقيق التنمية بمختلف أبعادها واتجاهاتها.

هذا "الرد " جاء للتدليل على مناعة وقوة السعودية الاقتصادية، وللتأكيد بأن الضغوط الخارجية هي "رسائل خاطئة"، تعكس توجها خطيرا ليس معهودا ولا معمولا به في علاقات الدول، بل تعتبر اعتداء وتدخلا سافرا وتعديا على سيادة السعودية.

وهكذا، تجاوزت الميزانية العامة  295 مليار دولار،  لتصبح أكبر ميزانية في تاريخ المملكة. وهي تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي ورفع كفاءة الإنفاق وتحقيق الاستدامة والاستقرار المالي، وذلك ضمن أهداف رؤية المملكة 2030، التي ترمي إلى تعزيز الاستدامة المالية من خلال زيادة  وتنويع مصادر الإيرادات غير النفطية، في محاولة لوقف الارتهان التاريخي للنفط.

الرياض عاصمة العرب

 ويأتي موعد الرياض عاصمة للإعلام العربي ليبعث برسالة واضحة، مفادها أن السعودية تنقل صورتها إلى العالم عامة والعالم العربي خاصة، وتأمل الرياض في أن تساهم بقوة، خلال سنة 2019 في تفعيل  الخريطة الإعلامية العربية للتنمية المستدامة 2030 والتي أقرها مجلس وزراء الإعلام العرب، والمنبثقة عن الأمم المتحدة في اجتماع نيويورك يوم 25 سبتمبر 2015 بمناسبة الذكرى الـ 70 لإنشاء الأمم المتحدة.

لقد حرصت المملكة على تنظيم حفل "الرياض عاصمة الإعلام العربي" ليكون في مستوى الرياض، حيث دشنه وزير الإعلام السعودي الدكتور عواد العواد رفقة عدد من وزراء الإعلام العرب منهم وزير الإعلام الجزائري جمال كعوان، وشهدت الإحتفائية عددا من الفعاليات والمعارض، والإعلان عن إطلاق عدد من المشاريع الإعلامية الكبرى في المملكة، منها إعادة رسم السياسة الإعلامية السعودية وهيكلتها بما يتوافق مع متطلبات العصر ووفق إستراتيجية جديدة، تعتمد في أساسياتها على منهجية الإعلام الحديث.

فبعد القدس، والعراق، جاءت الرياض لتكون عاصمة للإعلام العربي، وتزامن ذلك مع رئاسة السعودية للجنة الدائمة للإعلام العربي، ورئاسة المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الإعلام العرب.

وكمنطلق جدي، لرغبة السعودية في أن تلعب دور "عاصمة الإعلام العربي" فعلا، تم ولأول مرة في تاريخ جامعة الدول العربية، عقد "الملتقى الإعلامي العربي" الذي أشرفت عليه الأمانة العامة (قطاع الإعلام) لجامعة الدول العربية، كان مفتوحا لعدد كبير من الإعلاميين العرب، منهم شخصيات إعلامية وأكاديمية جزائرية، لتقديم اقتراحات وتوصيات في كيفية تنفيذ الخطة الإعلامية العربية للتنمية المستدامة. وانتهى اللقاء بتقديم 17 توصية، سترفع للحكومات العربية، بهدف تجاوز الواقع المرير الذي يعيشه الإعلام العربي، وإشراكه في عملية التنمية المستدامة. وقد رافع عدة متدخلين لضرورة منح هامش محترم من الحرية لوسائل الإعلام، وتحرير الطاقات والمهارات وتعزيز التكوين، وغيرها، حتى يتمكن الإعلام العربي من لعب دور فعال في محاربة التطرف والإرهاب ودعم الاستقرار في مختلف ربوع الوطن العربي.

 مدينة لا تعرف إلا المستقبل

استطاعت الخطوط الجوية  السعودية أن تفرض وجودها ضمن أهم الشركات الجوية العالمية، من خلال أسطولها الجوي ورحلاتها التي تجوب  كل أنحاء العالم ونوعية خدماتها المميزة، كما أنها  تشكل عنصرا هاما في مجهود التنمية والتطور بالمملكة، فالسعودية إذا كانت تعرف بأنها أرض الحرمين الشريفين وبلد البترول، فإن واجهتها الأولى هي خطوطها الجوية. هذا هو التحدي الذي ترفعه سلطات المملكة، من أجل كسب رهان المنافسة في هذا المجال.

كانت الخطوط السعودية هي الواجهة الأولى  للتعرف على هذا البلد، وكانت الرياض هي المدخل للوقوف على ما يعرفه من نهضة،  فمدينة الرياض بالنظر إلى مكانتها التاريخية والسياسية وكبر حجمها وكثافة سكانها وأهميتها الاقتصادية مؤهلة وبكل جدارة أن تنافس مثيلاتها في أنحاء العالم، من حيث التطور والخدمات والمظهر العصري الجذاب من حيث التخطيط بعيد النظر والبنية التحتية الراسخة وتنوع وجودة الخدمات المقدمة لقاطنيها، كما أن السعودية بحكم مكانتها الدينية واحتوائها للحرمين الشريفين تتطلب تلك المعايير العالمية وخصوصا مدن الرياض وجدة ومكة المكرمة والمدينة النبوية.  

 تقدم الرياض مشهدا جميلا، عن مدينة لا تعيش الحاضر، بل إنها لا تعرف إلا المستقبل، فهي تخوض يوميا معركة التحديث، ويحق لها أن تفاخر بأنها مدينة آسرة، تلوي عنق المستقبل وتضاهي المدن  الجذابة في العالم.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة