الحوار وبوادر انفراج الأزمة (ربورتاج)
صورة: أرشيف
13 أكتوير 2019 ربورتاج: فادية طواهري
ربورتاج: فادية طواهري
1134

من الحراك إلى رهان الرئاسيات

الحوار وبوادر انفراج الأزمة (ربورتاج)

مرت الجزائر منذ الاستقلال بعديد الأزمات، غير أن ما عاشته في الفترة الأخيرة عقب المسيرات السلمية المطالبة بتغيير النظام السابق وما تمخض عنه من مستجدات لم تشهدها الساحة من قبل، وصف بـ "الاستثنائي" ولعدة اعتبارات، أهمها إجماع شعبي على التغيير بسلمية لم يعرف لها مثيلا في تاريخ "الانتفاضات الشعبية المطالبة برحيل الأنظمة"، لكن الملاحظ في كرونولوجيا الأحداث منذ بدء الحراك الشعبي في الجزائر هو مرافقة المؤسسة العسكرية للمطالب المشروعة للشعب، وهي الحكمة التي أبدتها قيادة الجيش التي رافعت للحوار كخيار وحيد لتجاوز الأزمة الأمر الذي كان له انعكاسات ايجابية ومهد لبداية عهد جديد مع الديمقراطية في بلادنا.


إنّ التعقيدات التي طبعت المشهد السياسي في الجزائر على مرّ أشهر منذ بداية الحراك الشعبي يوم 22 فيفري، كانت حجرة عثرة في سبيل الوصول إلى توافقات حول رؤية موحدة لتجاوز الأزمة، غير أن المهمة لم تكن بالسهلة بالنظر إلى العديد من المعطيات، وكان عد الحوار لتجاوز الأزمة محط إجماع بين جميع الفاعلين.. لكن الجلوس على طاولة واحدة كان صعبا بالنظر إلى اختلاف وجهات النظر بينهم من جهة ولتمسك الحراك بعدم التحاور مع رموز النظام من جهة أخرى.

ورغم ذلك تعالت الأصوات في الأوساط السياسية بالدعوة إلى الحوار بوصفه يشكل الحل الأنجع للخروج من الأزمة السياسية، فتتالت المبادرات الرامية للحوار التي سرعان ما اصطدمت بتجاذبات "سياسية وأيديولوجية"، فيما كان من يمثل الحراك اكبر عقبة في سبيل الجلوس على طاولة الحوار.

لكن دخول المؤسسة العسكرية على الخط كمرافق للحراك مكن من تجاوز هذه العقبة، حيث تم تشكيل هيئة مستقلة للحوار والوساطة، عكفت وعلى مدار أسابيع على تقريب وجهات النظر بين مختلف الفاعلين في المشهد السياسي في بلادنا، قبل أن تنبثق عن جلسات الحوار العديد من القرارات الهامة التي ساهمت في التعجيل بتجاوز الأزمة .

ومن بين القرارات التي تمخضت عن لجنة الحوار والوساطة، استحداث الهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات التي كانت أحد أهم مطالب الطبقة السياسية، حيث تم على إثرها تحديد موعد إجراء الرئاسيات يوم 12 ديسمبر، التي أضحت محل إجماع بعد الضمانات التي تم تقديمها لتنظيم هذا الموعد الانتخابي بكل شفافية ونزاهة، وهو الموقف الذي عبرت عنه القيادة العسكرية التي أكدت أنها لن تنحاز لأي مرشح كان، مؤكدة أن القرار الأخير بيد الشعب دون سواه.

وعلى هذا الأساس تتجه الجزائر وبفضل تبني الحوار الذي رافعت لأجله في حلّ الأزمات الإقليمية، على غرار مالي وليبيا، مبدأ تبنته الجزائر كخيار أوحد لحل أزمتها السياسية، على اعتبار أن انتخاب رئيس شرعي للجمهورية هو المخرج الأمن للازمة الراهنة التي كانت لها تأثيرات عديدة خاصة في الشق الاقتصادي والاجتماعي وغيرها.

ومن هذا المنظور يرى خبراء ومختصون أن الحوار كأسلوب حضاري يلبي حاجة الإنسان في مفهوم الاستقلالية، حيث يجعله يفاضل بين هذه الحاجة و حاجته لمشاركة الأطراف الأخرى، فيكون التعامل معهم بأسلوب تشاركي فعال مُساهمٌ في معالجة المشكلات، مما يعزز قيم المواطنة و يؤسس لإرساء دعائم الاستقرار بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الحوار أداة حضارية للخروج من الأزمات

يرى المحلّل والخبير الأمني بن عمر بن جانة، أن الحوار أداة حضارية تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة من أجل احتواء الأزمة وإرساء أرضية تفاهم مشتركة بين الأطراف المتخاصمة تجمع فيها الآراء وتستعرض أسباب الأزمة وهو بمثابة وسيلة للتعاون من أجل تجاوز الأزمات بالطرق السلمية.

 واعتبر بن جانة في لقاء مع "صوت الأحرار" أن الحوار في مضمونه تجل للتعاون بين المتحاورين من أجل معرفة الحقيقة وتبيانها دون تزييف ولا تحريف ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها، وذلك بقوة الاستدلال الصحيح و إقامة الحجة للوصول لمكامن الأسباب ذات الصلة بالأزمة.

ويضيف المتحدث أن "الحوار عملية تشاركيه في المفهوم السياسي، حيث يشارك المواطن بطريقة مباشرة كمتحاور أو بطريقة غير مباشرة بواسطة من كلفهم بذلك، ومن هذا المنظور لا تكون مخرجاته وازنة وذات قيمة توافقية إلا إذا كان شاملا لكافة أطراف الأزمة وغير مقصي لجهة لأسباب خلافية آو لميراج شخصي آو تصلب في الموقف".

 ومن هذا المنطلق يرى أن  الحوار أساس حل أي أزمة، وقبول الآخر محطة أولى لإرساء التحاور في السكة الصحيحة، أما إدراك الواقع وتحمل مسؤولية القرار يمثلان شريان ونبض الحوار الهادف والناجح، والاختلاف روح الحوار ومنطقه، فمن اعترض على الاختلاف أسس للخلاف، والخلاف هو تعميق للأزمة أما الاختلاف تنوير أي تسليط الضوء على مختلف جوانب الأزمة، ومنه تسليط الضوء على الأزمة بداية لبزوغ نور الحل.

اللّواء المتقاعد عبد العزيز مجاهد

"الحوار تفاعل للعقول والأفكار"

يؤكد الخبير الأمني واللواء المتقاعد عبد العزيز مجاهد في تصريح لـ "صوت الأحرار" أن الحوار هو الطريق الأنسب لبلوغ الهدف المنشود، وهو الطرح الذي تبناه الجزائريون لتجاوز الأزمة.

قال عبد العزيز مجاهد إن "الحوار هو مسار للعلاقات بين أفراد المجتمع وهو أساس العلاقات في كل الأزمنة، فهو يساعد على الرؤية الدقيقة من كل الجوانب"، مضيفا إن "الحوار هو ثقافة قبل كل شيء كونه يعكس الرؤيا، وهو تفاعل للعقول والأفكار بين جميع أفراد المجتمع، كما يقلل الخلافات مهما اشتدت حدتها".

 وبعد أن أكد أن الحوار يستوجب أن تكون له مبادئ، اعتبر اللواء المتقاعد عبد العزيز مجاهد أنه  "الخيار الأعقل والأحكم"، فبدون حوار تغلب القوة وليس العقل، مضيفا " نحن أبناء الوطن الواحد لدينا نفس الحقوق ونفس الواجبات، فالحوار هو أنسب طريق للوصول إلى الهدف والغاية.

الجزائر مرت بأزمات أخطر واعقد من الأزمة الراهنة، والإرادة الشعبية هي التي ساهمت في تجاوز كل العقبات

وبشأن الظرف الصعب الذي تمر به البلاد، قال المتحدث "إذا عدنا للماضي، نجد أن الجزائر مرت بأزمات أخطر واعقد من هذه الأزمة، حيث أن الإرادة الشعبية هي التي ساهمت في تجاوز هده العقبات، معتبرا أن "السيادة للشعب فهو يعبر عن إرادته عن طريق الانتخابات التي هي أساس تجسيد العدالة والديمقراطية".

عمار عبد الرحمان صحفي وأستاذ جامعي

الحوار الحلّ الوحيد لتجاوز الأزمات

يرى الصحفي والأستاذ بـ"جامعة الجزائر 3 "عمار عبد الرحمن أنّ الأزمات الإقليمية لا يمكن حلّها بعيدا عن الحوار البناء والتشاركي بين كل أطياف الصراع.

وفي ذات السياق أكد الأستاذ عمار عبد الرحمان، أن التجارب السابقة أثبتت أنّ الاحتكام للقوة ولغة السلاح لا يجدي نفعا بل على عكس ذلك يزيد في تأزّم الأوضاع وعليه يبقى الحوار الملاذ الوحيد والأوحد لحل الأزمات لتفادي الوقوع في كوارث إنسانية.

الحوار أثمر انبثاق السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ما سيفضي حتما إلى انفراج الأزمة من خلال تبني النهج الصحيح المتمثل في الانتخابات الرئاسية، شريطة تذليل بعض العقبات التي لازالت تحول دون اقتناع المواطنين بصفة كاملة

وبخصوص الأزمة الجزائرية يعتقد –ذات المتحدث- أنّ الجزائر بإمكانها تجاوزها، بالاحتكام إلى العقل والابتعاد عن اللغو والتخوين والحسابات الشخصية، مؤكدا أن الحوار أثمر بانبثاق السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وهو ما سيفضي حتما إلى انفراج الأزمة من خلال تبني النهج الصحيح المتمثل في الانتخابات الرئاسية، شريطة تذليل بعض العقبات التي لازالت تحول دون اقتناع المواطنين بصفة كاملة.

ومن بين تلك العقبات يرى الأستاذ عمار عبد الرحمان إعادة النظر في بعض القوانين الصادرة بخصوص ملفات هامة وحساسة بل وإستراتيجية على غرار قانون المحروقات، الذي لا يحق بتاتا للحكومة الحالية التصرف فيه أو إصدار قرارات بشأنه كونها حكومة تصريف أعمال ليس إلا، وكذا الحال لبعض المواقف المتعلقة بضرورة ذهاب الحكومة الحالية لطمأنة المواطنين وتعزيز الثقة بين الشعب والسلطة.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة