قافلة السياحة للمعاق.. أمهات يكابدن عناء السفر لزرع البسمة على أبنائهن
المعاق..تعاطف لا يبرئ الجرح صورة: صوت الأحرار
07 جانفي 2019 ربورتاج: فهيمة بن عكروف
ربورتاج: فهيمة بن عكروف
847

حملت رسائل أمل من العاصمة إلى بشار

قافلة السياحة للمعاق.. أمهات يكابدن عناء السفر لزرع البسمة على أبنائهن


أكثر من 15 طفل معاق، التقوا في ولاية بشار لتنشيط تظاهرة قافلة "للمعاق الحق في للسياحة"، فئة وجدت فيها قوة التحدي وروح العزيمة لقطع مسافة ألف كيلومتر من الجزائر العاصمة إلى أقاصي الجنوب، فكان أغلب المرافقين للأطفال، أمهات، تحملن مشقة السفر بفرح ليس له نظير، ابتساماتهن كانت تعانق حرارة رمال الصحراء في لحظات كان أبناؤهن يلونون الأجواء بضحكات السرور والفرح، شاكرين الله على الفرصة التي لم تمنح لهم سابقا.


نساء يصعب وصف عزيمتهن الفذة، صبرهن النادر، تجدها تحمل ابنها المعاق على أكتافها التي صلبت وتقوت يوما بعد يوم  من كثرة الحمل ونقل طفل يعجز عن الحركة من لحظة ولادته إلى غاية اللحظة التي تعرفنا عليهم.

هن ملائكة سخرهن الله لأطفال شاء القدر أن يكونوا من فئة تحتاج إلى رعاية مضاعفة وقوة أكبر، لتحمل مشاق الحياة التي لا ترحم أحدا ولا تفرق بين فئة وأخرى.

تشعرك رحلة "للمعاق الحق في للسياحة" التي كانت من تنظيم مجلة "العزيمة" السلطات المحلية لولاية بشار والمخصصة للمعاقين ذوي الشلل الدماغي، أن حنان الأم يتضاعف ألاف المرات في وضعهن الذي لا يحسدن عليه.

فهن السند الوحيد في حياة أبنائهن، يواجهن الحياة وبكل حب، ويدافعن عن راحة أبنائهن بشراسة أمام  معاناة لا تنتهي، هذه الصورة خلقت فينا رغبة وفضول لمعرفة تفاصيل يومياتهن مع أطفالهن، لدا قررت جريدة "صوت الأحرار" التي رافقت هذه الفئة في جولتها بولاية بشار مترصدة تارة ومحدثة تارة أخرى معاناة هؤلاء الأمهات.

قد لا يختلف اثنان أن حياة الأم تتوقف في كثير من الأحياء من أجل إعادة بعث الحياة في جسد ابنها المريض، فتجدها تعتني به أشد عناية وتحن عليه كل الحنان، وتكون رهن طاعته وحاجته في كل الأوقات، هي حالة الأمهات جميعهن تجاه مرض أبنائهن بـ "الشلل الدماغي".

ظروفي القاهرة حرمت ابنتي من اعادة التأهيل

تقول أم الطفل منار أن حياتها كلها تغيرت حين رزقت بابنتها "منار"، حيث أصبحت تولي لها عناية خاصة، وأكدت أن يومياتها تغير برنامجها ليكون في فائدة " منار".

قالت أم منار أنها تستيقظ يوميا على الساعة الخامسة ونصف صباحا لتحضير ابنتها استعدادا للخروج، من غسل الأسنان الوجه، ارتداء الملابس، فكونها لا يمكنها تحضير نفسها بنفسها تسعى إلى توفير كل ما تحتاجه حتى قبل التفكير فيه.

بعد تحضيرات أم منار ابنتها إلى مدرسة " مركز الشلل الدماغي الحركي" الخاصة بهذه الفئة ببرج الكيفان لتتركها هناك على الساعة الثامنة ونصف، لتتوجه بعد ذلك إلى عملها، أفادت في ذات السياق أنها تعاني من مشكل استرجاع ابنتها في المساء، كونها تعمل  وملتزمة بدوام يومي، فذلك يولد لديها ضغطا يوميا، لأن دوامها ينتهي على الساعة الخامسة والمركز يغلق أبوابه على الساعة الرابعة مساء.

قالت السيدة "نسيمة" إن ظروفها القاهرة دفعتها في الأخير إلى التخلي عن كثير من النشاطات التي كانت تقوم بها لابنتها "منار" أهمها النشاطات المتعلقة  ب "أعادة التأهيل"، وأرجعت السبب إلى كثرة التنقلات والمجهود الكبير، وهو مجهود يزيد أضعافا في بلادنا، فلا الطريق ترعى حق المعاق في التنقل، ولا ثقافة الناس تساعد، حتى المراكز التي تعنى بهذه الفئة شبه منعدمة. تابعت كلامها بأنفاس منقطعة وهي تسرد مشاكلها اليوم، لتختم بالقول: بعد كل هذا قررت توقيفها من عدة نشاطات كانت تقوم بها، ليس بسبب التعب إنما بسبب أنها لا تحقق تطورا كبيرا رغم كل هذه المجهودات، لكن أبقيت على  دروس للسباحة ببومرداس، بالإضافة إلى "دروس النطق" التي حققت فيها تحسنا ملحوظا، حيث أصبحت ابنتي توصل المعلومة أكثر وتعبر عن احتياجاتها في أغلب الأحيان.

أو ما يمكن وصفه بحق وضرورة  من أجل المقاومة وتحقيق القليل في هذه الحياة، ألا وهو الحق في التعليم، في هذه النقطة بالذات تقاطع الدموع كلام السيدة نسيمة قائلة: حين تراودني هذه الفكرة أشعر بكل أوجاع الدنيا اختزلت في داخلي " ما يحس بالجمرة غير لي كواته"  أخاف على نفسية ابنتي حين تجد نفسها في البيت ومنعت من الدخول إلى المدرسة  ليس لأنها فشلت أو لم تحقق نتائج أنما لأنها بلغت سن 18، كيف ستكون نفسيتها و إلى ماذا تؤول أوضاعها الصحية. وأردفت قائلة: في حياة الشباب العادي، سن 18 سنة هو السن الذي يتحرر فيه ويبدأ في وضع أعمدة الأساس لمستقبله، أما بالنسبة للطفل المعاق،  فهو السن الذي يعود للدخول إلى البيت يمكث فيه كل الدهر، ولا يخرج إلا إذا كان محظوظا واهتمت عائلته بحالته النفسية، فالقانون يمنع الطفل المعاق في سن 18 من مواصلة الدراسة.

 كانت رحلة "للمعاق الحق في السياحة" ببشار فرصة للأمهات في التنفيس عن مشاكلهن اليومية والتعريف بالانشغالات واحتياجات هذه الفئة التي تعاني كثيرا في صمت قاتل، والدة شعيب، أم لطفلين معاقين، قصتها تختلف كل الاختلاف عن قصة أم منار، تجمعهما فقط تفاصيل مرض " الشلل الدماغي" حيث أصبحتا صديقتين بفضله.

المشكل لا يكمن في الإعاقة إنما في المحيط الذي نعيش فيه

 حقيقة الحديث الذي جمعني بأم شعيب كان وقعه أقوى على قلبي، في قصة أم شعيب اجتمع المرض، سوء الأوضاع الاجتماعية، والوضع المادي الصعب، تقول أم شعيب في بداية حديثنا معها بالقول" ليس سهلا، فكل الناس سيؤولون هذا السؤال، حين تكون أم لطفل معاق فهذا صعب، وما بالك بأم لمعاقين"، أما بالنسبة عن القدرة في التعامل مع هذا الوقع فأرجعته أم شعيب إلى القدرة الإلهية التي أودعها الله في داخل كل أم لطفل معاق، رغم أننا في البداية كانت الصدمة قوية ـ تقول ـ لكن بعدها تقبلت الأمر، فالله كما ابتلاك يمنحك القوة والقدرة على تحمل هذه الصعاب، في حالة أولادي، حقيقة أمر جد صعب مقارنة بالأمراض الأخرى، في سياق حديثها كانت تكرر جملة " إن شاء الله ربي يخليلنا عقلنا" لمواصلة التحدي، قالت إن المشكل لا يكمن في حجم وطبيعة التعب الذي أتحمله يوميا، ولا في أن أبنائي يعانون من إعاقة، فالفرض تقبلناه وأصبح جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لأنه من عند الله ونحمد الله على كل شئ وعلى كل حال،  المشكل الذي ينثر الملح على الجرح بكل قسوة ولا رحمة، هو المحيط الذي نعيش فيه، فعلى جل الأصعدة نعاني، بداية من مشكل قلة المراكز ومشكل الألفاظ التي اسمعها في الطريق حين أرافق أبنائي في جولة بالشارع، بالإضافة إلى الحالة النفسية التي تعيشها ابنتي بسبب فصلها عن الدراسة، فبعدما تحصلت على شهادة التعليم المتوسط، كانت مكافأتها المكوث في البيت، وفي لحظة فقدت فيها أم شعيب السيطرة على مشاعر الحزن واليأس هدت بالدموع قائلة: " أعلم أن ابنتي لن تشفى لكن أريدها أن تعيش في حالة نفسية مستوية وجيدة"، زاد هذا المشكل حالتها تأزما، فكثيرا ما تسألني قائلة: " لماذا لست مثل كل الأطفال، لا أدرس، لأخرج وحدي ..."

تقول السيدة منصوري أنها قضت أشهرا وأعواما وهي تبحث عن مراكز تهتم بهذه الفئة ـ معاقي الشلل الدماغي ـ لكنها اكتشفت أن كل المراكز المتواجدة على مستوى العاصمة هي مراكز مخصصة للإعاقة العقلية.

فرغم محاولاتها الجاهدة في إيجاد مركز يهتم بتعليم أطفال الشلل الدماغي لكن محاولاتها كللت بالفشل، ما اضطرها إلى التوقف عن العمل من أجل الاهتمام بهما طوال اليوم.

أمام هذا الواقع الصعب، فتربية ورعاية طفلين من ذوي الشلل الدماغي ورعاية زوج مصاب بمرض القلب بالإضافة تشجيع ابنها الكبير من أجل الاهتمام بدراسته الجامعية، تجد أم شعيب نفسها منقسمة أطرفا مبعثرة تحاول استجماعها من أجل تقديم الحياة لعائلتها التي تعيش في مستودع للسلع بالحراش، حيث لم تشفع لها حالة ابناها المعاقين في امتلاك سقف يأويها هي وأبنائها.

وصفت السيدة منصوري  الأمر بالصعب قائلة " الله يثبت لعقل" فالأمر ليس بالسهل،  هذا المشكل زاد من جرعتي همومي، فقضاء يوم كامل في مستودع مع طفلين معاقين، يدفعهم ويدعني إلى الإصابة بأمراض نفسية، أعيش حجيم لا ينتهي، فأنا اسكن في مستودع، قدم لي من طرف عائلة زوجي، منح لنا لفترة معينة، كنت اعتقد أن السلطات ستسرع عمليات تسليم بيوت الدعم الاجتماعي كوني أم لطفلين معاقين، لكن وجدت نفسي أمام بيروقراطية لا تنتهي، راسلت كل السلطات، مؤخرا راسلت حتى والى ولاية العاصمة عبد القادر زوخ لكن طالبي قبل بالرد السلبي.

كل هذه المشاكل ساهمت ودفعت بنتي المصابة بمرض السرطان إلى عيش نوبات غضب يومية متكررة بسبب هذا الوضع، ففي كثير من الأحيان كانت تطردنا من المستودع وهي تردد جملة"  أخرجوا واتركوني وحدي، وأريد غرفة خاصة بي".

وغالبا ما كانت تطرد ابني الجامعي من المستودع ، ما جعله يضطر إلى مراجعة دروسه في السيارة.

أعيش هذا الوضع من  2008، طالبت السكن عديد المرات وعلى جل المستويات لكن  إلى حد الساعة لا رد، وأصبحت مهددة بالطرد من ذلك المستودع.

أمام هذه المشاكل التي ليس لها حل ـ تقول السيدة منصوري ـ "وفي سياق الحديث عن مشاكلنا كثيرا ما يقترح علينا زوجي فكرة " الحرقة"  قائلا: نحمل أولادنا ونتركها للقدر إذا موتنا سيكون خيرا لنا من هذه الحياة وإذا كان من نصيبنا النجاة سنكون من الفائزين ببداية جديدة في بلد يحترم الإنسان.

زوجي يتهرب من الاعتناء بابنه المعاق

نفس المشاكل، ذات الهموم تتقاسمها أمهات الأطفال المصابين بمرض الشلل الدماغي، الأم س.ع على غرار المشاكل الصعوبات الأمهات السابقة، تحدثت عن أنانية زوجها في التعامل مع إعاقة ابنه الذي بلع سن 14 سنة، تقول السيدة س.ع أن كل المسؤولية ملقية على عاتقها، هى من تقوم بتعليمه، أخذه إلى المدرسة، مساعدته في قضاء حوائجه، حتى إخراجه إلى التنزه رغم كل ما تسمعه من تعليقات محبطة، في هذا الصدد أردفت قائلة: أعمل كل ما بوسعي من أجل إسعاده في هذه الأيام التي أتمتع بها بصحة جيدة، الآن استطيع رفعه، أحركه من مكانه،  أغير ملابسه، لكن بعد أعوام قليلة سوف تخونني صحتي، وهذا كل ما أخافه في هذه الحياة  يمكن القول أنه أكبر همي، في أغلب الاجتماعات العائلية " اللمات" التي تجمعني بأبنائي أوصيهم على أخيهم المعاق بأن يكونوا له السند في هذه الحياة بعدي. فأنا أعلم أن زوجي يحب ابنه لكني ـ صراحة ـ أشك في انه سيتحمل مشاقة الاعتناء به يوميا، حين أذهب إلى بيت أهلي يوم على الأكثر يتصل بي ألف مرة من أجل العودة في منتصف النهار لأنه لا يستطيع تحمل صعوبة الاعتناء بابنه.        

الوصاية..إهمال وتقصير

كل المشاكل المعاناة التي تعيشها أمهات الأطفال وحتى المقربين من أطفال ذوي الشلل الدماغي لخصها سراج جمال، رئيس جمعية "البسمة" للذوي الشلل الدماغي، جاءت فكرة التأسيس لجمعية لهذه الفئة بعدما معاناة كبيرة التي يعيشها كون أن ابنه ـ يوبا 18 سنة – الدي يعتبر الأب الروحي لهده الفئة ، يقول سراج أنه حارب كثيرا من أجل تقديم القليل لهذه الفئة التي تعيش التهميش من طرف السلطات المعنية على رأسها وزارة التضامن التي تواصل تهميشها لهذه الفئة بشكل خاص وكل الفئات بصفة عامة، فرغم كل الطلبات يبقى الطفل المعاق هو الصحية الأولى، بالإضافة إلى مشكل التعليم الذي على وزارة التعليم التدخل لإيجاد حل مشكل توقيف أطفال عن التعليم في سن 18 بالخصوص مع الانعدام التام للمراكز التي تتكفل بهم في الوطن، المركز الوحيد المتواجد هو مركز الذي قدم منه أطفال رحلة" للمعاق الحق في السياحة" كما تلاحظين نحن نعاني مشاكل جمة ومتعدد لا يمكن إحصائها.

مركز برج الكيفان أعيد فتحه في سنة 2017 بعدما أغلقت أبوابه في سنة 2010 بين سنة 2010 و2017  أطفال الشلل الدماغي تكبدوا مضاعفات وتقهقر في صحتهم فبعد التحسن الذي كانوا قد حققته قبل سنة 2010 في المركز ضاع في وقت قليل فلا يخفى عليك أن تعلم أطفال الشلل الدماغي تعلمهم ثقيل وصعب لكنهم يخسرون كل ما تعلموه سنوات وأعوام طوال، يفقدوا كل ما تعلموه في شهر أو شهرين على الأكثر، في حالة ما أذا تم القطيعة مع  الدروس التي يتلقونها في المركز.

انتهت قافلة "للمعاق الحق في السياحة "  بمأساة وفاة  الطفل "يوبا"، حيث كان الخبر بمثابة فاجعة حقيقة على وقع كل المشاركين في الرحلة، وأدخلني الخبر في دوامة عير منتهية لترصد كل تفاصيل الرحلة الصعبة التي انتهت بوفاة والتي سوف تنشر حيثياتها في الريبورتاج المقبل.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة