جزء من ذاكرتنا يذهب إلى القبر كلما غادرنا مجاهد
مدير المتحف الوطني للمجاهد، مصطفى بيطام صورة: ارشيف
02 نوفمبر 2018 حاورته: إيمان سايح
حاورته: إيمان سايح
5155

مدير المتحف الوطني للمجاهد، مصطفى بيطام لـ"صوت الأحرار"

جزء من ذاكرتنا يذهب إلى القبر كلما غادرنا مجاهد

يرى الدكتور مصطفى بيطام، مدير المتحف الوطني للمجاهد، أن التعجيل في جمع شهادات المجاهدين وتوثيقها أصبح أكثر من ضرورة في الوقت الراهن، بالنظر إلى الوضع الصحي المتدهور، الذي يعيشه أغلب من عايشوا تلك الحقبة الزمنية، ودعا في هذا الحوار الذي خص به "صوت الأحرار"، كافة شرائح المجتمع والمؤسسات الوطنية إلى التجند لكتابة التاريخ، حين قال إن "جزءا من ذاكرتنا يذهب إلى القبر مع وفاة أحد المجاهدين"، وبلغة الأرقام تحدث بيطام عن 5 آلاف شهادة حية تم تسجيلها على مستوى المتحف خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، داعيا جيل الاستقلال إلى البحث في الذاكرة الوطنية والحرص على زيارة الأماكن التاريخية، متوقعا أن يصل عدد زوار المتحف الوطني للمجاهد مع نهاية السنة الجارية، إلى 600 ألف زائر.


ونحن نحيي الذكرى 64 لاندلاع الثورة التحريرية، كيف تقيمون عملية تأريخ أعظم ملحمة بطولية، بعد مرور أزيد من ستة عقود عليها؟  

الذكرى 64 لاندلاع الثورة مناسبة عظيمة وتبقى لحد الآن الملحمة الوحيدة التي خلدها الشعب الجزائري، لتكون مفخرة لأبناء هذا الوطن، الذين شاركوا بكل شرائحهم من لاشيء، وحققوا ما يعتبره آخرون معجزة يصعب القيام بها، لابد من الوقوف أمام بطولات الشعب الجزائري الذي استطاع أن يقف بكل بسالة مجندا كل شرائحه، أمام أقوى استعمار من أجل استرجاع السيادة الوصية، وبحديثنا عن عملية التأريخ يجب أن نشير في هذا المقام إلى أن حوالي 30 مليون مواطن من أصل 41 مليون تحصيه بلادنا، يعتبرون من جيل الاستقلال، مما يجعلنا في حاجة إلى الوقوف على مدى وعي الأجيال بهذا التاريخ، وهل بلغتهم رسالة أول نوفمبر أم لا؟

جيل الاستقلال مطالب بالقيام بثورة جديدة للحفاظ على الذاكرة الوطنية

الآن الكل مطالبون بالمشاركة في عملية كتابة التاريخ بدءا من أبسط المواطنين ووصولا لأهم المؤسسات الوطنية، فكما قام المجاهدون بالثورة بدون إمكانيات للحفاظ على هذا الوطن الحبيب، يتوجب على جيل الاستقلال إحداث ثورة جديدة للحفاظ على ذاكرته وتأريخ ماضيه الثوري، وحتى لو كانت لدينا أعذار في السبعينات والثمانينات لنقص الوسائل آنذاك، اليوم لا عذر لنا لا بد من الدفاع عن تاريخنا الذي لم نخلد سوى 10 بالمائة منه، مقارنة بالتضحيات الجسام التي قدمها الشهداء، الذين ندين لهم بالكثير، مما يجعل من تخليد ذكراهم وكتابة بطولاتهم أمرا هينا.

باشرتم منذ سنوات في تنظيم لقاءات جماعية لتسجيل شهادات المجاهدين، بعد أن كانت العملية تتم بشكل فردي، إلى أين وصلت العملية وما هو عدد الشهادات التي تم تسجيلها لحد اليوم؟

نحن بحاجة إلى حماية ذاكرتنا، فهذا الزخم التاريخي لابد من تبليغه للغير بكل اللغات، قبل أن تغيب الدلائل التاريخية، جزء من الذاكرة يذهب إلى القبر كلما يغادرنا مجاهد، ولهذا انتقلنا إلى تسجيل الشهادات الجماعية، وهي العملية التي انطلقت بقوة في سنة 2000 وهي تزداد، فهناك إقبال مستمر للمجاهدين الراغبين في الإدلاء بشهاداتهم، ولقد اهتدينا إلى طريقة جديدة للتعجيل في تسجيل الشهادات فبعد أن كانت العملية تتم سابقا بين الصحفي أو المحقق والمجاهد في أستوديو المتحف وهي عملية تتم يوميا في أستوديو المتحف، لكن نحن الآن في سباق مع الزمن فقررنا تنظيم لقاءات كل أسبوع نستضيف خلالها ما بين 15 و20 مجاهد للتطرق إلى موضوع معين، أحيانا نخصص النقاش بين عسكريين مختصين في الجانب الحربي للحديث عن المعارك والاشتباكات، ومرات مع مختصين في التموين أو آخرين كانوا عرضة للتعذيب في السجون لاستعراض المعاناة والويلات التي كانت تسلط عليهم، وآخرون في الجانب الدبلوماسي يعني في مختلف جوانب الثورة، ونفتح المجال أمام المجاهدين لرواية ما عايشه، وبالتالي يمكننا القول إننا انتقلنا من جمع الشهادات الفردية إلى تسجيل الشهادات الجماعية.

على جميع شرائح المجتمع المشاركة في "تيليطون وطني" لجمع الشهادات

وبالنسبة لعدد الشهادات التي تم تسجيلها لحد الساعة، فلقد أحصى المتحف الوطني للمجاهد 5 آلاف شهادة بحجم ساعي قدره 2000 ساعة، منذ انطلاق العملية، ومن هذا المنبر أدعو جميع المعنيين إلى التجند لكتابة التاريخ وجمع مآثر ثورتنا المجيدة، ولما لا تنظيم ـ"تيليطون"-إن صح التعبير- لجمع الشهادات.

هل يمكننا القول إذن أن زمن الشهادات الفردية انتهى، وكيف تشرحون عملية توثيق الشهادات؟

بالنسبة لعملية التوثيق، نحن نأخذ المعلومات الشخصية الخاصة بكل مجاهد ( اسمه ولقبه الثوري تاريخ التحاقه بالثورة شأن ذلك شأن الكتاب الذي يجب أن يبرز دار النشر ودار الطباعة لتوثيق المعلومات)، كل هذه المعلومات لا بد أن تكون لصيقة بالشهادة حتى يتمكن كل باحث من أخذ المعلومات من مصادرها وهي الشهادة الحية المسجلة لأحد المجاهدين، كما أن الشهادات الجماعية التي نقوم بتسجيلها تتواصل لنصف يوم سواء في الصباح أو المساء، ونسميها "شهادة جماعية"، نقوم بتوثيقها ووضعها في أشرطة ثم نقوم بترقيمها وبرمجتها وتصبح مرجعا بالنسبة للباحثين، ويتكلف مختصون من باحثين وصحفيين بإدارة هذه اللقاءات، ونحن لا نفرض منهجية صارمة على المجاهدين فنحن نأخذ بأيديهم في بعض الأحيان ونستدرجهم بأسلوب يسهل عليهم العملية حتى ولو جاءت معلوماتهم غير ممنهجة وغير مرتبة لأن المجاهدين يختلفون من حيث المستوى وظروفهم الصحية وتبقى عملية الفرز والتصنيف متروكة للباحثين.

الوضع الصحي لمجاهدينا في تدهور مستمر، مما يصعب عملية استدعائهم لمقر المتحف لتوثيق شهاداتهم، ما هي الحلول التي تضعونها لتسهيل عملية جمع شهادات المجاهدين؟

في حال ما كانت هناك عوائق تحول دون استقدام كل المجاهدين إلى المتحف، فواجب علينا كوزارة وكمؤسسة تعمل تحت الوصاية أن ننتقل إليهم أو نوفر لهم الوسائل للقدوم إلى الأستوديو، وهذا أنا أعتبره شخصيا واجبا علينا ولا شكر على واجب، فيجب التعامل مع المجاهدين بكل لطف واحترام كامل بصفتهم رموزا للوطن ويجب أن تكون الدولة بصفة عامة ووزارة المجاهدين والمؤسسات تحت الوصاية في خدمتهم، ولهذا أتوجه عشية اختتام الاحتفال بالذكرى الـ64 لاندلاع الثورة التحريرية بالدعوة إلى ضرورة التعجيل في نقل شهادات المجاهدين وتكاثف الجهود لإنجاح العملية، وهنا أقول أنه إذا كان الشعب الجزائري بكل أطيافه قد ساهم في صنع ملحمة القرن ال19 فعليه المساهمة في تخليد مآثرها، لأن البعض يرى بأن هذه المسؤولية متروكة لوزارة المجاهدين والمنظمة الوطنية للمجاهدين، وهذا خطأ، صحيح أن المسؤولية الأولى للوزارة الوصية والمؤسسات تحت الوصاية تكمن في العمل على تخليد مآثر الثورة التحريرية، لا يمكن لنا أن ننكر واجب القطاعات والمؤسسات الأخرى، فمن العار أن تبقى زيارة المعالم والأماكن الرمزية متوقفة على بقية من المجاهدين فقط، وعلى الشعب الذي ساهم في تفجير الثورة أن يساهم في عملية تخليد وحماية مآثرها، بأن يكون متواجدا في كل المناسبات والأعياد، وعلينا نحن الأولياء أن نعوّد أبناءنا على شد الرحال نحو هذه الأماكن والوقوف عند مراكز التعذيب ومقابر الشهداء والسجون والمعتقلات وعليهم أن يستمعوا بوعي إلى أولئك الذين لا يزالون على قيد الحياة، أما أن تبقى المسؤولية محصورة فقط على وزارة المجاهدين فهذا خطأ، خلاصة القول عمل الوزارة بمعية منظمة المجاهدين والمؤسسات يتلخص في العمل على حماية وتخليد مآثر الثورة والمقاومة الوطنية وإثراء الذاكرة الوطنية وتبليغ الرسالة للأجيال، والتاريخ سيسجل أن ثمة ثلة قليلة أداروا ظهورهم للثورة ولم يكن لديهم إيمان بانتصارها وعندما استرجعت الجزائر سيادتها بدؤوا يعضون أناملهم وكان من الأجدر بهم أن ينصهروا في بوتقة الثورة فعليهم الالتحاق بالقافلة التي انطلقت منذ سنوات من أجل حماية وتخليد الثورة.

أكدتم ضرورة تجند الجميع للتوثيق والتأريخ للثورة التحريرية، ما هو تقييمكم للدور الذي تؤديه الصحافة والأحزاب السياسية في نقل رسالة التاريخ؟

لا بد من مساهمة الجميع في كتابة التاريخ من الصحافة، الأحزاب والمجتمع المدني الممثل في حوالي 70 ألف جمعية، كل هذه الهيئات لا بد أن تساهم وتتحول إلى منابر، كلما ابتعدنا عن تاريخ أول نوفمبر كلما زادت محاولات تكريهنا في تاريخ الثورة، ما يعني أن هناك من يسعي إلى تدمير ذاكرة الشعب، ويجب ألا ننسى ما قاله ديغول حين توعد بأن فرنسا ستعود يوما إلى الجزائر، ولهذا لا بد من تلقيح الأجيال بالتاريخ، وأوضّح هنا أنه إذا كان الجميع يلقحون بالمصل للحفاظ على صحتهم فلا بد من تلقيح الشباب الجزائري بالتاريخ للحفاظ على بلاده، أقول إن هناك تيار يسعى إلى تدمير الذاكرة الوطنية من الداخل والخارج، ولهذا لا بد أن نكون يقظين فهم يحاولون البحث عن أي منافذ يدخلون منها لتدمير الجزائر، وبالتالي لا بد من الحفاظ على تاريخنا لتحصين أنفسنا، ففرنسا لا تستطيع أن تهضم هزيمتها لحد الآن، وبالنسبة لدور الصحافة، لقد استبشرنا خيرا بالنظر للنهضة والصحوة التي حدثت في مجال الإعلام لكن لا بد من وضع عامل الزمن في الحسبان فنحن في سباق معه ويجب أن نعجّل في جمع الشهادات لأننا نملك الإمكانيات البشرية والمادية والوسائل، وعلى وسائل الإعلام أن تقوم بعملية التحسيس، وتنظيم حملات وطنية أو ما يعرف بـ"التيليطون" لجمع الشهادات والوثائق، وأدعو الأسر التي تملك أشياء مادية من أسلحة ووثائق تعود لفترة الثورة إلى تقديمها وإيداعها لدى المتاحف المخولة بحفظ هذا التراث، أو على الأقل المحافظة عليها في حال فضلت الاحتفاظ بها للذكرى.

نتوقع بلوغ مليون زائر سنويا للمتحف

ما هو عدد زوار الذين توافدوا على المتحف خلال السنة الجارية؟

بالنسبة لعدد زوار المتحف، لا بد أن نشير إلى أن المتحف الوطني للمجاهد يعد المتحف الوحيد في العالم العربي الذي يفتح أبوابه يوميا ومنذ أكثر من 20 سنة مضت، كما أنه ومنذ ماي 2014 وتطبيقا لتعليمة معالي وزير المجاهدين السيد الطيب زيتوني، تم تمديد فترة فتح المتحف إلى العاشرة ليلا، حيث تم تجنيد فرقتين للتناوب على أبواب المتحف المفتوحة من الثامنة إلى الرابعة مساء وأخرى من الرابعة إلى العاشرة ليلا، ونحن نراهن على بلوغ 600 ألف زائر للمتحف بحلول نهاية السنة الجارية، لكن يجب أن أشير هنا إلى أن كل الزوار يدفعون رسوما رمزية مقابل زيارتهم للمتحف، لكن لو كان الدخول مجانيا يمكننا أن نتوقع أن يرتفع عدد الزوار إلى مليون زائر سنويا، وهذا ما نصبوا إليه.

متعلقات:

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة