انتصار الوزير تروي تفاصيل اغتيال الشهيد أبو جهاد بتونس
28 أفريل 2018 حاورها: عزيز طواهر
حاورها: عزيز طواهر
19062

أرملة القائد الفلسطيني في حوار حصري لـ "صوت الأحرار"

انتصار الوزير تروي تفاصيل اغتيال الشهيد أبو جهاد بتونس

لاتزال ليلة السادس عشر من شهر أفريل 1988 التي عاشتها السيدة انتصار الوزير، أرملة الشهيد خليل الوزير المكنى بأبو جهاد، حية في ذاكرة هذه المرأة المناضلة والمكافحة في سبيل نصرة قضية شعبها، انتصار كانت الشاهد العيان الوحيد على تلك الفاجعة التي مرت عليها ثلاثون سنة، تقف اليوم بكل جرأة لتروي في حوار حصري وشيق ليومية "صوت الأحرار" تفاصيل اغتيال الشهيد خليل الوزير مهندس الانتفاضة الفلسطينية، القائد الأسطورة الذي أرعب الإسرائيليين، ليلة لم تكن كغيرها من الليالي، أقل ما توصف به أنها كانت ليلة خوف ورعب، بعبرات الألم والأمل، استرجعت انتصار شريط الذكريات لتبقى تلك الواقعة شاهدا حقيقيا على دناءة الكيان الصهيوني، الذي يسعى دوما إلى تدنيس الأرض المقدسة بأقدام همجية، هي شهادة تروي أيضا قصة شعب، يأبى إلا أن يبقى متمسكا بأرضه والدفاع عنها حتى استرجاع حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.


الصحفي: سيدتي الفاضلة، نعلم جيدا أنه من الصعب عليك أن تستعيدي شريط الذكريات وتعيشي من جديد تلك اللحظات المؤلمة، كانت لحظات صعبة من دون شك، فهل لك أن تشركينا معك لننقل مرة أخرى حقيقة الكيان الصهيوني.

انتصار الوزير:  أنظر.. هذه الليلة وهذه الذكرى لم تغب عني أبدا ولا للحظة، هي بالتأكيد ليلة رعب وفزع وحزن، هي ليلة شعور بالاغتراب وبالغربة، شوف عندما تصرخ وتنادي يا شرطة ويا جيران، يا عالم انقذونا وتشعر بأنك لوحدك ولا أحد يستجيب لك.. أكثر من ربع ساعة وأنا على الشرفة أشاهدهم وهم يمشون بعد اغتيال الشهيد خليل...

الصحفي: نريد مزيدا من التفاصيل سيدتي الفاضلة إذا سمحت، نعلم أن الأمر ليس بالهين ولكن نحن بحاجة إلى معرفة ما حدث في تلك الليلة...

انتصار الوزير: تريدني أن أبدأ من الأول...

الصحفي: نعم..

أبو جهاد تنبأ بالعملية وكان يستعد لمغادرة بيته بتونس

انتصار الوزير: قبل يومين انقطعت الكهرباء بتونس، كانت أول مرة في تاريخ وجودنا بتونس، أبو جهاد كان في الأسفل في الصالون وأنا كنت نائمة في غرفتي في الطابق الأول، وعندما استيقظت وجدت الكهرباء مقطوعة ولم أتمكن من النزول إليه بسبب العتمة، فناديت عليه، أبو جهاد أبو جهاد، فصعد إلى الطابق العلوي، قلت له، هل عندك شخص، قال نعم، فقلت له احذر، لم يرد علي وعاد أدراجه إلى ضيفه، وبعدها بقليل جاء معه أحد الشباب أحضر لنا شموعا، لبست ثيابي ونزلت لألتحق بأبو جهاد وكان الضيف جالسا، مباشرة بعد مغادرة هذا الأخير زارنا ضيف آخر، جبريل الجوف، كان قادما من الأرض المحتلة وسهرنا معه حتى الساعة الرابعة صباحا، بعدها غادر وبقيت أنا وأبو جهاد جالسين بوسط الدرج، حينها أوقفني خليل وقال لي، لماذا ناديت علي، فقلت له لا أعرف، خشيت عليك، فقال لي، هل تعلمين، أخشى أن يكون ما حدث بمثابة اختبار، فقلت له، يا حبيبي لا تبقى هنا ولا الليلة، لا تنم هنا، اتصل بأحد من الشباب لنقلك إلى مكان أخر، فرد علي، لا تخافي سأسافر غدا.

في اليوم الموالي، قضينا طيلة اليوم منشغلين مع مناضلين، تحضيرا لمؤسسة مجلس الأمناء التي تضم مجموعة من الإخوة العرب الذين يثق فيهم، من الجزائر من السعودية والأردن وغيرها من الدول وعقد معهم اجتماعا من الساعة الخامسة مساء إلى غاية الثامنة مساء وبعدها ذهب لملاقاة الأخ أبو اللطف فاروق القدومي الذي كان يشغل منصب رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير، عاد إلى المنزل على الساعة الحادية عشر إلا ربع، تحدثنا سويا على عديد القضايا، كان يطلب مني أن أهاتف العديد من الأشخاص في إطار نضالنا، فجأة تلقى أبو جهاد مكالمة هاتفية تؤكد له أن الإسرائيليين قد اعتقلوا فايز أبو رحمة، مناضل فلسطيني وابن عمتنا، ولكن المسألة ليست قضية قرابة لأن أبو جهاد استغرب من عملية اعتقال ناشط سياسي من أجل السلام ولديه علاقات دولية مع الجميع، فطلب مني الاتصال بمحطة روما في إيطاليا للاستفسار عن الوضع وحتى يتصلوا بغزة للسؤال عن فايز وطلبت محطة باريس وبقينا على هذا الحال حتى الساعة الثانية عشر ونصف ليلا.

ابنتي حنان التي لم تكمل حينها السادسة عشر، كانت مع والدها، قبلته وراحت لتخلد إلى النوم ولكن الغريب في الأمر أنها عادت مرة أخرى لتقبيله، فعلت ذلك ثلاث مرات، أما أنا فتعبت وقلت لأبو جهاد، حبيبي معذرة أريد أن أنام تعبت، فقال لي، أنا مشغول ولن أنام وسأقوم بكتابة رسالة للقيادة الموحدة للانتفاضة، فقلت له "ربي يعطيك العافية وتصبح على خير" ونمت في فراشي.

لحظة الصفر كانت موجعة... صرخت بأعلى صوتي.. بس.. بس

لم تمر ربع ساعة، تقول انتصار، إلا وحدث ما حدث، كان أبو جهاد يجلس على مكتبه في قلب الغرفة، فسمعت صوت دفع الطاولة، حينها قام من ورائها وأخذ مسدسه من فوق الخزانة ولما انزاحت الطاولة ووقف، استيقظت على صوت الحركة التي أثارتها الأٌقدام الهمجية بعد أن تمكنت من اقتحام المنزل وكسر قفل الباب، لقد أحدثوا صراخا، كانت حقيقة حالة رعب.. وسط هذا الصراخ وقفنا أنا والشهيد خليل على باب غرفة النوم وكان يقابلنا أربعة أشخاص ملثمين، فأطلق عليهم أبو جهاد النار فتراجعوا إلى الخلف، أما عني أنا فقد أبعدني إلى الزاوية الموازية من الغرفة وفي نفس الوقت عاد واحد منهم وأطلق عليه النار، حيث أصابه في يده وصدره وقلبه ووقع مسدسه من يده وانكسر.

أمام هول الموقف، ركضت لأمسك به حتى لا يقع على الأرض، فإذا بي أحس رشاشا يوخزني في ظهري، نفس الشخص طلب مني أن أقف واتجه صوب الجدران وأن لا أدير وجهي، فوجدت نفسي قبالة الحائط أقرأ القرآن الكريم  والشهادة، قلت في قرارة نفسي لقد انتهيت ولم يخطر على بالي ساعتها إلا التوجه إلى الله، كنت أقرأ آيات من القرآن وكل ما كنت أحاول أن أدير وجهي، كان ذلك المجرم يؤشر لي كي أعيده إلى الجدران.

بعدها جاء الشخص الثاني وأطلق النار على أبو جهاد وهو ملقى على الأرض وابتعد، وجاء الثالث وأطلق عليه النار ورجع، وجاء الرابع وأطلق عليه النار ورجع، في هذه اللحظات لم أكن أدري هل كان هنالك من يلتقط صورا أو يصور  شريط فيديو، إن كانت هناك كاميرات أم ماذا، كنت أشعر بتواجد أشخاص يذهبون ويؤوبون، في تلك اللحظات دخل شخص إلى غرفة النوم ونضال نائم بجنبنا وسمعت إطلاق نار في قلب الغرفة.. لأول وهلة تهيأ لي أنهم قتلوا الطفل الرضيع ولكن لما بدأ نضال يصرخ وصوت النار يدوي شعرت أن الولد على قيد الحياة، حينها بدأت أنهار لأن الولد فزع ومرعوب، كنت أتساءل ماذا سيحدث له، هذا ما خطر في بالي عندها.

ولكن في نفس اللحظة تنقل الشخص نفسه إلى خارج الغرفة وأطلق النار على أبو جهاد للمرة الخامسة، حينها فقدت أعصابي وصرخت بأعلى صوتي "بس.. بس"، فطبعا في نفس اللحظة سمعت صوتا نسائيا من الأسفل ينادي عليهم باللغة الفرنسية "هيا بسرعة" فنزلوا يركضون..

ابنتي حنان استيقظت على صراخي ووجدت والدها مطروحا على الأرض

في هذه اللحظة استيقظت حنان على صوت صراخي، لأنهم استعملوا كاتم الصوت عند إطلاق النار، كان الممر وكل مكان في المنزل قد ضرب بالرصاص وتحول لونه إلى أسود. قدمت حنان ورأتهم في الممر وهي تقول لهم، ماذا هناك، فأمسكها أحد المجرمين من كتفها وقال لها "روحي عند أمك" يعني بطريقة عبرية، فجاءت البنت ورأت والدها ملقى على الأرض.. صرخت فأمسكت بها مباشرة وقلت لها ماما حبيبتي بابا شهيد وأنت كبيرة وتعرفي بابا مليح، فردت علي.. طيب ونضال كيف سيعرف والده.. فقلت لها عندك صديقتك دانا ابنة كمال علوان لم تعرف أبوها.. هذه المقارنة الوحيدة التي خطرت على بالي..

نضال كان في عمره سنتين وأنا في حدود 44 أو 45 سنة، تصور تلك اللحظة كم كانت صعبة، أمام كل ما حدث، نزلت إلى الأرض لأفحص أبو جهاد وأحكي معه لأرى إن كان هناك أمل بالرغم من أني ومن أول مرة أحسست أنه ضاع مني وأنه استشهد ولكنني حاولت.. حنان بدورها حاولت أن تجري مكالمة هاتفية للتبليغ عن الجريمة ولكن الهاتف كان مقطوعا بطبيعة الحال.. لا أمل من نجاة أبو جهاد، ففتحت باب الشرفة لأرى ماذا يوجد في الخارج.. والله أحصيتهم فردا فردا كانوا قرابة 24 أو 25 شخصا، كانوا يركضون من شقة إلى أخرى وتجمعوا تحت شرفتنا، أمام هذا الوضع بدأت أصرخ وأصرخ.. يا عالم.. يا بوليس.. يا شرطة.. يا جيران.. ألحقونا.. ألحقونا، ساعة زمن تمر ولا مجيب.. في نفس اللحظة كان الولد يبكي ويصرخ فأمسكت به وحضنته.. حينها ولما نزلت إلى وسط الدرج لأرى الباب مكسورا ومفتوحا على مصراعيه وكل الدار مرشوشة بالرصاص، حتى الأساسات لم تسلم، الكنبات، الخزانات، السرير، مكتب أبو جهاد.. كل شيء.

جلست على الدرج وبكيت وقلت وينكم يا أهلنا.. الشرطة لم تصل إلا بعد ساعة ونصف

بعدها مباشرة خرجت من المنزل، فوجدت الحارس ملقى على الأرض وهو ينازع بعدما تم إطلاق النار عليه، خطر على بالي أن أركب السيارة وألحق بهم ولكني فكرت في الأولاد كيف أتركهم وحدهم وهم مفزوعين، هل تدري ماذا كان يقول لي نضال بكلام الرضع الذين لا يحسنون الكلام "ماما أنا خايف.. قلت له حبيبي.. أنا خايفة كمان" ولكن لا تخف أنا معك ونحن مع بعض..كنت جالسة على الدرج وبكيت.. قلت.. وينكم يا أهلنا وينكم يا شعبنا ظليت كمان ساعة ولم يأت أحد.. بعدها جاء شخص وقال ماذا في الأمر، فقصصت عليه ما حدث، فأخذ السيارة وراح إلى المنظمة وبلغ الشرطة.. الشرطة جاءت بعد ساعة ونصف عن الجريمة وهي تقول "واش كاين واش كاين حادث accident " ..

تتوقف انتصار الوزير للحظة وتعلق بسخرية: حادث.. كل هذا ويتكلمون عن حادث.. قلت للشرطي، اذهب روح إلى حكومتك وقل لها ماذا حدث للقائد أبو جهاد. بعدها بدأ الشباب يتوافدون علينا وقال لي أحدهم إن أبو جهاد يتحرك فلننقله إلى المستشفى، قلت له هيا بنا، وصلنا إلى المستشفى وبعد نصف ساعة أكد لنا الطبيب استشهاد خليل الوزير.. في ثاني يوم قلت وينكم يا أهلنا.. كل فلسطين كانت في جنازة، سقط 28 شهيدا وأبو جهاد لم يذهب للجنة وحده بل أخذ كل هؤلاء الشهداء.

لم تكن أول مرة يحاولون فيها قتل أبو جهاد

أبو جهاد تعرض إلى عدة محاولات للقتل، كما أن محاولات الاغتيال استهدفت عديد القيادات الفلسطينية على غرار تامر كبير، أبو إياد، كذلك أبو الهول وأبو محمد، ثلاث قيادات قتلت في تونس، أما بالنسبة لأبو جهاد، كان هدفهم اغتيال مهندس الانتفاضة، ولكن الانتفاضة بعد أبو جهاد استمرت 7 سنوات وكانت انتفاضة في سنة 2000، كانت هناك انتفاضة النفق وانتفاضة القدس، نحن كفلسطينيين طورنا العملية الكفاحية من كفاح مسلح إلى نضال سياسي ودبلوماسي، وكان تأسيس الدولة الفلسطينية، القضية في اعتقادي حققت مكاسب كبيرة في وقت كنا فيه مشطوبين من المعادلة الدولية وهم يحاولون الآن شطبنا بعد ما وصلنا إلى مرحلة دولة مراقبة في منظمة الأمم المتحدة ونناضل لنكون دولة كاملة العضوية، يريدون القضاء علينا بأي شكل والأمريكان يستهدفوننا علنا من خلال محاولة تهويد القدس وقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقول هي أرض اسرائيل وليست أرضا محتلة.

ولكن وبالرغم من كل ما حدث، فإن السبعين رصاصة التي اخترقت جسد الشهيد أبو جهاد لم توقف الانتفاضة، صحيح أن المرحلة الراهنة صعبة، إلا أننا مصرون على عملية المصالحة لأن الخلاف أضر كثيرا بالقضية لاسيما بالوضع المأسوي الذي تعرفه غزة. ويجب أن نعلم أن منظمة التحرير مهددة بفقدان نصابها القانوني إذا توفي أي عضو من أعضائها، لذلك نسعى إلى عقد جلسة عادية للمجلس الوطني الفلسطيني هدفها هو انتخاب لجنة مركزية جديدة ومجلس مركزي جديد ويأتي جيل شاب أكثر من الجيل السابق.

في نهاية المطاف، تم الاعتراف بهذه الجريمة من طرف اسرائيل، حدث ذلك منذ سنة فقط، وقبل أيام اعترف علون الشخص الخامس الذي أطلق النار، هو نفس الشخص الذي لمحته ليلة الواقعة والذي تعرفت عليه عندما عرضوا علي الصور، بالرغم من أني كنت أدير وجهي نحو الجدران، لقد اكتفى بالقول، كنت أريد أن أتأكد من موته..

غير معقول كل هذا الحق.. تنهيدات وعبرات وابتسامة أمل ختمت بها السيدة انتصار هذا اللقاء الشيق.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة