غيرة على الدستور أم دعوة لإلغاء الدولة؟
صورة: أرشيف
17 مارس 2019 ق.مصطفى
ق.مصطفى
371

مسيرات رفض التمديد

غيرة على الدستور أم دعوة لإلغاء الدولة؟

ضخامة المسيرات الشعبية التي جابت شوارع مختلف مدن الجزائر وعلى رأسها العاصمة، للمطالبة بتغيير فوري ورفض ما أسموه »تمديد الرابعة«، لا يمكن أن تحجب عنا حقيقة خطيرة وهي أن هناك من يحاول تمرير أطروحة التغيير الفوري الذي قد يعني انهيار الدولة والانزلاق نحو العنف والفوضى، أو يبرر اللجوء إلى فرض الحالة الاستثنائية وحالة الطوارئ.


 استجاب الآلاف لنداءات الاحتجاج وسارت مسيرات ضخمة في العاصمة ومدن أخرى كثيرة، فجمعة الحراك الشعبي الأخيرة أوريد لها أن تكون حاسمة وأن ترفع مطالب أكثر راديكالية للتعجيل بالتغيير الجذري واقتلاع النظام من الجذور، وبشكل غريب جدا تلقف المتظاهرون، وهم من مختلف الشرائح وفهمهم للواقع السياسي متفاوت كثيرا، شعار رفض ما أسموه بـ »تمديد الرابعة«، فالتصريحات التي أدلت بها شخصيات سياسية وحزبية وحقوقية معارضة بعد القرار الأخير للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أعلن عن إرجاء الاستحقاقات الرئاسية وعدم الترشح للعهدة الخامسة، وكشف عن تنظيم ندوة وطنية لاستجابة لتطلعات الحراك الشعبي، فضلا عن إقالة حكومة أحمد أويحيى وتكليف وزير الداخلية نور الدين بدوي، الذي ينوبه وزير الخارجية رمطان لعمامرة، لتشكيل حكومة جديدة، تطرح علامات استفهام كبيرة حول مضمونها وأهدافها الحقيقية، فهل حقيقة أن قرارات الرئيس الأخيرة محاولة فقط للالتفاف على  الحراك الشعبي وهل هو تمديد العهدة الرابعة للرئيس الذي ستنتهي ولايته قريبا، وهل هناك خرق للدستور؟ أم أن ما يقال هو محاولة فقط لاستثمار في الحراك الشعبي  لقلب الأوضاع وربما خلق فراغا مؤسساتيا في البلاد والقضاء على وجود الدولة، لكي تحل للفوضى محل هذه المؤسسات وجر البلد كنتيجة لذلك نحو هاوية العنف؟

تصريحات الوزير الأول المكلف نور الدين بدوي وتلك التي أدلى بها نائبه رمطان لعمامرة، تبين جميعها بأن الحكومة التي سيعلن عنها قريبا ستكون مهمتها محصورة في ضمان انتقال نحو وضع جديد يسمح بتحقيق طموحات الجزائريين والتي استجاب لها الرئيس بوتفليقة بشكل واضح وصريح في رسالته الأخيرة، والذي تابع تصريحات الدبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي والذي يعتبر من الشخصيات التي استقبلها الرئيس بوتفليقة بعد عودته من رحلة العلاج بسويسرا، يصل حتما إلى قناعة بأن هناك فعلا نية لتنفيذ أجندة التغيير السلس والانتقال نحو جمهورية ثانية بعيدا عن سيناريوهات الفتن ومحاولة التدخل الأجنبي، فقد أوضح الإبراهيمي، في برنامج تلفزيوني بثته قناة »الشروق« أول أمس الجمعة، إنه »يمكن تشكيل حكومة محايدة عبر حوار مشترك، والتفكير في آليات حل الأزمة«، مضيفا  أن »الظرف بات يستدعي فتح قنوات حوار مباشر«.و عبّر الإبراهيمي عن تفهمه لـ»مطالب الشارع بتغيير النظام، ولذلك أنا أقول تعالوا للحديث مع رجال الجمهورية الأولى للدخول إلى الجمهورية الثانية«، وواصل يقول: »أعتقد أن هناك فرقاً بين السلطة والدولة والنظام، ما يهمني كبيروقراطي قديم يحنّ للبيروقراطية هو أنه يجب أن نحافظ على الدولة. يمكن أن نغير النظام، ولكن نحافظ على الدولة«، مشيراً إلى أن »أسلوب الثورة المطلقة التي تعني أن يذهب الجميع غير مجدية«. 

ثم إن الذي يقرأ جيدا التصريحات الأخيرة لرئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، يفهم جيدا الرسالة بأن الجيش يتخندق في صف الشعب الجزائري ولا يعتبر الحراك الشعبي الحاصل مناقض لطموحات الأمة الجزائرية، بل هنالك اتفاق على نفس الرؤية في تحقيق تغيير يلبي طموحات كل الجزائريين ويحفظ البلاد من أي تهديد أو محاولة لاستهداف أمنها واستقرارها، وهذه  المنظمة الوطنية لمتقاعدي الجيش تعلن في بيان لها  احترامها للدستور والإرادة الشعبية بعد الحراك الذي تشهده البلاد، مؤكدة رفضها لأي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للجزائر، داعية الجميع إلى وضع مصلحة الجزائر فوق كل اعتبار مع الالتفاف حول وزارة الدفاع الوطني.

والحديث عن خطر التدخل في الشأن الداخلي للجزائر، ليس مجرد كلام لتخويف الجزائريين بل هو حقيقة ملموسة ومعروفة في تجارب كثيرة عرفتها دول عربية أغرقها التدخل الأجنبي في حمامات من الدماء، ولما يحذر معهد المشروع الأمريكي المتخصص في الشئون السياسية، من تعرض الجزائر للأسوأ خلال الحراك الشعبي الحالي بوتفليقة، نفهم بأن المسألة هي جدية وحقيقة، فقد أكد المعهد في تقرير له حول الوضع الحالي في الجزائر، أن القليل جدا ممن يتظاهرون في الجزائر يدركون الآثار الخطيرة المحتمل وقوعها، كما أوضح أن الجزائر ظلت معقلا للاستقرار في منطقة غير مستقر للغاية، مشيرا إلى احتمال استغلال تنظيمات إرهابية للوضع الذي تمر به الجزائر لانتعاش نشاطها المدمر.

لكن لنسأل السؤال التالي: هل التخويف من احتمال سقوط الجزائر في وحل العنف حقيقة لها ما يسندها في الواقع، أم مجرد دعاية ترعاها السلطة لنشر الفزع والرعب بين الجزائريين ودفعهم إلى التشبث بخياراتها والوقوف ضد دعوات التغيير الذي يرفعه الحراك الشعبي منذ فترة؟ فقد يختلط طموح بعض القوى السياسية بأجواء معينة تدخل بقوة في رسم سياساتها وتوجهاتها ومواقفها، لكن هذا لا يعني أن حزب معين يخون البلد ويقبل بالدخول في لعبة خارجية تستهدف استقراره وأمنه، وربما ما يدفع الكثير من المراقبين إلى التركيز على مسألة الخيانة هو ما حصل في العديد من الدول العربية التي وقعت في حبال الفوضى وتحولت إلى مجرد مليشيات تأتمر بأوامر قيادات جيوش وأجهزة استخبارات غربية، وعادة ما تجد بعض القوى مصوغات لخيانتها كالاستبداد، لكن لابد من التنبيه إلى مسألة في غاية الأهمية تتعلق بكيفية تحضير بعض الدول الغربية للبدائل السياسية للحكم في العالم العربي، فالمعارضة التي يضطرها النظام العربي المستبد بطغيانه وجهله إلى الخروج والتوجه رأسا إلى الغرب حيث الحرية والديمقراطية، سرعان ما تتحول إلى مجرد عميل توجهه شبكات الجوسسة وأجهزة الاستخبارات الغربية، وتعود إلى أوطانها على ظهور الدبابات، وقد رأينا حالات كثيرة من هذا النوع في ليبيا قبيل وبعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي ونشهد ذلك أيضا في سوريا اليوم التي أصبحت بعض أوجه المعارضة فيها والتي تتهم نظام بشار الأسد بارتكاب المجازر ضد السوريين، ترتكب هي الأخرى فضاعات يندى لها الجبين ضد السوريين، بل رأينا كيف استعملت بعض قوى المعارضة المسلحة في سوريا للسلاح الكيماوي لتحقيق تفوق على الأرض على حساب الجيش السوري، ولجر التدخل العسكري الأمريكي والفرنسي والغربي عامة إلى سوريا، تحت عناوين حماية الشعب السوري من الإبادة كما حصل في ليبيا أيضا.

هذا في الجانب المتعلق بمحاولات الاستثمار في الحراك الشعبي لتكرار تجربة »ثورات الربيع العربي« في الجزائر، أما فيما يتعلق بالتهديد الأمني الذي قد ينجم عن النشاط الإرهابي، نقول فقط أن تحاليل الكثير من المختصين في الشأن السياسي تتفق على القول بأن المساس باستقرار الجزائر قد يضر الغرب ويجر على المنطقة مخاطر أمنية لا قبل لها بها، ووفقا لهذا الطرح لن تقبل أوربا وخصوصا دول جنوب أوربا على غرار فرنسا بأن تسقط الجزائر في حبال العنف، فأي سيناريو من هذا لنوع يعني تحول الجزائر إلى قاعدة للقاعدة أو »داعش« أو أي من التنظيمات الإرهابية المرتبطة أو المنفصلة عن التنظيمين المذكورين، ، فالعنف يخدم بالدرجة الأولى التنظيمات الإرهابية التي تمتلك كل المؤهلات لتعود إلى الواجهة، من تجربة وطبوغرافيا ومحيط إقليمي يساعد على تجنيد المقاتلين وجلب المال والسلاح.

وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الجزائر دولة رائدة في مجال مكافحة الإرهاب، صحيح أن الغرب تخلى عن ليبيا مع أنها كانت تشكل حصنا منيعا في وجه من يسمون بـ »الجهاديين« أو الحركات المتطرفة، لكن هناك فرق كبير بين الجزائر وليبيا في نواحي كثيرة، فالإرهاب في ليبيا يمكن مراقبته حتى وإن شكل خطورة على امن الجيران، وحتى وإن تحول السلاح الليبي إلى قنبلة متحركة تهدد أمن دول الساحل ودول شمال إفريقيا وتطال أخطارها حتى  بعض المصالح الغربية.

لقد اكتسبت التنظيمات الإرهابية في الجزائر تجربة طويلة جدا في حربها ضد الجزائريين على مدار العقدين الماضيين، وربما تشكل عوامل اجتماعية وحتى سياسية أدوات مساعدة لعودة الإرهاب إلى الواجهة، وهذه الحقيقة تدركها الولايات المتحدة الأمريكية التي طالما أشادت بتجربة الجزائر في مجال مكافحة الإرهاب، وهناك قناعة لدى الأمريكيين بأن الجيش وقوات الأمن الجزائرية هي الأقوى في المنطقة والأكثر جاهزية لمواجهة الإرهابيين ويكفي أن نتساءل ما هي الصورة التي كان يمكن أن تتحول إليها كل منطقة شمال إفريقيا بعد انفجار الوضع في تونس ومصر وليبيا، وبعد سيطرة المجموعات الإرهابية على كل شمال مالي، لو لم يكن هناك بلد مستقر اسمه الجزائر ولو لم يكن هناك جيش قوي اسمه الجيش الجزائري.

تساءل الكثير عن التصريحات التي أطلقها منذ مدة رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغين لافروف من تونس، قال فيها أن أطراف أجنبية تسعى منذ فترة إلى إغراق الجزائر في فوضى »الربيع العربي«  كما فعلت في دول أخرى على غرار تونس وليبيا  ومصر واليمن وسوريا، هذه الأطراف هي التي فتحت عدة جبهات على الحدود الجزائرية انطلاقا من ليبيا، وتونس ومالي تقودها جماعات متشددة، وحذر المسؤول الروسي الجزائر من أن »تقوم الأطراف ذاتها باستخدام نعرات الأقليات من أجل إذكاء الفتة داخل البلاد«، على حد تعبير لافروف. واللافت أن الكثير من المؤشرات التي تدعم توقعات لافروف بدأت تظهر للوجود، فالتصريحات التي أطلقها منذ فترة، زعيم الحركة الانفصالية في منطقة القبائل، فرحات مهني، وقال فيها بأن الحراك الشعبي قد يعتبر بداية نهاية الجزائر في صورتها وحدودها الحالية، لأن الجزائر، حزب زعمه، لم تكن أمة أو دولة على مر التاريخ، وأنها صنعت بموجب قرار من الاستعمار الفرنسي، ولقد كشفت بعض المنابر الإعلامية عن تحركات تقوم بها حركة »أفاز«، الممولة من قبل الملياردير الأمريكي ذو الأصول اليهودية جورج سوروس،  أحد أهم 100 ملياردير على مستوى العالم، المنظمة العالمية غير الحكومية الناشطة ميدانيا انطلاقا من شبكات التواصل الاجتمـــــاعي والشبكــــة العنكبوتية، في كل بؤر التوتر في العالم، تنشط من أجل تمكين شعوب العالم من التعبير عن نفسها، حسب ادعائها، وفي وقت سابق قامت هذه المنظمة بالاتصالات عبر البريد الاليكتروني نشطاء في الساحة الجزائرية من المعارضين للعهدة الرئاسية الرابعة، وتندرج تحركات هذه المنظمة ضمن خطة هدفها جر الجزائر إلى الفتنة، وتقوم تقريبا بنفس المهمة التي كان يقوم بها اليهودي الفرنسي ليفي الذي قاد بنفسه من يسمون بـ »الثوار« في ليبيا ضد نظام القذافي ولم يبرح ليبيا حتى تركها كومة من اللهب.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة