خيار الاستمرارية  يكسب الرهان
رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة صورة: أرشيف
10 فيفري 2019 ق. مصطفى
ق. مصطفى
194

الأفلان يرشح بوتفليقة

خيار الاستمرارية يكسب الرهان

أعلن معاذ بوشارب منسق هيئة تسيير الأفلان عن ترشيح الرئيس بوتفليقة رئيس الحزب للانتخابات الرئاسية، وهذا بعد أن كانت أحزاب التحالف الرئاسي قد رشحت هي الأخرى بوتفليقة للمعد الرئاسي المقبل، مما يعني أن محاولة المعارضة للدخول بمرشح توافقي يبدو أنها لن تؤثر كثيرا في المعادلة القائمة ولن يكون لها أي اثر على موازين القوى التي تميل بشكل واضح لصالح قوى المولاة.


إعلان الأفلان عن ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، هو بمثابة حسم نهائي لجدل استمر أشهرا طويلة حول مشاركة بوتفليقة في سباق الرئاسيات من عدمها، فحتى وإن كان القرار متوقعا لاعتبارات كثيرة، بنت بعض تشكيلات المعارضة ومن ورائها شخصيات سياسية معروفة، توقعاتها بأن يرمي رئيس الأفلان المنشفة ويعلن اعتزاله المنصب وانسحابه من السباق على كرسي المرادية، لكن الذي حدث أن المطالب بضرورة استكمال مشروع مواصلة مسار التنمية واستعادة هيبة الجزائر بعدما ترسخت دعائم الاستقرار فيها، ساهمت في تفضيل خيار الاستمرارية الذي يبدو بالنسبة للكثير من أقطاب المعارضة، خاصة الراديكالية منها، عبارة عن قطع الطريق أمامها للوصول إلى كرسي الرئاسة، مع أن قواعد اللعبة السياسية واضحة للعيان ولا تحتاج للكثير من الاجتهاد، فكرسي الرئاسة يمر حتما عبر القرار الشعبي ومن خلال شرعية الاقتراع، وليس من خلال رمي المنشفة أو التخلي عن المنافسة التي تفضلها هذه التشكيلات السياسية، خاصة وأن الكثير منها لا تتوفر على قاعدة شعبية تمكنها من الوصول إلى السلطة.

وكانت أحزاب التحالف الرئاسي، قد رشحت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة جديدة، وأكد المجتمعون على ضرورة دعم الاستمرارية من خلال المحافظة على المكاسب المحققة، وجاء هذا القرار عقب الاجتماع الذي احتضنه مقر الأفلان بحيدرة بأعالي العاصمة، حضره منسق الهيئة التنفيذية للأفلان، معاذ بوشارب، الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، أحمد أويحيى، رئيس حزب تجمع أمل الجزائر، عمار غول، ورئيس الحركة الشعبية الجزائرية، عمارة بن يونس، وخلص الاجتماع إلى بيان جاء فيه أنه تقرر دعم رئيس الجمهورية ومرافقة برنامجه، من أجل الحفاظ على الجزائر والوحدة الوطنية. كما يعتبر حماية للجزائر من المناورات الخبيثة، ورفع تحدياتها، والحفاظ على مسار التنمية الوطنية، للوقوف سدا منيعا، في وجه  كل من يحاول المساس باستقرارها ووحدة ترابها، كما ذكر بأن فلسفة التحالف تحتاج لتعبئة القدرات، تحسبا للرئاسيات المقبلة، مشيرا في ذات السياق إلى أن الرئاسيات المقبلة موعد سياسي حاسم لمستقبل البلاد، لدعم وحدة الشعب، وشحذ الهمم، وتحكيم العقل، أمام الخطابات الشعبوية.

ويرى المراقبون أنه بترشيح الرئيس بوتفليقة لخوض غمار الاستحقاقات المقررة في 18 أفريل القادم، يعكس تقدير تشكيلات أحزاب الموالاة لجهود التي بذلها بوتفليقة خلال عهداته الرئاسية السابقة، والانجازات الكبيرة التي قام بها، وفق خطاب أحزاب الموالاة، خاصة فيما يتصل باسترجاع السلم والأمن، وتحريك عجلة التنمية واستعادة البلاد لمكانتها في الساحة الدولية، وهو الخطاب الذي ترى بعض أقطار المعارضة، خصوصا الراديكالية منها بأنه مناقض تماما للحقيقة والواقع، بحيث تعتبر بأن ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة يعد بمثابة قطع للطريق أمام باقي المترشحين لموعد 18 أفريل القادم، وككل مرة تشكك المعارضة في شفافية ومصداقية الاقتراع الرئاسي القادم، وترى بأن مرشح السلطة لن يترك أي فرصة أمام باقي المنافسين بسبب تدليس العملية الانتخابية ومصادرة إرادة الناخبين، وفق تصريحات العديد من أقطاب المعارضة التي دخلت في الفترة الأخيرة في حملة غير مسبوقة ضد المولاة وضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

 فرغم التلويح بالانسحاب من المنافسة فإن حمى الترشح للرئاسيات هو الذي يميز الاستحقاقات الانتخابية هذه المرة، فهناك وجهان بارزان في الساحة، وجه المنافسة الثقيلة التي ترتبط أساسا بإعلان العديد من الأسماء الحرة والحزبية دخول المعترك الانتخابي، وهنا تبدو الساحة السياسية متجهة أكثر نحو منافسة شرسة ربما تجعل الرئاسيات هذه المرة تختلف كثيرا عن مثيلتها خلال المرات السابقة، فترشح الجنرال غديري جر وراءه الكثير من الجدل، فالرجل قدمته بعض الأوساط على أنه مرشح قوى سياسية وحتى مرشح جنرالات تم فصلهم أو إحالتهم على التقاعد خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الحديث على أن الرجل هو مرشح القائد السابق لدائرة الاستعلامات والأمن، الفريق محمد مدين المعروف باسم »توفيق«، ووسط هذا الهرج والمرج أعلن الحزبان الأكثر تمثيلا في ولايات منطقة القبائل، جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية مقاطعتهما للانتخابات الرئاسية المقبلة، وحتى وإن رأت بعض الأطراف بأن تحييد هاذين الحزبين الكبيرين لنفسيهما من المنافسة الانتخابية يريح السلطة من صداع منطقة القبائل، إلا أن الحقيقة هي مخالفة تماما لهذا الاستنتاج الذي يبدو متسرعا، فخيار المقاطعة الذي أعلنه الأفافاس والأرسيدي قد يتحول فيما بعد إلى مقاطعة كل منطقة القبائل للعملية الانتخابية، وربما جر ذلك  المنطقة برمتها إلى اضطرابات بمناسبة الانتخابات الرئاسية، وهو ما لا يبتغيه أي كان في السلطة أو المعارضة، فعودة منطقة القبائل إلى الهدوء والاستقرار جاء كما هو معروف بعد جهود شاقة قامت بها السلطة والعديد من القوى السياسية والجمعوية.

اللافت هذه المرة هو اختيار حركة مجتمع السلم »الإخوانية« دخول العملية الانتخابية بمرشح الحركة، لأول مرة منذ سنة 1995 التي شاركت فيها حركة حمس من خلال زعيمها الراحل الشيخ محفوظ نحناح، فالحركة اعتمدت منذ عقود على خيار المشاركة في السلطة والاعتماد على عقد تسويات وتوقيع اتفاقات مع صناع القرار يضمن لها لعب أداور معينة قبل العملية الانتخابية والانتفاع بامتيازات سياسية بعد انتهاء المعركة الانتخابية، وهو ما دفع بالكثير من المحللين إلى طرح استفهامات كبيرة حول تفضيل حمس هذه المرة لخيار المشاركة، هل كلفت الحركة بالمساهمة في تنشيط السباق الرئاسي لإضفاء الشرعية على العميلة الانتخابية، خاصة وأن الحركة بدت مرة أخرى بأنها طرف في طبخات يتم الإعداد لها في أعلى هرم السلطة، على غرار طبخة تأجيل الرئاسيات التي تكفلت حمس ورئيسها عبد الرزاق مقري بمهمة الترويج لها قبل أن يتخلى عنها صناع القرار ويعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة  استدعاء الهيأة الناخبة، والمطلوب من حركة الراحل الشيخ نحناح هذه المرة، وفق البعض طبعا، هو أن تغطي على أي عملية انسحاب تقوم بها تشكيلات سياسية أو شخصيات حرة بعد بدأ المنافسة على كرسي المرادية.

ويبدو أن خيار تقديم مرشح يمثل بعض أقطاب المعارضة لا يزال يراود الشيح عبد الله جاب الله، 

 رئيس جبهة العدالة والتنمية، الذي اجتمع الخميس الماضي ، مع المرشح للرئاسيات المقبلة اللواء المتقاعد علي غديري، بمقر مداومته المتواجدة بحيدرة بأعالي العاصمة، للحديث عن مبادرة » مرشح المعارضة التوافقي «.وقال جاب الله للصحافة إن غديري، عبّر عن انفتاحه لفكرة المرشح التوافقي للمعارضة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لكن النقاش حول الموضوع يتطلب لقاءات أخرى.وأضاف رئيس جبهة العدالة والتنمية الإسلامي : »نحن الآن في المرحلة الأولى من المبادرة وهي عقد لقاءات أولية مع الأحزاب السياسية والشخصيات التي أعلنت ترشحها، من أجل شرح مبادرتنا، ومعرفة رأيهم منها ومدى تقبلهم للفكرة «، مضيفا: » لكن يجب أن تكون هناك مشاورات آخري في قادم الأيام «.

الوجه الأخر القبيح للاستعدادات الخاصة برئاسيات الـ 18 أفريل القادم، يتعلق بالتهافت الكبير على سحب استمارات الترشح للانتخابات، فهذا التهافت تعدى كل الحدود وتجاوز كل التوقعات وقارب عدد الذين أبدوا رغبة في الترشح  نحو 200، علما أن الغالبية الساحقة من هؤلاء هما إما مغامرين أو معتوهين أو أناس ألفوا العبث ووجدوا في عملية الترشح للرئاسيات فرصة ومتعة للضحك على أنفسهم وعلى واقعهم وواقع  الجزائريين البائس، ويطرح الترويج الكبير لهؤلاء الذي كان عليهم في الواقع التوجه إلى المصحات النفسية وإلى عيادات طب الأسنان وفق تعليقات البعض، بدلا من الهرولة نحو مصالح الحكومة،  علامات استفهام كبيرة هل دخلت الجزائر مرحلة الانهيار الشامل ووصل حالها إلى المستوى الذي يصبح معه العلاج عن طريق المشاهد الكوميدية هو الحل الأخير لحالتها؟

الوضع الاجتماعي والسياسي وحتى الاقتصادي في الجزائر ليس بهذا السوء الذي قد يتصوره البعض أو تتناقله تقارير مغلوطة على فضائيات عربية أو أجنبية، صحيح أن  احتياطات البلاد من النقد الأجنبي قد  هوت من 192 مليار دولار في 2014، إلى 108 مليارات دولار في منتصف 2017، لتستقر مع بداية السنة الجارية 2019 في أقل من 80 مليار دولار أمريكي، وتتوقع حكومة أحمد أويحيى أن يسجل الاقتصاد نموا خلال العام الحالي بنحو 2.6 في المائة، في ظل تقليص للنفقات بـ1.5 في المائة والتوقعات بتراجع في عائد نشاط إنتاج الطاقة.ومن المرجح أن تبلغ عائدات النفط والغاز هذا العام 33.2 مليار دولار، مقابل عائدات مستهدفة في 2018 بـ34.37 مليار دولار، ويأتي تراجع العائدات مع تنامي الاستهلاك المحلي، وعزاء الحكومة هو في احتمال عودة أسعار النفط إلى الارتفاع ثانية فبقائها بين 70 و80 دولار قد يجعل الاقتصاد الوطني في راحة مالية نسبيا، خاصة في ظل السعي المتواصل للرفع من قيمة الصادرات خارج المحروقات والتوجه قدما نحو الانعتاق من حبل الريع النفطي الذي يكبل الاقتصاد الوطني منذ عقود طويلة.

الوضع في الجزائر ليس بالسوء الذي يتم تصويره في خطابات بعض المعارضة أو تنقله تقارير دولية تفضل أن تنسج  على منوال الخطاب السوداوي الذي يصور الجزائر على أنها دولة آيلة  إلى الانفجار، فحتى على الصعيد الأمني، فالمؤشرات التي تكشف عنها بيانات وزارة الدفاع الوطني تؤكد بقوة بأن وجود الدولة هو حقيقة قائمة تناقض ما تتداوله تلك التقارير، فقدت أشارت حصيلة  الجيش  خلال شهر جانفي الماضي، إلى  تحييد 27 إرهابيا بالإضافة إلى حجز كميات كبيرة من الأسلحة، من بينهم 12 سلموا أنفسهم للسلطات العسكرية بتمنراست جنوبي البلاد وتوقيف 13 عنصرا ينشطون ضمن شبكات دعم الإرهاب بالإضافة إلى القضاء على اثنين آخرين بسيدي بلعباس غربي الجزائر، وكشف من جهة أخرى عن كميات كبيرة من ألأسلحة والذخيرة تم استرجاعها في نفس الفترة، وأوضح بيان وزارة الدفاع الوطني حول حصيلة سنة 2018، أن وحدات الجيش أفشلت 30 محاولة لإغراق الجزائر بـ10 أنواع من الأسلحة الحربية مهربة من دول الجوار، وأن نوع هذه الأسلحة يكشف هوية الجماعات التي تعمل على التهريب، كونها معدات حربية لا علاقة لها بنشاط العصابات الإجرامية، مما يؤكد مرة أخرى بأن ما يجري في محيط الجزائر الإقليمي يستهدفها بشكل مباشر.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة