تفعيل الجيش للمادة 102 من الدستور لم يوقف الحراك الشعب
صورة: أرشيف
31 مارس 2019 ق. مصطفى
ق. مصطفى
219

تفعيل الجيش للمادة 102 من الدستور لم يوقف الحراك الشعب

ردود فعل بعض المعارضة بعد التصريحات الأخيرة لنائب وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح حول تفعيل المادة 102 من الدستور، تطرح علامات استفهام كبيرة حول الإرادة في توجيه الحراك الشعبي الوجهة التي قد تضر به وتهدد وجود الدولة برمتها، ذلك أن الوضع الداخلي والإقليمي والدولي لا يسمحان بأي خطا في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، ويوفر بحكم التهديدات المختلفة مناخا لاحتمالات الانحراف الخطير نحو وضع لا يحمد عقباه. 


تفعيل المادة 102 من الدستور التي تضمنها خطاب قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، لم تنجح في وضح حد للحراك بالشعبي، فقد خرج مئات الآلاف من الجزائريين في العاصمة ومختلف مدن الوطن رافعين شعار "الشعب والجيش خاوة خاوة"، رافضين اللجوء إلى هذه المادة والذي اعتبره متأخرا، داعين إلى الرحيل الكامل والفوري للنظام ورموزه، وبات واضح أن مصير الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أصبح بين أيدي المجلس الدستوري الذي لم يجتمع كما كان مرتقبا لإثبات حالة العجز أو " ثبوت المانع بسبب المرض الخطير والمزمن"، ومع استمرار الضغط الشعبي للجمعة السادسة على التوالي يطرح الكثير من المراقبين الإشكالية من زاوية الصراع الدائر في أعلى هرم السلطة، فمسيرات الجمعة الأخيرة شكلت فرصة لاكتشاف التوجه الشعبي العام من تطبيق المادة 102، وما إذا كانت هذه الدعوة قد أحدثت شرخا حقيقيا في الحراك أو لا. 

والحقيقة أن الجزائر اليوم تواجه تحديات كبيرة  بفعل عجز مؤسسات الدولة عن إقناع قادة الحراك الشعبي بضرورة قبول بالتنازلات المقدمة من السلطة، وترك خيار الشارع لتمكين من بقي ماسكا بمقود الدولة توجيه السفينة الوجهة الصحيحة وتفادي الغرق كما غرقت دول عربية كثيرة بعدما انحرف الحراك الشعبي بها  عن مساره وركب موجة العنف وتحدي مؤسسات الدولة، ودخلت قوى الشر على الخط لتغرق البلاد في حمامات من الدماء والدموع، ورغم التطمينات المقدمة من هنا وهناك فإن هذا المصير يظل محتملا رغم أن الشعب الجزائري الذي خرج بالملايين إلى شوارع الجمهورية لرفض العهدة الخامسة والوقوف في وجه سيناريو التمديد للرابعة، لا يريد السقوط في نفس الفخ، ولا يريد تكرار مأساة العنف التي كلفته الكثير بعد وقف المسار الانتخابي واندلاع مسلسل الإرهاب.

لقد أوضح الفريق أحمد قايد صالح، الأربعاء الفارط، في كلمة جديدة له خلال زيارته للنّاحية العسكرية الرّابعة، بمدينة ورقلة بالجنوب الشّرقي للبلاد،  إن الجيش لم ولن يحيد عن مهامه الدّستورية، في إشارة منه لغضب البعض من تصريحاته الرّامية إلى وجوب تطبيق المادة 102 من الدّستور لإعلان شغور منصب الرّئيس.وأضاف رئيس أركان الجيش: "بلادنا تعيش وسط محيط إقليمي متوتر وغير مستقر، يشهد تفاقما كبيرا لكافة أنواع الآفات بما فيها الإرهاب والجريمة المنظمة بكافة أشكالها"، وواصل يقول: "هناك العديد من التحدّيات الكبرى وجب علينا في الجيش الوطني الشعبي التصدي لها بكل حزم وصرامة، وفقا لمهامنا الدستورية التي لم ولن نحيد عنها أبدا"، كما أكد أيضا أنه "لا خوف على حاضر الجزائر وعلى مستقبلها في ظل هذا الشعب الواعي والمدرك للمصلحة العليا لوطنه، ولا خوف على الجزائر وعلى مستقبلها في ظل هذا الجيش الوطني الشعبي، الذي يتنفس هواء وطنه ويخفق قلبه لكل ذرة من ترابه المبارك".وتتضمن المادة 102 من الدستور على أنه "إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا، وبعد أن يتثبت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التصريح بثبوت المانع". ويفترض أن يعلن البرلمان بغرفتيه "ثبوت المانع لرئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي أعضائه، ويكلف بتولي رئاسة الدولة بالنيابة مدة أقصاها خمسة وأربعون يوما، رئيس مجلس الأمة".وتضيف المادة "في حالة استمرار المانع بعد انقضاء خمسة وأربعين يوما، يُعلَن الشغور بالاستقالة وجوبا..."

الكثير من أطراف المعارضة رفضت اللجوء إلى المادة 102 من الدستور واعتبرت بأن عرض رئيس أركان الجيش جاء متأخرا جدا، فرئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، أحد الداعمين لبوتفليقة (في 1999) قبل أن يصبح منافسا شرسا له (في 2004)، يرى من جهته  أن خطة قايد صالح "لا تضمن تنظيم انتخابات رئاسية نزيهة وشفافة" لأن الهياكل التي ترعى قانونية السير العادي للمؤسسات، أي المجلس الدستوري والبرلمان، "لا تتمتع أصلا بالشرعية"، مطالبا في تصريحات لوسائل إعلام وطنية ودولية بـ"استقالة بوتفليقة فورا وتهيئة الظروف لانتخابات نزيهة"، مقترحا في الوقت ذاته "رئاسة مؤقتة" تدير شؤون البلاد. ودعا إلى التحكم إلى المادة 7 من الدستور الجزائري، والتي تنص على أن "الشعب هو أساس السلطة وصاحب السيادة الوطنية"، بمعنى أن الشارع حسم في المسألة والحل يكمن كما تقول المعارضة في رحيل النظام ككل، وبرأي  المختصة في القانون الدستوري فتيحة بن عبو  إن "اقتراح قايد صالح يعد بمثابة عرض من النظام" قبله بوتفليقة. وأوضحت أن العرض "جاء من الجيش كي لا يرفضه" لأنه "لو جاء من الرئاسة قد يرفض من الشارع". وذكرت بن عبو أن الجزائريين متمسكون بالمؤسسة العسكرية، أما حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية فقد وصف من جهته  دعوة قايد صالح بـ "الخطيرة" و"محاولة انقلاب ضد إرادة الشعب"، فيما شدد حزب حركة مجتمع السلم في بيان صدر الثلاثاء الفارط أن " تطبيق المادة 102 من الدستور لا يتيح تحقيق الإصلاحات بعد الشروع في تطبيقها ولا يسمح بتحقيق الانتقال الديمقراطي والانتخابات الحرة والنزيهة"، وطالب المحامي والناشط الحقوقي مصطفى بوشاشي بـ "ضرورة استمرار المظاهرات وتغيير النظام".

في الجهة المقابلة رحبت قوى سياسية وشخصيات بارزة بالاقتراح الذي تقدم به الفريق أحمد قايد صالح لقد ثمن الأفلان دعوة رئيس أركان الجيش، وأعلن أعضاء اللجنة المركزية، في بيان لهم،  مساندتهم لاقتراح الفريق أحمد قايد صالح، وأكد الأفلان أن تفعيل هذه المادة، بداية شرعية ودستورية، تمكن من تأمين الوطن من المخاطر المتربصة به. ودعا كافة المناضلين  إلى تثمين الاقتراح، والعمل في الاتجاه الذي يمكن من تحقيق ما يصبوا إليه الشعب، من أمن واستقرار، في ظل دولة ديمقراطية شعبية اجتماعية، وبالنسبة  للأمين العام التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى، الوزير الأول  المقال في 11 مارس الجاري، على الرئيس بوتفليقة تقديم استقالته. وجاء في بيان للأرندي: "يوصي التجمع الوطني الديمقراطي باستقالة السيد رئيس الجمهورية طبقا للفقرة الأربعة من المادة 102 من الدستور بغية تسهيل دخول البلاد في المسار الانتقالي المحدد في الدستور"، داعيا من جهة أخرى إلى التعجيل في تعيين حكومة  وطالب أيضا بـ "تعيين عاجل للحكومة (من قبل بوتفليقة) لاجتناب أي فراغ أو تأويلات حول الجهاز الحكومي في هذه المرحلة الحساسة".هذا فيما صرح مقداد سيفي رئيس الحكومة بين أفريل  1994 وديسمبر 1995 إنه استقبل برضا كبير اقتراح أحمد قايد صالح. واعتبر سيفي  أن العرض "يستجيب تماما لمطالب الحركة الشعبية" و"يسد الطريق أمام جميع الانتهازيين والمغامرين الذين يرغبون استخدام هذه الحركة لمصالحهم الشخصية ولأجندات أجنبية".

واعتبر الضابط المتقاعد  العربي شريف أن  اللجوء للدستور هو الحل الأمثل لإخراج الجزائر من الأزمة السياسية، وأكد الخبير الأمني  أن تدخل المؤسسة العسكرية  جاء في سياق مميز يحتم عليها أن تساهم في مبادرات تؤدي إلى حل الأزمة السياسية بالجزائر في السياق الدستوري، مضيفا أن تذكير مؤسسات الدولة بوجود وعاء دستوري يمكن استخدامه للخروج من الأزمة السياسية  ليس إلا مساهمة من المؤسسة العسكرية في إيجاد حلول سلمية  ممكنة وقال: "لا يمكن لمؤسسة الجيش الوطني الشعبي بكل وزنها  أن تكون خارج ما يحدث في الجزائر  بدون أن يكن لها موقف حازم .. خدمة للوطن  وخدمة للشعب  كان لا بد من المؤسسة أن لا تقف  موقف المتفرج  إزاء ما يحدث كان لا بد أن تكون هناك مبادرة ايجابية لان الجيش الوطني الشعبي شئنا أم أبينا جزء لا يتجزأ من هذا الشعب  ويتأثر بما يتأثر به الشعب وهمه هو ازدهار ورقي الشعب " .

من جهة أخرى بدأت المخاوف من تهريب الأموال نحو الخارج على خلفية ضبط مبالغ ضخمة حاول أصحابها تهريبها نحو الخارج، جادة،  هذا فيما أعادت الاحتجاجات الشعبية تشريح نظام الحكم خصوصا خلال السنوات الأخيرة، من خلال الحديث عن انتشار واسع للفساد الذي وصل إلى أعلى مستوى في هرم السلطة، ويصنف تقرير التنافسية العالمية لفترة 2018-2019 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجزائر في المرتبة 92 عالميا من أصل 140، وذلك بعد حصولها على 53.8 نقطة من أصل مئة. وضمن المؤشرات الفرعية التي استند عليها واضعو مؤشر التنافسية، نجد أن البلاد احتلت موقعا متخلفا جدا في مجال انتشار ظاهرة الفساد بحلولها في المرتبة 96 عالميا، وأيضا في مجال شفافية الميزانية (المرتبة 116).وفي مجال الرقابة ومعايير الإفصاح، جاءت الجزائر في المرتبة 131 عالميا، وهي المرتبة نفسها التي حصلت عليها البلاد في مجال وضع تشريع لمحاربة تضارب المصالح. هذا فيما رسم عدد من المحللين الاقتصاديين صورة قاتمة حول مستقبل الاقتصاد الجزائري، على ضوء الحراك الشعبي الذي تعرفه البلاد منذ 22 فيفري المنصرم، فقد حذر محللون من أن الجزائر قد تواجه خطرًا اقتصاديًا نتيجة لتراجع عوائد صادرات النفط والغاز، وقالت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في التقرير الذي نشرته على موقعها الإليكتروني:  "في ظل أسابيع من الاحتجاجات التي كشفت عن سخط شعبي تجاه بوتفليقة، هناك خطر أقل وضوحًا يواجه الجزائريين وهو عبارة عن أزمة اقتصادية تلوح في الأفق، لأن العوائد من صادرات الغاز والنفط تواصل التراجع مقارنة بالاحتياجات المتزايدة إليها"، ونقلت الصحيفة عن ريكاردو فابياني المحلل في شركة "إينرجي أسبيكتس" الاستشارية والتي مقرها لندن قوله:"النقاش الآن يرتكز على السياسات ولكن هناك جبل جليدي حقيقي يمثل تهديدا بأزمة اقتصادية خلال العامين المقبلين، ولا يوجد أحد لديه إستراتيجية لمعالجة هذا الخطر".وأضاف:" الاحتياطيات الأجنبية تتراجع بشكل سريع جدًا وربما يكون لديهم غطاء للصادرات يكفي أقل من عامين".

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة