مضيق هرمز يتجه نحو التصعيد العسكري
صورة: أرشيف
21 جويلية 2019 صليحة مطلاوي
صليحة مطلاوي
26785

حرب الناقلات تعود إلى مياه الخليج

مضيق هرمز يتجه نحو التصعيد العسكري

ناقلات النفط معرضة للإعتداء في بحر الخليج وخطاب عدائي متصاعد منذ إعتراض ناقلة بريطانية ردا على إحتجاز ناقلة إيرانية في جبل طارق، خطوة طهران أربكت المجتمع الدولي وواشنطن تخطط لمشروع تحالف دولي لحماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أصبح يطلق صافرة إنذار لإحتمال مواجهة عسكرية في المضيق.


تصاعد التوتر بين لندن طهران منذ توقيف بريطانيا ناقلة نفط إيرانية في مضيق جبل طارق يشتبه أنها كانت موجهة لسوريا الخاضعة لعقوبات فرضها عليها الإتحاد الأوروبي عام 2011 ولن ترفع قبل عام 2020 مما جعل الحرس الثوري الإيراني يرد بالمثل ويحتز ناقلة بريطانية في مضيق هرمز وأكثر من ذلك تهدد إيران بإستهداف الملاحة البحرية فيه أو إغلاقه نهائيا مما يوحي أن المواجهة الايرانية مع الغرب وأمريكا قد تنتقل إلى البحر ،رغم أن طهران واشنطن لا تريدان أن يتحول التصعيد الإقتصادي بينهما إلى مواجهة عسكرية.

ومنذ تفجبرات الفجيرة وما تلاه من إعتداءات على ناقلات النفط في بحر عمان وإسقاط طائرة الإستطلاع الأمريكية تزايدت المخاطر من حدوث أي خطأ قد يطلق شرارة حرب في المضيق وقد إزداد التوتر منذ إعلان إيران عن نيتها في زيادة تخصيب اليورانيوم إلى ما فوق 3.67بالمائة هو ما تعتبره الولايات المتحدة انتهاكا صارخا للإتفاق النووي.

ولكن ما حدث في جبل طارق يثير التساؤل ما إذا كان الأمر يتعلق بفرض عقوبات أوروبية جديدة على سوريا أم عقوبات أمريكية على إيران، فالناقلة البريطانية التي أحتجزت في جبل طارق الخاضع للسيادة الإسبانية جاء بناء على طلب من الولايات المتحدة لبريطانيا هذا يعني ان واشنطن تريد إقحام نفسها في قرارات الإتحاد الأوروبي وأن المستهدف ليس سوريا وإنما إيران لتضييق الخناق عليها، إيران إعتبرت أن ما حدث لناقلتها قرصنة دولية وأشارت إلى أنها تمتلك الكثير من أوراق الضغط على بريطانيا للإفراج عنها خاصة أن مياه الخليج تعج بناقلات النفط البريطانية أو حتى السفن التجارية، ويعتقد أن هذه الحادثة ستزيد في توتر العلاقات بين الأوروبيين بين معارض ومؤيد لهذه الخطوة، فتقديم إحتجاج رسمي من مدريد لدى بريطانيا يعبر عن إستياء الدول الأوروبية من تجاوزها من طرف واشنطن ورفضهم التحول إلى وكلاء عنها لرصد وتوقيف سفن شحن النفط الإيرانية خاصة أن الإتحاد الأوروبي لا ينوي التصعيد مع إيران حتى أن وزير الخارجية البريطاني إعتبر أن الخروقات الإيرانية ليست كبيرة ويمكن التراجع عنها فيما يترقب الكثيرين إلى اين تتجه الأزمة بين واشنطن ولندن من جهة وبين طهران من جهة أخرى، وهل أرادت إيران بإحتجازها لناقلة النفط البريطانية إقحام لندن في الأزمة المتصاعدة مع الولايات المتحدة في الوقت الذي أعلنت بريطانيا أنها ستعزز إنتشارها العسكري في الخليج من أجل ضمان الحفاظ على حرية الملاحة الدولية.

هل يتجه الخليج نحو حرب ناقلات جديدة

لقد سبق وأن إصطدمت الولايات المتحدة وإيران في مياه الخليج أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وشكلت حرب الناقلات أنذاك توترا شديدا، وعلى الرغم من أن إيران والعراق كانتا مسؤولتين عن الأزمة إلا أن حرب الناقلات أصبحت جزءا من الصراع الطويل بين طهران وواشنطن، ولم  يختف هذا الصراع مطلقا، بل عاد ليظهر مرة أخرى في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإنسحاب من الإتفاق النووي وفرض عقوبات على إيران ليتحول مضيق هرمز من جديد إلى ساحة للمواجهة بين طهران من جهة وواشنطن حلفائها من جهة أخرى، غير أن الذي يختلف اليوم عن حرب ناقلات الثمانينات أن إيران أصبحت أكبر قدرة على إستخدام الألغام والغواصات والقوارب السريعة لمهاجمة وتدمير السفن العسكرية وسفن الشحن ولم تعد المعركة مجرد معركة في البحر، فقدرة إيران على إسقاط طائرة إستطلاع أمريكية يشير إلى معركة أخرى تنبئ بدخول الجانبين إلى توجيه الضربات الموجعة، وإذا تصاعدت الهجمات على ناقلات النفط فقد تشهد المنطقة عودة لمرافقة السفن الحربية الأمريكية لناقلات النفط في مضيق هرمز.

هذا في الوقت الذي أعلنت فيه بريطانيا أنها ستعزز إنتشارها العسكري من أجل الحفاظ على حرية الملاحة الدولية في المضيق.

وحرب الناقلات بين واشنطن وطهران قديمة وبلغت ذروتها حين قرر ايت الله الخميني إغلاق الخليج العربي في وجه السفن المحملة بالنفط العراقي ، كما شهد عام 1984 مهاجمة السفن الكويتية والسعودية مما دفع الكويت إلى طلب المساعدة من الغرب وبالفعل ارسلت الولايات المتحدة أسطولا إلى الخليج يحمل العلم الكويتي.

وحدثت أولى حرب ناقلات بين واشنطن وإيران في الفترة ما بين 1987 و1988 حين زرع الإيرانيون الألغام في مضيق هرمز وأطلقوا قوارب هجومية ضد كل الناقلات والسفن الحربية الأمريكية وبالفعل إصطدمت ناقلة أمريكية عام 1987 بلغم إيراني مما أدى إلى غرقها، ووصلت هذه الألغام إلى البحر الأحمر وقناة السويس وفي نفس السنة إصطدمت ناقلة كويتية بلغم إيراني في أول قافلة بحرية ترافقها سفن حماية مما دفع الولايات المتحدة إلى نشر المزيد من القوات والسفن ، كما هاجمت المروحيات الأمريكية سفينة إيرانية و دمرت قواعدا للحرس الثوري وإنتهت الحرب بإسقاط الولايات المتحدة طائرة ركاب إيرانية ظنا منها أنها طائرة حرب هجومية وفي عام 2000 قامت خلية إنتحارية قيل أنها تابعة لنظام القاعدة بإستهداف بارجة أمريكية و تفجيرها وقد تم خلال حرب ناقلات النفط هذه إغراق أكثر من 250 سفينة نفط عملاقة من قبل إيران والعراق.

واشنطن تسعى لتشكيل تحالف عسكري لحماية الملاحة في هرمز

في الوقت الذي تشدد فيه الولايات المتحدة الأمريكية العقوبات على طهران وتكثف وجودها العسكري في الخليج تنوي إشراك حلفائها لتشكيل قوة دولية لحماية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وسط تهديدات إيرانية بإستهداف الطائرات الأمريكية في الخليج.

ويتزامن الإعلان الأمريكي عن إنشاء هذا التحالف مع إعلان طهران رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20 بالمائة في المرحل الثالثة لخفض إلتزامها بالإتفاق النووي، وتسعى واشنطن لحماية المياه الإستراتيجية في مياه الخليج وتقول واشنطن أنها ستوفر السفن القيادية لمرافقة سفن بلادهم التجارية.

وعلى الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين ناقشوا علانية خطط حماية مضيق هرمز، فان هذا التحالف محاولة أيضا لتعزيز الأمن في مضيق باب المندب قبالة اليمن حيث تشعر السعودية والإمارات بالقلق منذ شن المقاتلين الحوثيين هجمات في باب المندب الذي يمر عبره نحو 4 مليون برميل من النفط يوميا نحو أوروبا والولايات المتحدة وأسيا.

التحالف يهدف أيضا إلى منع إيران والقوات الحليفة لها من شن هجمات على منشات أو ناقلات نفطية في الممرات المائية في الخليج العربي وخليجي عمان وعدن وبحر العرب والبحر الأحمر.

وبعيدا عن الأهداف السياسية لهذا التحالف، تحمل الدول المدافعة عنه أجندة لحماية مصالحها الإقتصادية، حيث تتجنب شركات نفط دولية في الوقت الراهن إرسال ناقلاتها إلى موانئ الشحن في الشرق الأوسط بعد هجمات الفجيرة وبحر عمان، كما أن الأوضاع تدهورت في ميناء الفجيرة الذي يشهد تراجعا كبيرا في الطلب بسبب إرتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط ما بين 15 إلى 30 بالمائة مؤخرا.

لكن الجدل الدائر حول الدول التي ستنظم إلى هذا التحالف المرتقب حيث ستجد دول كثيرة خاصة الحلفاء العرب نفسها في وضع صعب بين الإنضمام للمعسكر الأمريكي وبين الوفاء لعلاقاتها مع طهران كالعراق وسلطنة عمان وقطر التي ترتبط بعلاقات إقتصادية حديثة مع إيران بعد  محاصرتها من طرف دول الخليج في أعقاب الأزمة التي نشبت في 2017، وفي نفس الوقت فإن قطر في حاجة إلى الأمريكيين، يعني أن قطر ستعبر عن تحفظها على الخطوة الأمريكية لكنها قد لا تعارضها بشكل كامل.

أما المملكة العربية السعودية فإنها ستقدم الدعم اللوجيستيكي لتفعيل هذا التحالف، في حين ستكون الكويت وعمان على قدر كبير من الحذر نظرا لعدم توفرهما على جيش قوي وكذلك بسبب قدراتهما الإقتصادية مقارنة بالدول الأخرى، بينما العراق الذي تربطه علاقات قوية مع إيران يرى أن أي خطوة لإغلاق مضيق هرمز سيشكل عقبة كبيرة لإقتصاده، وبذلك ستجد بغداد نفسها في وضع صعب إزاء أي تحالف يهدف إلى محاصرة أيران، من جهة أخرى  فهي لا تزال في حاجة للدعم الأمريكي خصوصا مع إستمرار وجود القوات الأمريكية على أراضيها لكنها لا ترغب أيضا في خسارة إيران.

أوروبيا، تركت ألمانيا الباب مفتوحا  للإنضمام  لهذا التحالف في حين تحركت بريطانيا التي إنخرطت في الصراع منذ إحتجاز ناقلاتها بإتجاه نقل سفنها بشكل أكبر إلى الخليج، أما باريس فأرسلت تلميحات على أن إرسال قوات عسكرية إلى المنطقة لا يبدو مفيدا فهي تسلك منذ البداية خطاب وقف التصعيد مع إيران.

لم تعط الولايات المتحدة تفاصيل أكثر عن هذا التحالف لكنها تبحث عن الغطاء الشرعي له وما إذا كان سيكون أمميا أي أن يأخذ صبغة الشرعية الدولية أم أنها ستعطي لنقسها وحلفائها هذا الحق لحماية مضيق هرمز الذي يمر عبره 40 بالمائة من البترول نحو العالم.

مضيق هرمز خيار إيران الوحيد

تدرك إيران أن هذا التحالف يهدف إلى محاصرتها خاصة مع تهديداتها بغلق مضيق  هرمز إن إستمرت الولايات المتحدة في حصارها إقتصاديا، و أبدت طهران صرامة في التعامل مع واشنطن عندما أسقطت طائرة التجسس الأمريكية، كما تريد إيران الضغط على المجتمع الدولي من أجل تخفيض العقوبات فهي لم تتردد في الإعلان عن نيتها في زيادة تخصيب اليورانيوم في خرق واضح للإتفاق النووي وإختبار ردة فعل المجتمع الدولي والضغط على إدارة الرئيس ترامب خصوصا إذا أقدمت على غلق مضيق هرمز لفترة طويلة مما يعني ذلك انتكاسة في الأسواق العالمية ونشر الذعر بين المستهلكين وخاصة في السوق الأسيوية التي تعتمد بدرجة رئيسية على النفط الخليجي.

لكن السيناريو الأخطر الذي  يخشاه الكثيرون وقد يقود إلى كارثة إقتصادية وأزمة مالية عالمية هو إقدام إيران على تدمير المنشات النفطية في السعودية والإمارات بالصواريخ أو الطائرات المسيرة التي تطلقها ميليشيات الحوثيين مما قد يؤدي إلى إرتفاع قياسي في أسعار النفط وبالتالي تضرر الإقتصاد العالمي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، حيث يستهلك العالم يوميا نحو 100 مليون برميل يوميا أي أن خمس كمية النفط العالمي تمر عبر مضيق هرمز بما فيها صادرات السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران نفسها، كما يمر عبر المضيق أيضا كل إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال وهي أكبر دولة مصدرة له.

ورغم أن الولايات المتحدة وإيران تتجنبان الدخول في مواجهة عسكرية لحد الان إلا التوتر المتصاعد بينهما في تزايد مستمر، من جهته تعترف واشنطن أنها لا تريد المواجهة مع  طهران وأنها لا تسعى إلى تغيير نظام حكمها إلى أن إيران تواصل في سياسة الضغط المضاد على الإدارة الأمريكية وحلفائها وانتقل الصراع إلى مضيق هرمز حيث يخشى الكثيرون من أن التصعيد فيه قد ينقل المواجهة العسكرية بين الجانبين إلى مياه الخليج....

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة