لا صراع بين الكتاب الورقي والرقمي لأن الأصل في التعامل هي المعلومة
صورة: أرشيف
27 جانفي 2018 ق.ث
ق.ث
4303

"كتاب يتحدثون عن موقع الخدمات الالكترونية ومحاولة الاعلام الحث على المطالعة"

لا صراع بين الكتاب الورقي والرقمي لأن الأصل في التعامل هي المعلومة

أصبح دخول الخدمات الإلكترونية ومحاولة وسائل الإعلام الاستفادة لحث الشباب على المطالعة وعدم الاكتفاء بالمطالعة الإلكترونية  بل من خلال خلق نوع من الألفة مع الكتاب الورقي ، لكن في الواقع هناك عزوف القراء عن الكتب، لكن كيف نبحث عن مشكلة القراءة في المجتمع؟. وهناك من يقول: أن المحتوى الرقمى العربى هو المادة المعرفية المكتوبة بالغة العربية والتى  تمتد أولها بشكل رقمي، على الإنترنت، وأن  التكنولوجيا ستساهم في دعم صناعة النشر على عكس ما يظن البعض، بحيث التكنولوجيا ستخلق فرصة كبيرة لتسويق الكتب وتخلق نموذجًا اقتصاديًا كبيرًا يلعب دورًا مهمًا وداعمًا للكتاب.


لهذا طرحنا الموضوع على بعض من الكتاب الأعزاء فكانت أرائهم كالتالي:                                                         

الكاتب :عبد الله لالي

لم يكن التطوّر التكنولوجي يوما عائقا لتقدّم الإنسان وتحصيله المعرفي

القراءة فعل متجذّر في عمق الإنسان حتّى ولو كان أميّا، فهو يقرأ الرموز والأشكال وملامح الوجوه وتعابير الجسم، قراءة ما وبشكل من الأشكل ،هي ملازمة للإنسان، لكنّه اِصطلَح على إطلاق كلمة ( القراءة ) على ما يُقرأ في الكتاب ، ثمّ جاءت القراءة الإلكترونية لتخلخل هذه الفكرة التي سلّم بها الإنسان لعقود طويلة..

وقد سبق للوحي أن حدّد الفعل القرائي بشكل آخر مختلف ، عندما نزل القرآن على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال له: اقرأ ..

وكان الأمر بالقراءة بغير كتاب، فهي قراءة سماعية، وقد كان الرّسول عليه الصّلاة والسّلام لا يقرأ ولا يكتب، وهذا فعل قرائي آخر له أهميته الكبرى وفعّاليته التي لا تنكر، فإذا جاءنا الكتاب الإلكتروني اليوم المكتوب والمسموع، فهو شكل متطوّر جدا للقراءة ينبغي الاحتفاء به، ولا يصحّ التشنّج منه واعتباره منافسا للقراءة في الكتب الورقية المطبوعة، ومع ذلك يمكن للمرء أن يجمع بين الكتاب المطبوع ورقيا، والكتاب المرقون رقميا.

فعل القراءة فعل حضاري معرفي تعلمي استطلاعي ، يمكنه أن يتحقق بأيّة وسيلة كانت ، وليس شرطا أن يكون في كتاب ، فليس كلّ النّاس يميلون إلى قراءة الكتب والتعمّق في التفاصيل ، والسّباحة مع التيار المعرفي إلى أبعد الحدود ، بل النّاس في ذلك متفاوتون ودرجات بعضها فوق بعض ، والذي أوتي ملكة قراءة الكتب المطبوعة فإنّه بلا شك لن يستنكف عن قراءة الكتب الإلكترونية ، حتّى ولو كانت متعبة للنّظر ، مرتبطة بآلة رقمية ، فإنّ لذلك سلبياته كما له إيجابياته، فقد يقول المدافعون عن القراءة الورقية ، أنّ المعلومة الجاهزة ووسائل التواصل الاجتماعي التي تعتمد على الصورة والصور أكثر من اعتمادها على الكلمة المكتوبة ، كلّ ذلك يجعل الجيل الجديد يزهد في القراءة ، ولا يكلّف نفسه عناء البحث والتنقيب في تفاصيل التلقي المعرفي والعلمي..

لكن بالمقابل يمكن أن نقول أنّ الذي لم يكن يقرأ أصلا ولا يفتح كتابا ،فإنّ التكنولوجية الرقمية صارت تغريه ولو بالقراءة في حدّها الأدنى ، قراءة المنشورات الخفيفة والتعاليق على الصور والأحداث ، بل صارت تغريه بالمشاركة في فعل الكتابة والتعليق على المنشورات والدّردشة أحيانا ولو بلغة مكسّرة ، لكنّها عملية تجمع بين الكتابة والقراءة في آن معا ، وهذا أمر يحسب للتكنولجيا الرقمية.

كما أنّ المهتمين بالقراءة أصالة ( المدمنون والمتمرّسون ) يجدون في الفضاء الإلكتروني توفيرا للكتب التي تنوء بها ميزانياتهم المحدودة ، كما يمكنهم الحصول على الكتب النّادرة والتي تتوفر في المكتبات العامة ، كما يمكنهم المفاضلة بين طبعات مختلفة ، ومتابعة نتاج المطابع يوما بيوم ، ويمكنهم أيضا الحصول على الكتب المخطوطة والتي لم يطبعها أصحابها بعد.

وللكتاب الإلكتروني أيضا ميزة أخرى وهي أنّه يمكن أن يحصل عليه القارئ على شكل كتاب ناطق ، فلا يتجشم عناء قراءته بنفسه ، بل يكفيه الاستماع إليه ، ويستطيع حمله معه في قرص إلكتروني أو شريحة صغيرة ، ويضعه في جهاز السيارة ويستمع إليه وهو يقود أو وهو راكب في الحافلة وفي الطائرة. العصر الإلكتروني الرقمي يتيح المعرفة لكلّ النّاس وبوسائل بسيطة جدا وبأثمان معقولة ومتاحة للشريحة الكبرى من النّاس.  

وصار النّشر الإلكتروني ينقل القارئ إلى أية مكتبة في العالم ويفتّش رفوفها ويبحث في قوائمها ويختار الكتاب الذي يريد ويهوى ، والقراءة نفسها في الكتاب الرقمي تمظهرت في شكل آخر له نكهته وجاذبيته وتأثيره الفعّال في القارئ ، وقد يدافع المتمسّكون بالقراءة في الكتاب المطبوع ، ويزعمون أنّ القراءة في الكتاب الورقي ومطالعته قد انحسرت وتراجعت أمام هذا الطوفان الإلكتروني الرقمي الطاغي، ويقولون أنّ الكتاب الورقي له نكهته وخصويته، فأنت تلمسه وتشمّ رائحة أوراقه، وتتحسس حروفه وكلماته بملمس أصابعك ، فيترك ذلك في نفسك أثرا بالغا يساعد على تنمية المعرفة ، وتوسيع المدارك وتحصيل المعلومات بشكل راسخ ، لكل ذلك جانب من الصّحة لا ينكر.. !

لكن يمكن الرّد عليهم بقولنا أنّ الكتاب الرقمي له صورة أكثر جاذبية، وأكثر وضوحا وجمالا، ويمكن نقله في جيب سترتك، أو تحميله في هاتفك النّقال ، وسهولة تقليب أوراقه والبحث في متنه أسرع وأدق من الكتاب الورقي، بل إنّ سرعة الحصول على المعلومة منه ، تعتبر أمرا قياسي ونقلة رهيبة في التطور البشري، بل الاستشهاد بفقرات منه للباحثين والطلبة أيسر وأسرع ، ويمكن المقارنة بين عدّة كتب في وقت واحد ، وأيضا الكتاب الإلكتروني لا يحتل حيّزا كبيرا في البيت ، ولا يتعرض إلى عبث الأطفال أو عوامل الرطوبة والتآكل، بل هو في شابكة عالمية تجده حيث تشاء ومتى تشاء..

ومع ذلك أوّلا وأخيرا يمكن الجمع بين الحسنين، بين ما هو مطبوع وما هو مرقون رقميّا ونحظى بسعادة المعرفة والقراءة من طرفيها ورقا ورقما .. ولم يكن التطوّر التكنولوجي يوما عائقا لتقدّم الإنسان وتحصيله المعرفي، بل العامل في المسألة هو كيفية التعامل ( سلبا أو إيجابا ) مع ذلك التطوّر.  

الشاعر والناشر :إبراهيم الجريفاني

التحدي كبير بين الألكتروني والسمعي فهي لغة الغد

يعيش المثقف العربي هاجسا أشبه بتيارات بحرية بين مد وجزر، فالمكون الثقافي الأن تتنازعه الصفحات الألكترونية ، لتنتشله من الورق، ولعلي هنا أعود إلى إنطلاقة الصحف الألكترونية مع مطلع الألفية الثانية، والمساحات المتاحة للفكر كتابتة وتفاعلا مما جعل الفضاء الالكتروني قرية كونية بُشرنا بها ورأيناها ، مع إنطلاقة الصحف الألكترونية عُقدت العديد من الندوات حول مستقبل الصحف الورقية ، فزادت مكابرة رؤساء التحرير والمؤسسات الصحفية للتقليل من أهمية التحول وبدلا من العمل على فهم مجريات الكون ، تقبلوا الخسائر حتى أيقنوا أن الصحف في الغرب توزع مجانا عبر مواقع في الشوارع والمجمعات التجارية ومحطات القطارات والمطارات، اليوم المثقف يعيش هذا الهاجس ماهو مستقبل الكتاب الورقي، مازالت دور النشر العربية تُكابر والحقيقة هي أن الناشرون العرب يعون أن المغامرة ليست مقلقة فأرقام الطباعة للكتاب العربي ليست بحجم تمثل الخسارة فأرقام الطباعة والتوزيع متواضعة جدا قياسا لأرقام النشر في الدول الأوربية وأمريكا، مايجري الآن هو متابعة منصات النشر الألكتروني إنطلاقا من أن المتلقي هم الشباب تحت الــ 30 وهم ذو لغة ألكترونية بل هي لغتهم اليوم، وأيضا أملا في تحقيق الإنتشار المأمول للفكر العربي وتجاوز معوقات الشحن والجمارك والرقيب وغيرة مما تسبب في تقييد الكتاب العربي .

المشكلة تكمن في جوانب منها أن التعليم ممثلا بالمدارس والجامعات بيئة غير جاذبة للقراءة، المناشط الثقافية في تراجع كبير، فأوجد جيلا باحث عن الترفية التقني أكثر منه للبحث عن المعرفة والبحث، والجانب الأكثر أهمية هو أن تجارب الكتاب الألكتروني العربي غير مشجعة وغير فاعلة لتحقيق الأهداف ، فتسارعت المنصات الى توفير الكتاب المجاني ومواقع بلغت الكتب المجانية بالملايين، طالما صناعة النشر الألكتروني للكتاب العربية تشوبها الحقوق والحفاظ على تقنية التحميل فالتجارب لم ترتق للعمل الإحترافي المشجع للتحول الكامل.

وهنا جانب من جيل ما فوق الثلاثون يرون العلاقة الخاصة مع الورق ورائحة الحبر وطقوس القراءة، لهذا لن يغيب الكتاب الورقي ولكن التحدي كبير بين الألكتروني والسمعي فهي لغة الغد وأتمنى على دور النشر أن تستثمر في التقنية لنكون اليوم أكثر جاهزية للغد.

خلاصة القول أو مهماز الفكر أن وزارات التربية والتعليم والهيئات الثقافية عليها أن تستشعر التحول وتعد له فمخرجات التعليم في العقدين الأخير ليست كما نتمنى فالهوية تأثرت والكثير من معتقداتنا تأثرت بالعولمة المتسارعة فالسنوات ضوئية بين الكتاب الورقي والألكتروني تستحق التوقف عندها وإجراء مسوحات بحثية بين فئات الشباب حتى نكون أقرب الى فكرهم فهم دولة الغد.

الكاتب: محمد رفيق طيبي

وسائل الإعلام لا تروج للثقافة منذ سنوات واذا قدمتها فتكون عادة في شكل فلكلور محتواه أقرب إلى التهريج

قد نكون متأخرين جدا حين نتحدث عن قضية التسويق الإلكتروني وتعزيز سوق الكتاب والقراءة. الجزائري والعربي ككل يعيشان في مدارات خاصة، وأعتقد أن وضع الكتاب لم يتغيّر بدخولنا هذه الثورة الرقمية بشكل محتشم، صحيح أن الترويج للكتاب صار حيويا ومتاحا لكن أرقام المبيعات في الصالون الدولي للكتاب المقام سنويا وعدد المكتبات التي تغلق أبوابها يدل على محدودية الاهتمام بما هو مفيد وخلاق، مع كل الأسف نحن نعيش خارج السياق التاريخي للتقدم وننفي دور المعرفة في بناء الشعوب والدول، لذلك يتغوّل الغش والرداءة. الغرب الذي قطع مشوارا طويلا مع الثقافة وآمن بها كحل من حلول البقاء والتطور لا نجد عنده حديثا عن نهاية الكتاب الورقي، هذا النقاش الذي يفتح عندنا بكل جرأة ونحن لا نقرأ ورقيا ولا الكترونيا، هذا مخجل جدا!  وسائل الإعلام لا تروج للثقافة منذ سنوات واذا قدمتها فتكون عادة في شكل فلكلور محتواه أقرب إلى التهريج من الجدية، لا يفهم كثير من الذين يملكون زمام الأمور أن الثقافة حل نهائي لأزمات ترجع كلها للوعي، هذا الأخير تُرك لأغاني الراي وملاعب كرة القدم التي لا تنتج إلاّ المسحوقين فكريا ومعرفيا.

التكنولوجيا لن تكون مفيدة اذا لم تتم مراجعة المنظومة التعليمية التي تصنع إنسانا لا يقرأ وتنسخ منه الملايين عبر كل الأجيال، كما يجب أن تلعب المؤسسات الثقافية دورها كاملا اتجاه الشعوب التي ضجرت من حروبها وفراغها، لا ينكر أحد دور الفايسبوك كأهم وسيلة للتواصل الاجتماعي في خلق فضاءات ثقافية مهمة وتسهيل التثاقف بين الجمهور العربي والأجنبي لكن هذا الدور محدود جدا مقارنة بما يمكن فعله بهذه الوسائط.

الكتاب ورقيا أو الكترونيا بحاجة إلى إعلام ثقافي جاد يقدم صورة جيدة للثقافة، بلد بحجم الجزائر يجب أن يكون له دور ريادي عربيا خاصة في ظل الظروف الراهنة والتي حطمت دولا، الأعين تنظر إلى الجزائر بأمل وانتظار لا يجيب أن يخيب، لابد أن نتحول إلى حاضنة لكل المشاريع والرؤى الثقافية، قد أكون حالما لكن الحلم مساحة للأمل والتفاؤل وهذا مهم وضروري لتستمر الثقافة.

الأستاذة ويزة غربي:

الكتب الإلكترونية أفضل من حيث الوقت والمال والجهد

أنا شخصيا لا فرق عندي بين الكتاب الالكتروني والورقي، لأن الأصل في تعاملي مع هذين النوعين من الكتب هي المعلومة، والوصول إليها بغرض استخدامها في بحوثنا، فمن وجهة نظر أكاديمية لا فرق بينهما، بل بالعكس الكتب الإلكترونية أفضل من حيث الوقت والمال والجهد، إذ تجعل البحث أكثر مرونة وأكثر متعة، طبعا مع احترام طرق التوثيق،  كما أن مجال البحث سيصبح أكثر اتساعا لأن ما توفره الشبكة قد لا يكون موجودا في التداول، وقد كان هاجس العلامة الجزائري الحاج صالح ـــ رحمة الله عليه ـــ في مشروع "الذخيرة العربية المحوسبة" الذي يشكل معجما آليا يكون تحت تصرف الباحثين والدارسين، من خلال تزويدهم  بالمعلومات في أي مجال علمي كان، بطريقة سريعة تغنيهم عن البحث المضني في الكتب الورقية .

هذا في البحوث الأكاديمية، أما بالنسبة للمطالعة فإن العلاقة الحميمية التي كانت موجودة مع الكتاب الورقي، قد تراجعت كثيرا بل انقطعت عند البعض، مادام مصدر المعلومة قد أصبح في متناول الجميع في أي زمان وأي مكان، مع ما توفره الهواتف النقالة التي تتيح لك الدخول لأي موقع تريد.

ثم إن التسويق الالكتروني أمر واقع فعلا، ويكفي أن يكون عندك حساب سيصلك الكتاب في أي نقطة من العالم كنت، خاصة بالنسبة للمصادر والمراجع العلمية النادرة،  ثمّ أن المعاملات الالكترونية أصبحت شيئا لا مفر منه،  فإذا كانت العقود والمعاملات التجارية لأكبر الشركات الدولية تتم عبر عقود إاكترونية، فلماذا لا يستفيد الكتاب من هذا النوع من التجارة. 

ويبقى اتصالنا بالكتاب الورقي له نكهته الخاصة، انطلاقا من ارتباطنا العاطفي به، حتى أن الفرحة تغمرنا عندما يهدينا أحدهم كتابا، ولكن لا يجب أن يقف ذلك في وجه التطور وخدمة البحث العلمي.

 

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة