اختفاء لصوص الكتب إنذار واضح بتراجع المعرفة
صورة: أرشيف
17 أفريل 2019 بقلم: كاتب تونسي حكيم مرزوقي
بقلم: كاتب تونسي حكيم مرزوقي
7047

بقي الاكتفاء بالنظر إليها

اختفاء لصوص الكتب إنذار واضح بتراجع المعرفة

الكتب، من لا يعرف هؤلاء، طلبة، قراء، كتاب وغيرهم ممن دفعتهم رغبة المعرفة وخواء الجيب إلى مجازفة السرقة، ولكنها ليست أي سرقة، إنها كما يراها الكثيرون "السرقة الشرعية"، حيث يمثل لصوص الكتب فئة هامة من القراء، لكنهم اليوم اختفوا بشكل لافت، وكأن اختفاءهم إنذار بنكوص المعرفة الذي بات واقعا ملموسا.

في ثمانينات، وحتى تسعينات القرن الماضي، كانت المكتبات ومعارض الكتاب، على وجه التحديد، مزارا شبه مستباح لفئة عريضة من لصوص الكتب، وهؤلاء ينتمون في غالبيتهم إلى ما اصطلح على تسميته في القاموس الماركسي بـ"البرجوازية الصغيرة" أي صغار الموظفين والطلبة، وعموم المهتمين بالكتاب والمؤمنين بدوره كوسيلة تثقيف وتغيير بل وحتى إكسسوار لتأثيث مكتبة يتباهى بها الواحد في صالون بيته، أيام كان التعلق بالكتاب جزءا من وجاهة اجتماعية مطلوبة.

عوّل مفكرون ومنظرون على هذه الشريحة المتوسطة من المجتمع على اعتبارها الفئة الوحيدة التي تقتني الكتاب، وتشكل وعيا طبقيا قد يحدث تغييرا ما في بنية المجتمع والدولة.

اختفى اللصوص

سقط جدار برلين وسقطت معه جميع الرهانات على من له علاقة بالكتاب، سواء كان مؤلفا أو ناشرا أو قارئا، أو حتى لصا من أولئك الذين يخفون الكتب تحت ستراتهم برشاقة واضحة، وقد "أفتوا" بتحليل هذه السرقة حتى وإن تركوا صغار البائعين المساكين يدفعون ثمن مسروقاتهم من جيوبهم.

ليس المراد في هذه السطور، ولا من الوارد وضع ظاهرة سرقة الكتاب في الميزان القانوني أو الأخلاقي، فهي تكاد تنقرض بعد سطوع نجمها في ثمانينات القرن الماضي، وصار الكتاب يتذيل آخر قائمة المسروقات لأسباب يطول شرحها.

وتبدأ من سهولة الحصول على الكتب عبر تحميلها المجاني من خلال الوسائط الإلكترونية وحتى عن طريق القرصنة، وتنتهي هذه الأسباب عند "غياب أهميته" وانزياحه من سلم المقتنيات الأساسية في المجتمعات العربية ذات النمط الاستهلاكي المفزع.

كم من مكتبة في العالم العربي تحولت إلى مطعم شعبي أو أي مرفق تجاري آخر، أما ما تبقى من المكتبات فيقاوم أغلبها النسيان، ويكابد أصحابها في سبيل الحفاظ على إرث العائلة وبريقه الخفي كما هو الحال لدى إحدى أهم وأعرق المكتبات التي عُرفت بغزارة وأهمية عناوينها وسط العاصمة التونسية.

لا تحتاج هذه المكتبة المغاربيّة إلى دعاية مجانيّة وهي التي توافدت وتقاطرت عليها أجيال وأجيال من العناوين والطلبة والمثقفين والدارسين، والمعنيين بـ"بهجة المعرفة"، أحد عناوين كتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

ما دفعني إلى الحديث عن هذه المكتبة كنموذج لأحد أطلال الزمن البهي، زمن كان "يُختلس فيه الكتاب اختلاسا، وتُشرع فيه سرقته تشريعا"، هو أني أصبت بخيبة أمل كبيرة حين علمت من صاحبها أنها لم تُنهب أثناء أحداث الشغب والانفلات الأمني اللذين عاشتهما البلاد في أعقاب أول "ربيع عربي" في 14 جانفي 2011 بتونس.

لم تُسرق المكتبة، ليس لأنّ حشود المتظاهرين والمحتجّين والناهبين جماعة من الذين يقدّرون الثقافة قدرها ويحترمون الكتاب وجبة معرفيّة عالية الشأن فلم يقتربوا من مقامه ويدنّسوه، بل لأنهم اتجهوا نحو نهب المخازن التجارية والمواد الاستهلاكيّة وما غلا ثمنه وخفّ حمله، ووجدوه أكثر نفعا وتلبية لحاجياتهم.

هكذا أشاحوا بوجوههم وأداروا ظهورهم لـ"بهجة المعرفة" نحو غنيمة المأكل والمشرب والملبس والمركوب والمصوغ. وبقي الكتاب في رفّه مصانا سالما ينعم بالدفء والهدوء تحت غباره السميك.

السلالة الملعونة

ظلّت المجلّدات مطبقة على أفكارها والأوراق حاضنة لحروفها، بقيت جميع المطبوعات بكرا، لم يمسسها بشر ولم تمتدّ لها يد إنسان يركض نحو لقمة عيش لم يستطع إليها سبيلا. أين تلك "السلالة الملعونة" من لصوص الكتب، ممن يخفون العناوين البراقة الطازجة تحت قمصانهم بجرأة ومجازفة عالية في غفلة عن البائعين والمراقبين، وكثيرا ما كان ينكشف أمر هؤلاء، فلا يخجلون ويطأطئون الرؤوس كمذنبين، بل يرفعونها مفتخرين، ومدافعين عن "سرقاتهم المشروعة".

هل كان سينشرح القلب فعلا، لو وجدت هذه المكتبة المنارة خالية على عروشها فارغة من كنوزها وفاقدة لبهجتها، أم أنّ في الأمر شيئا آخر يشبه الطرفة الشعبيّة التي تروي قصّة عجوز دخل لصوص بيتها فنهبوه تحت نظرها، لكنّها استاءت كثيرا حين لم ينظر إليها أحد نظرة يحسسها فيها بأنها ما زالت جميلة ومرغوبة.

تعريجا على معرض الكتاب الذي تعيش تونس على إيقاعه هذه الأيام، وتذكيرا بالسنوات الأولى لانطلاقته عام 1982 حين كان العارضون في أروقته يشتكون من ظاهرة سرقة الكتب، أقترح على القيمين عليه في هذه الدورة أن يضعوا في استبياناتهم وإحصائياتهم عدد مرات التبليغ عن سرقات الكتب، وما هي عناوين الكتب التي امتدت إليها أيادي "اللصوص الجدد" من المهتمين بالكتاب، وذلك قبل التباهي بالرقم القياسي الذي بلغه عدد الزائرين الذي يشكل فيه السائحون المتجولون والفضوليون والمتنزهون نسبة كبيرة منهم.

هل يمكن للقيمين على معارض الكتاب أن يضعوا استبيانات آراء تحمل أسئلة من طراز: هل سرقت كتابا في حياتك؟ ما الكتاب الذي تتمنى سرقته؟ لماذا لم تسرق؟ وذلك عملا بمقولة تحمل عنوان "قل لي ماذا يمكن أن تختلس من كتب أقل لك من أنت".

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة