على المثقف آن يكون أداةَ وعي وتغيير في زمن كورونا الوبائي
الأديب اللبناني، عباس ياسين صورة: أرشيف
15 ماي 2020 حوارة: سهيلة بن حامة
حوارة: سهيلة بن حامة
121

الأديب اللبناني عباس ياسين في حوار لـ "صوت الأحرار "

على المثقف آن يكون أداةَ وعي وتغيير في زمن كورونا الوبائي

في لقاء عابر للمسافات والحدود،جمعتنا دردشة مع الأديب اللبناني عباس ياسين، إلتمسنا من خلالها صدقه مع الكلمة هوالذي تربطه علاقة خاصة مع الحرف ،لم يتوقف فيها عن مواكبة روح العصور وقياس التغيرات الفكرية والنفسية ،والاجتماعية والسياسية يؤكد في كل مرة أنه حقا ابن بيئته ،التي صارت جزءا من تكوينه، منطبعة في جيناته ،ويلفت أن دور المثقف يجب أن يكون رياديا وقيادياً ومعبّرا وتغييريا وفاعلاً وليس متأثرا في مثل هذه الضروف التي يعيشها العالم جراء انتشاروباء كورونا،كما يكشف لنا عن جديده الذي هو عبارة عن روايةبعنوان "حكى صاحبي "،و وديوان شعري"خطوات على الماء ".


كيف يقضي عباس ياسين يومياته مع العزلة التي فرضها كورونا؟

لكلٍ منا عالمه الخاص الذي يهرب اليه  عادة الى صندوقه النفسي الذى يضع فيه كلم ما يحلو له وكل ما يختص به وحده ،هذا  في سياق تفاصيل الحياة اليومية  ونهرب من الحزن ومن الفرح احيانا لنعيش بعدها عالماً خاصاً نظهر منه فقط ما زاد عن خصوصيتنا ، هذا إن اخترنا العزلة ،فكيف إذا اختارتنا وكانت حكماً إلزامياً،لكن بما يحمل الشاعر من نفس متمردة يتمرد على العزلة التي يحبها فقط لانها فرضت عليه ،لكن بما ان الآنسان آبن بيئته فلا بد له من حمل همومها ومحاولة إيجاد الحلول لكل المشاكل الممكنة ليس  بالشعر فقط بل بكل ما يمكن القيام به.

أنا لا أومن أن الشعر أو الكتابة  مهنهً يبرع فيها الإنسان باستعمال التقنيات والبدائع والفنون،كما لا أومن انه مجال للتنافس وإظهار الطاقات الإبداعية ،برأيي الكلمة هي التي تكتبني ولست أنا الذي يكتبها فهي تختار أن تلبس ماتريد فتختار اللون والوقت والأسلوب وتحدد الشكل والقافية وتتمظهر بكل حرية ، وأنا تابعٌ مخلص انفذ ماتطلبه بشكل أعمى ،فأنا مطيع لحد العبودية ،لذلك لا أؤمن بكلمة المناسبات ،وحين الطلب ،أنا اعتبر الكتابة تنفيساً عما فاض في نفسي من مشاعر، فإذا لاقي الحرف قبولاً وإعجابا فهو جيد ،المهم أني  أكتب نفسي بلا رتوش لذلك وقتي ليس فقط للكتابة بل إن الكتابة أمر بسيط أمام ما يمر بنا خاصا في حربنا مع هذا المجهول الذي يهدد أساس وجودنا وكما أسلفت بأن الكتابة عندي شيء شخصي فإني في أوقات المحن يكون تعبيري عمليابما استطيع من إمكانيات.

برأيك ما هو دور المثقف في مثل هذه الظروف اتجاه أبناء وطنه؟

على المثقف آن يكون أداة استشعار مسبقة لمحيطه الذي يعيش فيه ،وصورة واضحة وناصعة عن الهموم والمشاكل التي يمر بها الوطن ،وأن يكون أداةَ نهوضٍ ووعي وثورةٍ وتغيير نحو السلم المنشود ،لذلك دور المثقف يجب أن يكون رياديا وقيادياً ومعبّرا وتغييريا وأن يكون فاعلاً وليس متأثرا بردة فعل تختلف من موقف لآخر دور المثقف أساسي وضروريٌ وخلّاق وعليه أن يقود بلده نحو الخلاص ونحو المستقل المنشود ولا ينتظر أن تغلبه الظروف أو أن تفرض عليه ارادتها.

العزلة كانت في أحلك الأزمات والمآسي الإنسانية  وقودا للإبداع ،هل يمكن للأديب تطويع عزلته لتفجير همته الإبداعية بنشاط استثنائي ربما لم يُتح له من قبل؟

فعلا إن الرجوع  الى الذات وسماع صوت النفس وتقلباتها وإطلاق العنان شطحات الخيال والعاطفه من ضروريات الإبداع والتعبير الحقيقي عن الذات ، وبالنسبة لي غذاء الروح والعقل والجسد والخيال ينبت في أرض العزلة ،لأن النفس تكون في أكثر صورها شفافية وصدقة خاصة إذا كانت عزلة اختيارية بملء الإرادة .أما أن تكون العزلة مفروضة واجبارية ، فعندها تحتاج لثورة وتمرد لأنها سجن لا يشبه سجن الذات والخلوة معها.

بعيدا عن كورونا هلا أوجزت لنا حصاد تجربتك الإبداعية وكيف بدأت حكاية عباس ياسين مع ديوان العرب؟

حكايتي مع الحرف حكاية طويلة تعود لأول معرفتي به ،ومنذ نعومة أظفاري كان والدي رحمه الله يشجعني على حفظ الشعر والقرآن والأدب وأنا دون السادسة من العمرحتى انه كان يكتب لي عناوين محددة لمواضيع شتى  ويطلب مني أن أكتب عنها لأنه لمس عندي توجها نحوى اللغة يختلف عن إخوتي الآخرين وأن أقرأ ما كتبت أمامه بحضور عدد من الأشخاص الذين يزوروننا في نهايةالأسبوع ،وعليه نشأت على حب الكتابه،حتى أصبحت ملاذي ومتنزه أفكاري وعنواني . وبدأت أحتفظ بما أكتبه من عمر العاشرة ،وكنت وما زلت أكتب لنفسي ولنفسي فقط لذلك لا أختار موضوع الكتابة ولا اسلوبها  ولا لونها ، فأحيانا  أكتب شعرا موزونا ، وأخرى تفصيليا وغيرها حراً ونثرا ، وأجمع في أحيان أخرى بين أكثر من نمط من أنماط الكتابه ،لإني أعتبر الحرف وسيلة للتعبير عن ذاتي وإخراج الشعور الذي يعتمر بداخلي بصدق لا تحكمه بحورالخليل بن أحمد ولا تفعيلة غيره من الشعراء ، ما يهمني هو إخراج الصورة والإحساس كما أراهما. لذلك اكتب الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقال ، حسب ما يرتقي الحرف الذي أسمح له فقط أن يتحكم بي .كتبت كثيرا ومزقت كثيرا وأخفيت عن كل الناس كتابات شتى وعندى آكثر من خمس وعشرين مجموعه أحتفظ بها ، تمردت منها سبع مجموعات وهربت نحو المطبعة ،وما زلت تكتبني كلماتي.

ما الذي يثير بذرة إبداع  الشاعر الذي بداخلك؟

أكثر ما يستفز هدوء المرء هو القلق .الذي يؤدي للخوف اللحام للاختراع الحلول وابداع النتائج ، بالنسبة لي قد تكون السعادة هي القاتلةُلإبداع الشاعر لأنها لحظةقوة بعيدة عن الألم والمعاناة وما يثير هو الخوف والألم فعندهما يكون الإنسان أقرب لذاته وأقرب لربه.

مُهمّة الشاعر اليوم في عالم عربي يعيش أسوأ الأوضاع  وأشد الأزمات،  تقتصر على قراءة قصائده في مناسبة ما أمام جمهور يتضاءل عدده يوما بعد آخر، هذا هذا مؤشرعلى انتهاء زمن الشعر تاركا مكاناشاسعا للرواية كما يشاع مؤخرا؟

الشعر ليس مهنةً أو صنعة بل تعبير إنساني جميل يتمظهر بموسيقى النبض والخيال والحب والقلق وهذا لا ينتهي ولا يتقيد تقنيات متحجرة زمانا أو مكانا . رسالة الشعر ليست تلاوة أمام جمهور أو استعرضاً أمام النقاد ،فهذا شعر ينتهي عند أنتهاء موضوعه ،أما آن يكون الشعر تعبيرا صادقاً يدخل الروح ويسمو فوق الألم والمشاكل ويبتدع الحلول فإنه لا ينتهي ، صحيح إن قيود الوزن والقافية قد تصبح قيودا للمشاعر والأحاسيس وهذا ما أشعر به لذلك أترك لنفسي حرية الإخراج والتعبير فألجأ للقصة والرواية لأنها أكثر حرية ولأن مساحة الخيال بها أكبر وهذا سر إبتعاد بعض الناس عن الشعر ولجوئهم للقصة.

للشعر مساحته للقصة كذلك ولكن على الشعر آن يأخذ من الحداثة جانبها الأنقى والذي يراعي ثورية الحركة والتعبير وعدم الوقوف أمام قدسية البحر والقافية ،مع عدم الخروج عن الموسيقى الشعرية التي تميزه عن النثر، لذلك لا أرى مساحة لشعر النثر، أمام القصة.

يقال إنه يتوجب على الشاعر أن يكون “ثوريا” لا “سياسيا” كيف تعيش الأوضاع الحالية بلبنان؟

الشاعر إبن بيئته لا يختار الموقع ولا الزمان ، الشاعر كتلةٌ طموحةٌ صادقة للتغيير وهذا يتحقق بالثوري والسياسي ،من الأجمل للشاعر أن يكون ثورياً لأنه أقرب حينها للحرية ، وأقرب للتغيير . والسياسة قيد لارتباطها اللصيق بالمجتمع.

بصفتك عضوا باتحاد الكتاب لبنان مارأيك في الجيل الجديد من الكتاب؟

فيما اراه وألمسه ،هناك العديد من الحركات الأدبية والشعرية المعاصرة الواعدة ،والجيل الجديد على قدر من الوعي والعلم والرؤيا ، بغض النظر عن بعض الحالات النافرة والاستعراضية والفوضوية والمتمردة، أنا متفائل بالجيل الجديد من الكتاب والشعراء والفنانين مع بعض الحذر من الإفراط في التحرر والحداثة.

كيف ساهم الأدب في  لبنان موخرا في ترجمة الواقع؟

الأدب في لبنان شكل جزءا من جغرافيته عبر العصور وعبر اختلاط الحضارات التي شكلت غنىً في الفكرة والصورة ساهم في تشكيل رأي واضح لدى الأدباء الذين اجادوا في التعبير عن واقعه بدءا من شعراء المهجر وكتابه وفلاسفته الى الأدباء الذين أمنوا القصة والمقالة ، ويعتبر لبنان منذ القدم موئلا للحرف والحضارة من اسطورة قدموس الذي نقل الحرف الى اوروبا الى المتأخرين من عصر النهضة والكتاب المتأخرين الذين لا أدخل في تسمياتهم وهم كثر وصولا الى العديد من كبار الشعراء والأدباء المعاصرين  ،كما ان موقع لبنان وجغرافيته القريبة من موقع الحدث  في المنطقة قديما وحديثا أعطي للحركة الأدبية بعدا وطنيا وقوميا وعبر خير تعبير عن مشاكل وطموحات وتاريخ الأمة وعن حركات النهضة والمقاومة الحديثه وعن المقاومة الفلسطينية والعربية وكل ما يجري في المنطقة من أحداث.

الجزائر كانت حاضرة في ماضي عباس ياسين ذات يوم هلا حدثنا عن هذه التجربة ؟

    --للجزائر الحبيبة في ذاكرتي وفي وجداني مكانة حميمة ترتبط بالذكريات والأحداث التيشرت في السبعينات والثمانينات في منطقتنا العربية وفي بداية شبابي حيث شاء حسن القدر أن أدرس في الجزائر لمدة سنتين بين العامين 80-1982 وكانت عندي العديد من الذكريات خاصة آني درست في منطقة اعتبرهامن الأجمل في الدنيا في مدينة تلمسان عاصمة الزيانيين وقد تابعت الحركة الأدبية في جامعتها وقد تعرفت على ناسها وحضارتها كذلك خلال زياراتي للعديد من مدن الجزائر في الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة وغيرها ، ولا زلت أحمل لناسها كل المحبة والود والإكرام وقد شكلت تلك المرحلة مع  ما فيها من غربة وقودا عطرا لذاكرتي وتجربة حلوة عن الناس والمجاهدين والمثقفين  وعن الطبيعة الجزائرية الأصيلة التي أتمنى أن يسمح لي العمر والظروف للعودة إليها .

لمن تقرأ في الآونة الأخيرة ؟

فالفترة الأخيرة لدي العديدمن القراءات لشعراء معاصرين لكن أكثر قراءاتي في الوقت الحالي عن التاريخ الإسلامي والحضاري وكذلك متابعة ما ينشر من كتب سياسية حول وضع المنطقة والعالم بحكم موقعي وسني لأني أعمل في الشأن السياسي العام.

ما هو جديد عباس ياسين؟

إضافة لما تم نشره من أعمالي : وهي سبعة دواوين أولها كتبته في الجزائر ك فقرات منحكاية الوطن والغربه 1982،شبابيك سوف يدخلها الضوء (مختارات من البدايات )،مطرزة على حاشية الجرح ،قمري دمه يضيء ( لولدي الشهيد )،تذكرة لشمس العمر ،خلجات في سفر القلب ،محاكاة لسر الحلم ،حاليا أعكف على كتابةمجموعة قصص قصيرة حول المرأة الجنوبية المقاومة ( أنا منجنوب لبنان)،كذلك أضع اللمسات الأخيرة على روايةبعنوان "حكى صاحبي "،وديوان شعري بعنوان "خطوات على الماء ".

كلمة تود أن توجهها لقرائك؟

في كلمة مختصرة أتوجه للقراء خاصة للجيل الشاب بضرورة المحافظة على اللغة العربية وأصالتها لآنها هويتنا وتاريخنا وطريقنا ، كما أركز على اهمية القراءة الهادفة التي تمس واقع امتنا وناسنا ومجتمعنا، كذلك حمل رسالتنا الدينية والحضارية وهي النموذج الأمثل للعالم.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة