دراسة نقدية إحصائية لقصيدة "شوارع الليل"
صورة: أرشيف
07 جويلية 2019 معروف صلاح أحمد
معروف صلاح أحمد
21292

تقديم: الناقد الأدبي معروف صلاح أحمد

دراسة نقدية إحصائية لقصيدة "شوارع الليل"

هذه دراسة نقدية إحصائية لقصيدة " شوارع الليل" للشاعرة الجزائرية سحر القوافي من ديوان "ظلال من ريح" ، وقد وجدت هذه "الطلقة" - أقصد القصيدة - منشورة في جريدة "عاجل أخبار مصر" بتاريخ الخميس 16-5 -2019 


نص الاشتغال "شوارعُ الليلِ": 

أمتطِي صَهْوَةَ الشَّجَن..

أتِيهُ فِي أرْصِفَةِ الليْل..

وفي شوَارِعِ مِنْ قتادٍ ولهَب..

أخطُو على بقايَا الزُّجاجِ المسنَّنَةِ والجَمْر

أتبِعُ وجْهَكَ المُتَوَارِي خَلْفَ الحُجُب

وجْهَكَ الخرِيفي الوَسن..

وجهَكَ الوَجِيفَ في غيَاهِبِ الزَّمَن

أتِيهُ خلْفَ السَّرَاب.. 

سحر القوافي: تصنيف العمل الأدبي :

هذه الأبيات الجريئة من كتابات الأدب النسائي لشاعرة جزائرية مرموقة لا يمكن تصنيفها بأي حال إلا قصيدة نثرية من العيار الثقيل فهي أرقى بكثير جدًّا من الخاطرة وإن جاءت بعض أبياتها أو كلماتها على وزن الرجز فالشاعرة قصدت النثرية قصدًا وذلك منهج متبع عندها؛ لأن الوزن "البحر" والتقفية يضيِّعَان منها المعاني الساحرية التي تقصدها فهي تلجأ للنثر قصدًا وتستند على الإيقاع والموسيقى الداخلية الخفيفة، فالشاعرة تعتمد على انسجام الحروف وإيقاعاتها الرنانة أو العكس إيقاع الحروف وانسجاماتها الهادئة، فعند الشاعرة ربما قصيدة النثر أجمل من قصيدة الشعر الموزون وهذه مرحلة من المراحل الكتابية في عمر الشاعرة.

وهنا يطرح السؤال نفسه متى تكون قصيدة النثر إذا تخلت عن الوزن بمستوى قصيدة الشعر الخليلي المقفى والموزون ؟؟ وتتجلى الإجابة على هذا السؤال إذا توافر فى قصيدة النثر أربعة عناصر رئيسة أساسية، وهي: "الإيقاع والمجاز والخيال والعاطفة"، فهذه العناصر الأربعة مجتمعة معًا فيها تعويض كافٍ وشافٍ عند الشاعرة ،وفى نفس الوقت لم تفقد الشاعرة في قصيدتها أهم عنصر في الشعر "الوزن" فبديله لديها الإيقاع والانسجام والتناغم ،فموسيقى الشعر لم تفقد بالكلية عند الشاعرة، وكذلك يعمل كل من المجاز والخيال والصور والتراكيب سواء الجزئية أو الكلية الممتدة أو المرصعة في وجود وحدة عضوية كاملة تتوائم مع وحدة الجو النفسي، فالقصيدة مثل الكائن الحي كل عنصر من عناصرها أو كل عضو من أعضائها منسجم في مكانه ومتناغم مع غيره من الأعضاء والأشلاء الأخرى الكل يؤدي وظيفته على أجمل وأكمل وأروع وجه في إيجاز وتكثيف ولغة انزياحية معاصرة متفهمة للواقع المرئي المعاش.

عنوان القصيدة "شوارع الليل ": تلك الصورة الجزئية سواء كانت استعارة أو كناية أو تشبيه فهي تومئ منذ الوهلة الأولى بالظلام وعوالم الخفاء المجهولة بما يحدث فيها .. فمن يمتلك ذلك العالم الخفي الذي يوحِي بالتشتت والحِيرة والضيَاع ؟هل الكلاب الضالة والقطط والقوارض؟ أم تجار الهوى والنخاسة والصنف وأصحاب العمليات المشبوهة ؟ أم اللحم المتعري لمن يدفع الثمن ؟ 

كلها أسئلة تصدمك بمجرد قراءة العنوان، وللإجابة على هذه الأسئلة نحتاج للكاميرا التي ترصد وترقب الصورة.. نحتاج للعين اللاقطة الثاقبة التي سترى وتترجم لنا ما تراه بانسيابية.. ، ولا شك إنها عين الشاعرة الفاحصة وقلمها الألمعي الذكي وذاكرتها الحديدية، فالشاعرة ستقتحم ذلك العالم الخفِي بشجاعة وتنبئنا بما فيه بشجاعة نادرة، وتخبرنا عنه بصدق وأمانة ،وهذه جرأة تحسب لتجربة الشاعرة ،وخطوة للأمام في الأدب النسائي أن يقتحم مثل هذه الموضوعات الغضة بشراسة.. فمن المؤكد أن الشاعرة وقعت تحت مؤثر ما وشاهدت ذلك فِي السينما أو وهيَ في سيارتها تعبر إحدى الطرق في أي مدينة جزائرية غير مسماه شعبية أو حضارية راقية ، ويكأنِي أسمع الشاعرة تقول: " والله مشاهد دامية درامية ترسبت في نفسي أو كردة فعل لمشاهد مؤلمة موجعة تزلزلت بذاكرتي وآلمتني، وتكررت في أحياء كثيرة من عالمنا العربي، وتكدست في صدري ،فلله درك يا وطنِي".. وهذا ما يسمى أسباب مقولة القصيدة أو الجو النفسي العام للقصيدة .

ألفاظ القصيدة وعباراتها: من المستحسن عند دراسة هذه القصيدة أن نقسمها لخمسة مقاطع أو محاور رئيسة؛ حتى تكون كرحلة سهلة أو بالغة الصعوبة بيانها كالتالي :

المقطع الأول مقطع الاستعداد للرحلة :

"أمتطي صهوة الشجن.. 

أتيه في أرصفة الليل..

وفي شوارع من قتاد ولهب..

أخطو على بقايا الزجاج المسننة والجمر

أتبع وجهك المتواري خلف الحجب

وجهك الخريفي الوسن..

وجهك الوجيف في غياهب الزمن "..

يستوقفنى في هذا المقطع سؤال هام وملحوظة وعدة كلمات أما السؤال فهو كيف تصل الشاعرة لشوارع الليل ؟ ما وسيلتها ؟ ما الذي تركبه لتصل لرحلتها المنشودة ؟ تجيب الشاعرة بنفسها عن هذا السؤال الحيوي وتقول: أمتطي صهوة الشجن باستخدام الفعل المضارع "امتطي" الذي يوحي في طياته بالتتابع والتجدد والاستمرار واستحضار الصورة في الذهن، ومثله مثل بقية الأفعال المضارعة الخمسة والثلاثين في القصيدة مما يوحى بأن الشاعرة قررت وكررت الذهاب لهذه الرحلة بحزن وشجن وتيه وتشتت وضياع وتفرق بوجع الطفلة التي تسكن روح الشاعرة .. تلك الروح المواجهة لكل الصفقات والخلايا المشبوهة التي تعقد في الليل، ولذلك لم تستخدم الشاعرة لفظ "أتوه أو آتي في أرصفة الليل" في البيت الثاني ، ولكنها وظفت لفظًا آخر يدل على الحيرة والضياع والفقدان والضلال وهو "أتيه في أرصفة الليل .. وفي شوارعَ من قتادٍ ولهب" فيخطئ من يظن أن اللفظ "أتيه" من الفخر وللعودة لمعاجم اللغة العربية تبين لنا صدق ذلك، وظهر الفرق بين "توه.. وتاه وتيه" على هذا النحو: في القرآن الكريم نجد: "قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ "26" سورة المائدة". وفى معاجم اللغة نجد: 

تَيَّهَ: "فعل"

تيَّهَ يُتيِّه، تَتْييهًا، فهو مُتَيِّه، والمفعول مُتَيَّه

تَيَّهَهُ عَنْ عَمْدٍ : أَضَلَّهُ، ضَيَّعَهُ

تَيَّهَ نَفْسَهُ : حَيَّرَها، أوْ أَهْلَكَها

تاه: "فعل"

تاه تَيْهاً، وتِيهاً، وتَيَهانًا تَوْهًا وتَوَهَانًا، فهو تائهٌ، وتَيَاهٌ، وتَيْهانٌ، وتَيَّهانٌ، وتَيِّهانٌ

تاه : تكبَّر

تاه في الأَرض: ضلَّ وذهب متحيِّرًا، المائدة آية 

يَتِيهُ مِنْ حِينٍ لآخَرَ: يَشْرُدُ خَيالُهُ، يَضْطَرِبُ عَقْلُهُ

تَاهَ فِي مَشْيِهِ : تَكَبَّرَ...وهُوَ في تيهٍ: في ضَلالٍ توه

" التَّوْهُ : لغة في التِّيهِ، وهو الهَلاكُ، وقيل: الذهاب، وقد تاهَ يتُوهُ ويَتِيهُ تَوْهًا هَلَك . 

قال ابن سيده: وإِنما ذكرت هنا يتِيهُ وإِن كانت يائية اللفظ لأَن ياءها واو، بدليل قولهم ما أَتْوَهَهُ في ما أَتْيَهه، والقول فيه كالقول في طاحَ يَطِيحُ . 

قال أَبو زيد: قال لي رجل من بني كلاب أَلْقَيْتَنِي في التُّوهِ: يريد التِّيهَ، وتَوّهَ نفسَه: أَهلكها، وما أَتْوَهَه . 

قال ابن سيده : "فتاهُ يتيهُ، على هذا، فَعِلَ يَفْعِلُ عند سيبويه" .. نقلًا من "المعجم: لسان العرب".

الملحوظة الهامة: ولقد لجأت للمعجم اللغوي ؛ لأن هذا اللفظ في القصيدة كما يقولون: "مربط الفرس ..الركن الركين .. جملة المفتاح في القصيدة "وسوف يتكرر هذا اللفظ" يتيه برمته كما هو، ويبدأ به المقطع الثاني فهو لفظ مهم للغاية تبنى القصيدة كلها عليه، ويفصل بين المقطع الأول والثاني وله دلا لته وله أهميته..

بالتالي سنجد الشاعرة، وإن تاهت وتحيرت وذهلت مما رأته في شوارع الليل وعلى أرصفته سنجدها تثبت بعد ذلك وتتريث وتشغل كاميراتها وعينها اللاقطة خصوصًا بعدما خبت نار القتاد والشوك والهشيم وصفا اللهب.. سنجد الشاعرة ستخطو على زجاجٍ متكسر له شظايا وأسنة كالرماح تمزق الأرجل الحافية، وجمر أحمر ملتهب متقد متأجج يحرق الأقدام القادمة.. فنسمعها تقول: "أخطو على بقايا الزجاج المسننة والجمر" لماذا كل هذا ؟؟ إنها تبحث عن وجه حبيب مجهول هو في حد ذاته "وطن" نسق قريب دافئ لمشاعرها المتحيرة، وإذا وجدت هذا الحبيب المجهول الخائف المترقب الذي هو في طي أسرار الكتمان ولا نعرف عنه إلا ما أخبرتنا بها الشاعرة في القصيدة.. سوف تسأله عن نسق أكبر مختلف وهو "الوطن الكبير" لماذا أصبح الوطن كشوارع الليل؟؟ وأكدت على هذا المعنى، وكررت لفظ الوجه ثلاث مرات "وجهك المتواري" خلف الحجب،"وجهك الخريفي" الوسن، "وجهك الوجيف" في غياهب الزمن ..مرة يتوراى ربما خجلًا .. ومرة أخذته سنة من النوم ربما من السهر والتعب، وعلينا أن نلاحظ الزمن في الخريف حيث تساقط أوراق الشجر، وصارت الشوارع ذاتها عارية من الظلال وكأننا أمام حقيقة عارية لا جدال فيها ولا شك ولا لبس .. وثالثة وجهه وهو خائف وجيف يترقب ماذا سيحدث من غياهب الزمن؟ وهذا يذكرني بقصة سيدنا موسى حينما وكز سيدنا موسى المصري الفرعوني فقضى عليه وخرج من المدينة خائفًا يترقب وهرب إلى مدين "أنظر آيات سورة القصص من 15 إلى 21"، والشاعرة موفقة في صور الوجه الثلاثة وبالذات في كلمة "غياهب" التي تؤكد المجهول والمصير المحتوم .. ثم أخيرًا تصل الشاعرة لمبتغاها في المقطع الثاني من القصيدة ..

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة