الكتابة تموت لو لم تصدر عن شخص مخلص
الأديب المصري، أشرف الخمايسي صورة: أرشيف
31 أكتوير 2019 حاورته :سهيلة بن حامة
حاورته :سهيلة بن حامة
5403

الأديب المصري أشرف الخمايسي في حوار حصري ل"صوت الأحرار"

الكتابة تموت لو لم تصدر عن شخص مخلص

يصنف الأديب المصري، أشرف الخمايسي، في خانة الذين يملكون حسا صريحا يهيئ كل مرة للمتلقي أجواء حيوية بعيدة عن الكلاسيكية المستهلكة يجسدها في كلمات تحمل رؤية وحس مميز، تحولت معه إبداعاته إلى أداة بحث في الكتابة والوجود ،ليمنح في كل مرة للقارىء فسحة أمل بتمرده الذي ينسجه قلم وفي لعوامل داخلية وجدانية وخارجية إجتماعية برهنت أن صاحب "خروف وكلب" إبن بيئته ،أكد لنا في حوار مَعَ "صوت الأحرار" أنه لا تزال هناك في الساحة الثقافية العربية جيوب مقاومة ترفض الاستسلام وتسعى لخدمة الثقافة والإنسان عامة، وان المثقف الحقيقي يواجه الاحتلال أيا كان شكله.


أودّ أن نستهل بجديدك الذي هو عبارة عن رواية تحمل عنوان "خروف وكلب" أثار جدلا حول تبنيك أسلوبا جديدا في كتابتك على شاكلة "كليلة ودمنة" لإبن المقفع و قصص لافونتان، هلا حدثنا عن هذه المغامرة؟

الحقيقة هي أن لا مجال للمقارنة بين "كليلة ودمنة" و"خروف وكلب" إلا من جهة توظيف الحيوان إبداعيا، وتحريكه واستنطاقه بما لا يستطيع المبدع فعله عبر شخصيات آدمية، إذا كان هذا المبدع يعيش في مجتمعات تحظر عليه التعبير عن مفاهيمه ورؤاه فسيكون توظيف الحيوان اكثر أمنا، فلا أحد يأخذ كلام الحيوانات على محمل الجد. سوى ذلك فـ"كليلة ودمنة" كتابة و"خروف وكلب" كتابة أخرى، لا تشابه بينهما لا في الأسلوب ولا اللغة ولا الطرح. وإن كان ثمة مغامرة في "خروف وكلب" فهي كتابتي للشعر الشعبي داخل الرواية. المغامرة هي أن أكون روائيا وشاعرا شعبيا في ذات الوقت. وهل سيكون ذلك مقبولا أم لا. ولم أقرأ شيئا للافونتان لأعرف مدى مقاربة "خروف وكلب" من كتاباته في هذا الشأن.

خوضك غمار هذا الأسلوب هل جاء نتيجة التحولات المفصلية للواقع لتثأئرللا إنسانية والمشاركة في بناء جيل يفكر عندما يقرأ للحد من الأعمال المنتشرة مؤخرا التي تشجع ثقافة "الفاست فود"؟

كانت لدي نظرة طوباوية عندما بدأت الكتابة في ثمانينيات القرن المنصرم: إن الكتابة رسالة، وطريقة إصلاح، ومحاولة صعود بالإنسانية نحو الملائكية ربما. لكن كلما تقدم بي العمر والفكر أجدني أكتشف أن الطوباوية فكرة مخادعة. هذا العالم يستحيل أن يصير ملائكيا؛ القبح مكون أساسي من مكونات الإنسانية. سيختل اتزاننا لو افتقدنا القبح. ربما لو افتقدنا القبح لا نصير ملائكة قد نصير شياطين. إن هذا العالم لن يكون جيدا ولا مبهرا بنهار دائم أو بلون أبيض أو بدون حرب. هذا هو الموت بعينه. وربما أدلل على صحة ما توصلت إليه بما أراه من سلوك الدول القوية الآن، والتي تستطيع أن تدفع العالم نحو السلام لو رغبت، والتي منها كل المفكرين والفلاسفة الذين لا يتوقفون عن تمجيد فكرة السلام وتقديس الحب، هذه الدول نفسها هي التي تصر على انتهاج السيطرة بمختلف أنواع القوى، وفرض الهيمنة العسكرية خصوصا. الكتابة الجيدة لن تستطيع إزاحة الكتابة الرديئة، لأن الكتابة الرديئة مخلوق سردي يمارس الحياة، إنه يشبه الحشرات؛ ومهما وضعنا في الغابة ملايين الأسود فلن يكون بمقدورها التخلص من الحشرات! "الفاست فود" طعام له زبائنه. أنا شخصيا لا أحب "الفاست فود" وأدرك مدى ضرره، مع ذلك فلن أستطيع أغلاق المطاعم التي تقدمه، كل ما أستطيعه هو ألا أجهز "الفاست فود" في مطبخي.

تنوعت كتابتك بين القصة والرواية وحتى كتابة السيناريو أين تجد نفسك أكثر؟

أجد نفسي في العمل وقت مزاولته أيا كان نوعه؛ لقد كتبت أيضا للأطفال ولليافعة، وكتب المقالات الإبداعية. وجميع ما أكتبه في أي وقت وبأي شكل هو أنا، هو ذاتي بتفاصيلها العديدة ومكوناتها المختلفة ومراحلها المتطورة ومكتسباتها المتراكمة. لقد فضلت القصة القصيرة في شبابي، أنا بدأت قاصا بالأساس. وأزعم أن القصة القصيرة هي فن الشباب، روحها شبابية، القصة القصيرة تحتاج لمرونة الشباب ولياقتهم. الرواية أقرب للشيوخ. كلما كبر المبدع في السن مال إلى الرواية. الشيوخ لديهم رغبة أكثر في الحكي المستفيض، والرواية فن الحكي المستفيض، الشيوخ أيضا يحبون الحكي للأطفال واليافعة. ربما الروايات الآن أردأ لأن الشباب يكتبونها قبل أن ينمون بشكل طبيعي، يكتبونها قبل أن يقوموا بكتابة الفن الذي يليق بمرحلتهم العمرية، أقصد القصة القصيرة. وجهة نظر لا أعرف إن كانت صحيحة أم خاطئة. لكن هذا إحساسي.

يشهد لك في الساحة الأدبية المصرية أنك نموذج مختلف عن الكثير من الأدباء، من خلال ما تطرحه من آراء بصراحة وصدق، هل هذا كان لصالحك في زمن يقدس المجاملات و المحاباة؟

الظاهر للعيان أنه ليس في صالحي؛ لكني لا أشك لحظة في أنه لصالحي. لي قضية أضعها نصب عيني، هي: إن الكتابة تموت لو لم تصدر عن شخص مخلص. ولن تكون مخلصا إن وضعت المجاملات والمحاباة نصب عينيك. قد تربح بعض الجوائز والكتابات النقدية والمشاركة في المؤتمرات، لكن من قال إن الجوائز والكتابات النقدية هي هدف المبدع. المبدع رسول. دعيني أقول هذا: المبدع رسول. أقولها بعد أن آمنت بكل النحل الفنية القائلة بأن الفن كيت وكيت وكيت، حتى من قالوا إن الفن للفن. لكني أكفر الآن بجميع هذا وأجدني أؤمن بأن الفن رسالة والفنان رسول. وإذا كنت رسولا فلن يجمل بك أن تجامل أو تحابي. إن كنت رسولا فستلتقي القتلة أولا. لأن القتلة ينزعجون من المخلصين، يكفيني أن أنظر لنفسي بسعادة وأنا احقق خطوات إلى الأمام دونما أتعكز على مجاملة فلان ولا محاباة فلان ولا التطبيل لفلان. .

ما هي المعايير التي تعتمد عليها لكتابة أعمالك؟

نفسها المعايير التي يعتمد عليها أي مبدع في أي فن. المعايير الفنية الثابتة. أدوات الفن. وادوات الكتابة الإبداعية هي اللغة والأسلوب والحبكة والبناء. يجب أن تكون لدينا فكرة مختلفة. ويجب أن يكون لدينا ضمير يجعلنا ندرك أن الكتابة ليست وسيلة لتحقيق الشهرة أو الأموال. نرحب بالشهرة والأموال إن كانتا شيئا إضافيا . لكنهما ليسا أغراض الكتابة. أما المعيار الرئيس فقد ذكرته لك سيدتي قبل قليل: الإخلاص. إذا كانت الكتابة رسالة والكاتب رسول فأهم معيار هو الإخلاص الشخصي.

ما سر اعتزالك الكتابة الأدبية فجأة عام 2000؟

-مصرع الطفل الفلسطيني محمد الدرة في حجر والده برصاص الكيان الصهيوني المحتل على الهواء مباشرة. الجريمة التي نزعت ورقة التوت على الفعل الثقافي العربي وكيف أنه فعل انتهى إلى مجموعة من الجبناء والمرتزقة. لا الدم العربي همهم ولا الوعي العربي ولا أي شيء عربي. المثقفون العرب، ليس جميعهم بكل تأكيد، مهيؤون لبيع ما هو أكبر من القضية الفلسطينية. مهيؤون لبيع قضية العروبة ذاتها. ومن يقرأ التاريخ يعرف أن الأندلس سقطت بعد تخلي مثقفوها عن الوحدة وانغمارهم في الترسيخ للطوائفية. المثقفون العرب وقعوا في سحر الدولار. هكذا الدولار لم يعد يحرك السياسيين أو الاقتصاديين فقط. تركت الكتابة بسبب لكمة غير متوقعة انفجرت في وجهي. الآن أؤمن بأن ترك الحلبة خيانة. سأكتب لأن دوري في هذه الحياة الكتابة. ولن أتخلى عن دوري مرة أخرى مهما كانت اللكمات عنيفة وغادرة، أو من أي جهة صدرت. لن أفاجأ مرة أخرى. فلم أعد رومانسيا.

أضحت التكنولوجيا اليوم لغة العصر، أصبح الكتاب الالكتروني منافسا للكتاب الورقي، كيف تقيمون هذا الواقع؟

--لست منشغلا بهذا الأمر؛ ربما انشغل به الناشرون. وانا مطمئن، فالإبداع أمر بشري حيوي لا يمكن الاستغناء عنه، فإذا كان الأمر كذلك فلن يضيرني تحول وسيلة التوصيل من ورقي لإلكتروني. هذا يذكرني بالأوقات العصيبة التي تحولت فيها من الكتابة بالقلم على ورقة، وهي الطريقة التي كان لها سحرها المقدس، إلى الكتابة بلوحة مفاتيح على شاشة حاسوب إلكتروني. لكن حدث أنني اعتدت الكتابة الإلكترونية وصار لها سحرها المقدس. أما عن التقييم فأعتقد أن الكتاب الإلكتروني سيكون أفضل مستقبلا. ربما أرخص كثيرا، وكيفية الحصول عليه أسرع، وقد يكون هناك نظاما إلكترونيا يحفظ للكاتب وجهة النشر حقهما بدلا من تزوير الكتاب. أتخيل أن الكتاب الإلكتروني هو المصير، لأن العالم يتأكرن.

ما هي أبرز المشاكل والمعوقات التي واجهتكم خلال مسيرتكم الإبداعية والتي تحد من سعيكم في تحقيق عطاء أفضل؟

--بالنسبة لي كانت المشاكل والمعوقات دائما تعمل لصالحي، فأنا أعتبر المشاكل والمعوقات محفزات للتحدي. وإذا قرر المرء التحدي فإنه يقدم أفضل ما لديه. أؤمن أن قيمة النجاح تثمن بحجم المجهود المبذول. ونبذل مجهودا أكبر في كل مرة نواجه فيها مشكلة أو معوق. ثم إن المتعة لا تتحقق إلا بتجاوز الصعاب. كما أننا لن ننسى المقولة التي تشير إلى أن المعاناة هي ما يولد الإبداع. العطاء الأفضل يقدمه الإنسان الأفضل على كل حال.

مرت مصر بظروف عصيبة منذ اندلاع ثورات الربيع العربي مما دفع بالعديد من دور النشر إلى تجميد نشاطها أوالتوقف لحين مرور العاصفة. كيف أثرت هذه الأحداث على الكتاب؟

ثورات الربيع العربي نفسها أحدثت نشاطا كبيرا لصناعة الكتاب؛ في مصر مثلا أفضل مبيعات كتب كانت في 2012 وحتى 2014 أو 2015، أجواء الحرية والأمل تصنع رواجا على مستوى جميع المجالات . لا الكتاب فقط. لكن ما إن بدأت الأمور في الاختلال وطريق الثورة ينقطع ولا تتحقق النتائج المرجوة، بل يضرب المجتمع المصري زلزال الانقسام بين شعبين من الموالين والمعارضين، ثم تتضح الصورة وتنكشف عن أن الثورة أودت بنا إلى حال سياسي واجتماعي واقتصادي أسوأ بكثير مما قمنا بالثورة ضده، فضرب الإحباط الناس، وعانت مصر من أكبر نسبة انتحار لمواطنيها، ومن يواصل الحياة يفعل ذلك لأنه ليس أمامه شيء سوى المواصلة، الحالة النفسية صارت أسوأ من يسعى أصحابها لقراءة الكتب أو مشاهدة الأفلام، هذا بالإضافة لتغول جوجل ويوتيوب وغيرهما من مكونات شبكة المعلومات الإلكترونية، هكذا بدأت صناعة الكتاب في الانحدار؛ ضيفي لجميع ما سبق مستوى المنتج نفسه، وانحدار قيمة الأعمال الأدبية المعروضة. الأزمات الاقتصادية التي تعرض لها المواطن المصري بسبب التعامل مع صندوق النقد الدولي. هذا غير أن مكتبة كبيرة بحجم مكتبات "ألف" تعرضت للإغلاق بسبب ما قيل من أن صاحبها له انتماءات إخوانية.

ماذا عن تداعيات وآثار الثورة على أعمال أشرف الخمايسي؟

بمجرد أن قتل محمد الدرة في حجر والده برصاص المحتل على الهواء مباشرة تركت الحركة الأدبية. كان ذلك في شبابي. وربما لو حدث هذا الانتكاس العظيم لثورة 25 يناير في شبابي لبادرت بترك الحياة بين البشر وانعزلت في الصحراء. لكني الآن تجاوزت الخمسين عاما، اكتسبت من الخبرة الحياتية ما يمكنني من التعامل مع محبط بحجم فشل ثورة. أنا أقول لنفسي إننا لم نفشل. لأننا لم نبدأ بشكل صحيح. أنا أزعم أن ثورة 25 يناير ثورة مصطنعة مثل 30 يونيو بالضبط. شاركنا فيها بإخلاص. لقد أراد لنا طرف ما داخل المطبخ السياسي المصري أن نسقط حسني مبارك فهيأ لنا الطرق لذلك، وهيأ لنا طرق التخلص من المكتسبات بإشعال 30 يونيو. ثم لما حقق أغراضه أغلق الميادين وقال: انتهينا. لن نسمح بتكرار ما حدث. أما انا كمبدع فلن أنتهي، فإذا أغلقت الميادين تبقى الصفحات مفتوحة. "جو العظيم" ثم من بعدها "خروف وكلب" روايتان من تداعيات وآثار الثورة.

كيف يمكن حسب رأيك للمثقف العربي أن يواجه إفرازات العولمة؟

أولا عليه ألا يرحب بها؛ في حين لدينا نخبة المثقفين، وفي أماكن القيادة منهم يرحبون بالعولمة، ويعملون على الترسيخ لها. وأنا أفهم أن هذا قد يكون مقبولا لو كانت العولمة منتجا فكريا عربيا أدعو إليه، لو كنت صاحب الفكرة وأرغب في أن يصير من حولي يشبهني. لكن لا أفهم كيف يمكن لشخص القبول بشيء سيجعل منه مسخا! العرب من المحيط للخليج أمة عظيمة، جغرافيتهم معبأة بتاريخ أمم عظيمة قادت العالم القديم، من العسير عليهم أن يكونوا مسوخا. إن تمسك الشعوب العربية بتقاليدها وعاداتها وعقائدها أراه الآن أداء عبقريا لمواجهة العولمة. والمثقف العربي سيواجه العولمة حين يؤمن بقوته. ولا ينخدع بفكرة أنه الان هش وضعيف في أمة هشة وضعيفة. الأمة العربية الآن لا هشة ولا ضعيفة. كيف تكون هشة وضعيفة ولها جميع هذه التأثيرات على السياسة والاقتصاد الدوليين! لكن إذا كانت الأمة العربية لا هي هشة أو ضعيفة فهي أيضا ليست قوية. لكن لدينا كل عوامل القوة فيما عدا المثقف الذي يؤمن بذلك.

ماهي أوجه تضحيات المثقف العربي في سبيل تحقيق الحركة الفكرية؟

لو عرفنا ما الذي يمكن أن يبيع المثقف العربي مبادئه من أجل الحصول عليه سنعرف أوجه التضحيات. كان الاحتلال بالقوة العسكرية وسيلة من وسائل السيطرة على بلد ما من اجل ابتزازه اقتصاديا. هذه الطريقة انقضى أوانها. ولم تعد مناسبة لا من حيث الكلفة ولا من حيث التوجه الحضاري العالمي. لكن فكرة الاحتلال تظل باقية. وإذا كان بإمكان المحتل تشتيت إيمانك بذاتك وهزيمتك ثقافيا لصالح الإيمان بمكوناته الحضارية والثقافية ومن ثم ابتزازك للنهاية فلماذا لا يفعل ذلك؟ إنه سيفعل بكل تأكيد، تنفيذ هذا لا يحتاج سوى لمجموعة من مثقفي البلد المستهدف، النخب، وإغرائها بمغريات مجزية مادية ومعنوية، لتنشر ثقافة المحتل بين أهل البلد المستهدف. ولأن الحرب خدعة، فإنهم في سبيل ذلك سيرفعون لافتات إنسانية براقة، عليها شعارات لا يختلف حولها اثنان، من مثل: تحرير المرأة. أو: تجديد الخطاب الديني. أو: محاربة الإرهاب. وستجد أن النخب دائما ما تضع الغرب نصب عيني من تخاطبه باعتباره النموذج الأمثل لتقليده. وهكذا يمضي شعب الدولة المستهدفة إلى شبكة العنكبوت بقدميه. على المثقف الحقيقي أن يهتم بمواجهة الاحتلال أيا كان شكله. والمثقف الحقيقي هو القادر على التضحية من أجل ذلك. وطنه ومعتقده أهم لديه من الأموال والذيوع والانتشار.

كيف تقيمون المشهد الثقافي العربي بعد الضجة الإعلامية التي تثيرها بعض الكتابات الأدبية لنيل الشهرة؟

الخطورة المحدقة بالمشهد الثقافي العربي ليست الضجة الإعلامية التي تثيرها من فترة لأخرى كتابات زائفة. الخطورة الحقيقية هي ذلك التوجه الذي يراد للثقافة العربية المضي نحوه. سلها من جبتها العربية ووضعها في بذلة غربية. الكتابات الحقيقية التي تشير إلى أخطائنا وتلفت انتباهنا للحلول لا تجد طريقا معبدا مثل تلك الكتابات التي لا تهتم بغير التاريخ والتصوف. انظري إلى ما تصعده لنا جوائزنا العربية من أعمال روائية لتدركي حجم الكارثة؛ معظم الروايات الفائزة مفارقة للواقع وموغلة في التاريخ أو التصوف. لن تجدي عملا حقيقيا في مضمونه، لكنك ستجدين أعمالا تقدم عوارنا، والغرب يتلقف مثل هذه الأعمال، كأنه يراد لنا أن نبقى في حالة البكاء على اللبن المسكوب، وأنت نتلفع بالانهزامية. يراد لنا أن نرى أوطاننا العربية سيئة، حتى ريادتنا التاريخية الحضارية القديمة العظيمة ينخرون الآن فيها لهدمها، لتكون بلا تاريخ فلا يكون لك مستقبل. وهناك دائما المثقفون الأدوات الذين لا يتورعون عن القيام بهذا الدور التخريبي في مقابل أموال أو ترجمات أو جوائز أو خلافه من الحصاد المر.

رشحت أعمالك اكثر من مرة لجائزة البوكر لكن الحظ لم يكن حليفك، لماذا؟

لا أعرف السبب؛ والمفروض أن الحظ أبعد ما يكون عن نتائج المسابقات، لأن التحكيم يعتمد على قواعد الفن المُحكَّم. هكذا لا يكون للحظ دورا في فوز أو خسارة عمل أدبي ما. لكن الأمور في بلادنا لها معايير أخرى ربما، ومهما وجهت من إدانة لها فستجدين من يقول: إن الخمايسي يقول هذا لأنه لم يفز. لذلك سأتوقف عند هذا الحد ولن أستفيض في شرح مثالب جوائزنا العربية الكبرى تحديدا. لكن ما أؤكد عليه هو أنني لم أعد راغبا في المشاركة مرة أخرى برواياتي. "جو العظيم" لم تتقدم لأي مسابقة، وكذلك سيكون الأمر مع "خروف وكلب".

هل ترى أن "تسونامي" الجوائز الذي اجتاح مجال الرواية دون غيرها من الفنون الأدبية الأخرى هو في صالح الكتاب الشباب لتحفيزهم لتقديم الأفضل؟

نعم؛ فكل كاتب يرغب في الفوز، وهو يعرف أنه إن لم يكتب الأفضل فلن يفوز. لكن النتائج صارت مؤسفة. إن متابعات البوكر، على سبيل المثال، تؤكد على أن الأسوأ هو ما يفوز حاليا. والحقيقة أن هذا الأسوأ ابتدأ بفوز كاتب شاب اسمه سعود السنعوسي برواية ضعيفة اسمها "ساق البامبو"، بعدها صار حال البوكر لا يسر عدو ولا حبيب. وفقدت كثيرا جدا من جماهيريتها. خصوصا وأنه مؤخرا وفي كل دورة لها تنبعث من مطبخها روائح طبيخ فاسد.

هل لديكم اطلاع على بعض الأسماء الجزائرية؟

أنا بالأساس لا أقرأ روايات أو أعمال أدبية بشكل مكثف؛ مع ذلك فقد قرأت رواية لا أتذكر اسمها لكاتب جزائري اسمه العرعار. وقرأت رواية بديعة للمبدع الجزائري الكبير الطاهر وطار اسمها "اللاز" . وتصادف أن الروايتين كانتا تتناولان فترة التحرير. وفهمت منهما كيف أمكن للجزائر أن تلتأم بسرعة بعد العشرية المقيتة. رغم أن الروايتين تدوران في فترة زمنية سابقة لأحداث العشرية. الشعب الجزائري يتمتع بالقدرة الهائلة على الغفران. هذا ما لمسته في رواية العرعار وفي رواية وطار. وأعرف من الأدباء الجزائريين بشكل شخصي محمد جعفر، وقد التقيته في معرض القاهرة الدولي للكتاب وفي سبيلي للقراءة له ولغيره من المعاصرين. نحن نحتاج لمزيد من الالتحام.

ماذا يحضر أشرف الخمايسي لقرائه مستقبلا؟

الآن انا منشغل بمشروع أراه مهما، ولن أستطيع الكلام عن تفاصيله الآن، لكنه ليس مشروعا روائيا. سأتوقف لبعض الوقت عن كتابة الروايات وسأتجه وجهة أرى أن ساحة الأدب العربي تفتقدها بشدة.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة