"أعمالي نتيجة حتمية لتزاوج ثقافتين هما العربية والإسبانية"
الكاتب والشاعر العراقي، عبد الهادي سعدون صورة: أرشيف
01 جويلية 2019 حاورته سهيلة بن حامة
حاورته سهيلة بن حامة
6729

الكاتب العراقي عبدالهادي سعدون في حوار حصري لـ "صوت الأحرار":

"أعمالي نتيجة حتمية لتزاوج ثقافتين هما العربية والإسبانية"

ولعه بالأدب جعله يهتم أكثر بثقافات المتوسط وشق طريق البحث عن تقديم الأفضل في مجال اعتنقه منذ تعلمه أبجديات اللغات الأجنبية على غرار الإسبانية التي تكللت بحصوله على دكتوراه من كلية الأدب والفلسفة من جامعة مدريد أوتونوما، عمله بالتدريس، الترجمة والنشر ساعده على اقتفاء وبخطى ثابتة رواد الأدب العالمي فترجم لبورخس ولوركا وماتشادو ودون خوان مانويل، إنه الكاتب العراقي عبد الهادي سعدون ابن بغداد العريقة الذي ترجمت أعماله التي تتنوع ما بين الشعر، الرواية والترجمة إلى الاسبانية، الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الفارسية، الكردية، التركية، الكاتلانية، الغاليثية، الإيطالية، المقدونية، الصربية.


في حوار حصري خَص به "صوت الأحرار" يثير صاحب "الكل يكتب عن الحب إلا أنت" العديد من القضايا التي صنعت منه كاتبا لا تشده الحدود الجغرافية للإبحار في الأدب العالمي الذي ارتوى من منابعه ليكون أحسن سفيرا لبلده خصوصا والوطن العربي عموما.

هل اختارك الشعر أم أنت اخترته؟

أعتقد إن للشعر مجسات في جهاته المختلفة، أحياناً تصيب وأحياناً أخرى تفشل. ربما كنت من المحظوظين أن طالتني وأرقتني وعلمتني على مدى أكثر من ثلاثين عاماً بكتابته والمرور بين أعتابه ومحاولة التطاول لطرق أبوابه. أعتقد أنني بدأت كتابة الشعر والقصة في آن واحد، والحقيقة أنني اخترتهما منذ وعيت على القراءة ومحاولة تشكيل ذائقة قرائية ونقدية معينة.

يتميز شعرك بالعمق والإيحاء، ما هي مصادر إلهامك؟

إحيل الإجابة دائماً للقراءة متعددة الوجوه والأجناس. كنت وما أزال قارئ أكثر مني كاتباً، وهذا ليس تبجحاً أو تنصلاً من شيء، بقدر ما أجيب على مصادري القرائية وهي في الواقع كثيرة، أولها التراث العربي الذي لا أمل من التمعن به ومراجعته في كل قراءة جديدة، ومن ثم يضاف له منابع الأدب العالمي كله من آداب روسيا واميركا اللاتينية. ولعل قربي من الإسبانية ما أتاح لي التوصل لقراءات أخرى لم أجدها في المكتبة العربية. أنا خلاصة ما قرأته وأقرأه كل يوم ومدين للقراءة بكل أنواعها لما أكتبه وكتبته. شعري نتيجة حتمية لتزاوج ثقافتين هما العربية والإسبانية.

ماذا تمثل القصيدة لديك؟

القصيدة هيكل البناء الأدبي في كل نتاج الشعوب قاطبة. الشعرية قطب أساس في تكوين حضارة كل أمة، والأمم غير الشعرية لا ينبني لها أثر ثقافي وأدبي مهم.

كانت لك مشاركة مميزة من خلال إصدارك الجديد "الكل يكتب عن الحب إلا أنت" في معرض الكتاب بمدريد مؤخرا حدثنا عن هذا الإصدار وأجواء المعرض؟

الكتاب مر على إصداره عام كامل وقد كتبته كاملاً بالإسبانية في أول تجربة لكتاب كامل لي بالإسبانية، إذ سبق وأن كتبت نصوصاً قصيرة بالإسبانية لم أنشرها في كتاب بعد. الحق إنها تجربة جميلة في دلالاتها ونوعاً من التحدي بالكتابة بلغة مكتسبة، لكنني وجدت نفسي في نصوص هذا الكتاب بالذات أدونها بالإسبانية عوضاً عن العربية. والإقبال كان ممتازاً لكتاب أول وكتاب شعري والناشرة أخبرتني بأن نسخ الكتاب قد نفدت وهي في طور تجهيز الطبعة الثانية.

إلى أي مدى استفدت من دراستك بمدريد وإتقانك للغة الإسبانية؟

الإسبانية وحياتي في إسبانيا كونتني كلياً دون الهروب أو التنصل من جذوري العراقية. الدراسة طورتني أكاديمياً وفسحت لي المجال أن أبحث بعمق وتواصل دائم مع المستجدات في الأدب واللغة، وإتقان لغة أخرى غير اللغة الأم معناه توسيع المدى الفكري والتواصل مع الآخر بشكل أكثر عمقاً وتماثلاً.

أين يجد عبد الهادي سعدون ضالته للتعبير عن ما يختلج ذاته أكثر في اللغة العربية أو الإسبانية؟

ما زلت مصراً على كوني كاتباً بالعربية وهذا ما أشعر به حقيقة حتى لو كنت قادراً على الكتابة بلغة أخرى مثل الإسبانية. ربما هذا نابع من شيء ذاتي داخلي لا إرادي. على أية حال أشعر بالحرية الأكبر بالعربية، ولكنني لا أغلق باب الإسبانية والتي أعود لها بين حين وآخر عندما أجد ضرورة لذلك.

خوض غمار الترجمة جعلك تدخل عالم الأدب من بابه الواسع، هل تعتبر بالنسبة إليك هذه التجربة همّا يوميا وشأنا شخصيا؟

الترجمة معادل إضافي لتكويني الأدبي، وأجد فيها فرصة للتعمق بالقراءة والتعرف على الجديد، وأيضاً لنقلها للقارئ العربي الشريك معي فيها. لا أعتبر نفسي محترفاً بل هاوياً وما أزال أنقل الكتب التي أشعر بالرغبة لنقلها إلى العربية وأعتبرها ضرورية. كمترجم أقوم بنقل الكتاب التي أحببتها أثناء قراءاتي، وليتني أستطيع نقل الأكثر مع مرور الوقت.

يقال أن الترجمة الجيدة لا تعني التمكنّ من اللغتين فحسب، لكن على المترجم أن يكون واعيا بالعوالم التي تكوّن فيها النص الأصلي،  وتوطين النص المترجم معتمدا على جماليات اللغة المترجم إليها ،هل عبد الهادي سعدون  يراعي هذه المعايير؟

الترجمة ضرورية ونافعة ومهمة على الرغم من علاتها وما يمكن أن يؤخذ على المترجم والترجمة نفسها. وأعتقد أن على المترجم أن يكون واعياً بخصوصية النص المنقول وجماليته الخالصة وإلا بالفعل يبقى النص المنقول ميتاً لا حياة فيه كما عليه في لغته الأصل. المترجم، أو على الأقل هذا ما اعتقده، شريك بصياغة نص بلغته الأم ما يشبه الأصل بلغته الأخرى. النجاح أو الفشل خيط ضئيل ودقيق جداً.

تشهد حركة الترجمة إلى العربية نشاطا هاما في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد الترجمة تكتفي بالأدب العالمي، ويبقى الرهان الأول  على عاتق الناشر والمترجم، لإستقدام ما هو جديد ومختلف لشد انتباه القراء؟

الترجمة في عالمنا العربي تشهد أكبر حركة ترجمة منذ فترة العشر سنوات الأخيرة، وهذا نافع ومفيد في دفع الحركة وتنشيط دور النشر للبحث عن أسماء جديدة ومواكبة الحركة الترجمية في العالم، وهذا بحد ذاته معناه نشاط ترجمي أكبر في الدول العربية وبروز أسماء جديدة. كل هذا منشط للحركة الثقافية، فالاطلاع والمواكبة والتواصل من خلال الترجمة يجعلك في صف اللغات الأخرى من حيث التواجد والأهمية.

يختلف الكتاب في صياغة نصوصهم، منهم من يكتب ما يرضي قناعته الفكرية ويلبّي حسه الإبداعي ماهي الخلطة السحرية لعبد الهادي سعدون؟

أكتب بشعور منْ يكتب وكأنه يكتب نصه الأخير. أحاول في كل كتاب أن أمنحه كل ما عندي حتى لو بقيت بلا شيء لكتاب قادم. وهذا الشعور مواكب لي في كل كتبي الجيدة أو السيئة فأنا مجموع ما كتبت وهي ملخص لحياتي بصورة وأخرى.

ما رأيك في نقاد اليوم؟

النقد مهم وضروري حتى لو لم يكن مواكباً بدرجة كبيرة لتصاعد موجات الأدب العربي المعاصر. أعتقد أن أدباً دون حركة نقدية محلية وإقليمية لا تجد نجاحها الحقيقي. لو وجدنا حركة أدبية متألقة فعلاً ستجد بجانبها نقادها وحركتها النقدية، خلاف ذلك تصبح العملية محض دخان في ليلة معتمة. مع ذلك ما أطلع عليه من حركة نقدية وهي قليلة في عالمنا العربي، فهي حركة مواكبة للتغيرات الثقافية وتكاد تلمس بشكل وآخر ملامح وسمات الحركات الثقافية المتسيدة على سطح ثقافتنا المتغيرة بشكل متسارع.

ألا ترى أن الكتاب الشباب اليوم سقطوا في فخ التسابق على الجوائز وتقديم الكم دون النوع ما أثر سلبا على كل الأجناس الأدبية خاصة الرواية في غياب الإبداع؟

الجوائز ليست سيئة بحد ذاتها، بل تعني دافعاً للكاتب وتأطير لمشروعه ومنحه تعريفا ما بين القراء والنقد. السيء في الأمر هو التكالب والوقوع في فخ الكتابة لغرض الحصول على جائزة بعينها. الكاتب يجب أن ينتبه أول الأمر لما يريد أن يقوله ويدافع عنه ويسطره بشكل متميز في كتابته، ومن ثم ليترك الأمر للقراء والنقاد بإبداء آرائهم. جل ما يتمناه الكاتب برأيي الشخصي هو إقناع القارئ بأهمية ما يكتب وأهمية مشروعه الثقافي، أما الزيادات الإضافية ومنها الجوائز الأدبية فتأتي أو لا تأتي كمكمل للعملية لا غير.

لقائك بالروائي الإسباني بيلا ماتاس  في معرض الكتاب في مدريد مؤخرا توج بمشروع  ترجمة روايته الفريدة "بارتلبي وصحبه "هل سيكون مشروعك الجديد في مجال الترجمة؟

الحقيقة أن لقائي بالروائي بيلا ماتاس ليس جديداً فأنا أعرفه منذ فترة بعيدة ومطلع على نتاجه الروائي وسبق وأن ترجمت له روايته المهمة "بارتلبي وصحبه "،لكن لقائنا وجهاً لوجه لم يكن إلا منذ فترة قصيرة في معرض كتاب مدريد. هذه النوعية من الكتاب الجادين بمشروعهم الروائي تشعر معهم بأهمية الكتابة كتعويذة بشرية بالضد من النسيان وأهميتها لإنقاذ البشرية والبحث مع النفس عن حلول لأزماتنا المتفرقة. بيلا ماتاس مثل خوان غويتسولو و خابير مارياس وأسماء أخرى هم طليعة الرواية الإسبانية ومسيرتهم الكتابية تنفع كضوء مستنير لفهم إسبانيا والروح الإسبانية خاصة.

تواجدك في العاصمة الإسبانية فتح لك أفق متنوعة لخوض تجارب جديدة من خلال مشاركتك في العديد من النشاطات؟ كما كانت لك مشاركة في المهرجان الدولي للشعر بمدينة غرناطة العريقة قبل فترة قريبة؟

مدريد مركز تحركي الأدبي وهي المدينة الحاضنة لي منذ عام 1993 حتى اليوم. فيها أجد نفسي أكثر من أية مدينة أخرى وفيها تتشكل رؤيتي ومناخي وعوالمي الشخصية منها والروائية. لا يمكن فهمي أو فهم كتاباتي بمنأى عن مدريد أو إسبانيا عموماً. وعبر تواجدي أتيح لي التواصل مع الآداب الإسبانية بشخص كتابها أو مهرجاناتها وملتقياتها، ولا يمر شهر دون أن تكون لنا مشاركة في فعالية في مدريد ومدن إسبانيا الأخرى كما عليه غرناطة اتو قرطبة او إشبيلية التي زرتها تباعاً في الأشهر الأخيرة. أعتقد أن تواجد الواحد منا في مدينة أوربية ولا يهتم وينتبه لعوالمها الفنية والثقافية والمساهمة فيها إنما يعد وجوده منعدماً وبلا قيمة وخسارة فادحة. البشر نتعلم من التجارب والتواصل والمشاركة.

لمن ترجم عبد الهادي سعدون؟

القائمة طويلة وتصل إلى أكثر من ثلاثين كتاباً أغلبها في الشعر والرواية والدراسات الأدبية وهي لأكثر كتاب إسبانيا وأمريكا اللاتينية أهمية مثل بورخس ولوركا وماتشادو ودون خوان مانويل وأسماء أخرى. بعد هذه السنين الطويلة من المران على الترجمة وتقديم ما رأيته نافعاً للقارئ العربي، ما يشغلني في الفترة الأخيرة هو التركيز على الفلكلور وآداب الأقليات والدراسات الأدبية فيها.

البيت العربي فضاء يلم شمل المثقفين في إسبانيا هل استطاع أن يخفف عليك وجع الحنين إلى وطنك الأم العراق؟

البيت العربي مؤسسة رسمية إسبانية من ضمن مراكز ثقافية مختلفة، والمركز يركز على كل ما له علاقة بالعالم العربي من ثقافة ومجتمع وسياسة. لعله حتى اليوم أهم مركز يقوم بدور حيقي وملحوظ خلافاً لكثير من المراكز الثقافية العربية السابقة والحالية المتواجدة حتى اليوم. علاقتي بالبيت العربي علاقة كاتب من أصول عربية يجد مكانه لتقديم كتبه وآرائه ومحاضراته فيه، إضافة إلى الدور التطوعي للتعريف بالأدب العربي وتقديمه ضمن برامج وعروض مستمرة. في هذه النقطة يشكل البيت العربي مركزاً ضرورياً لمراجعة الذات وعلاقتها بالعرب الآخرين والإسبان المهتمين بالثقافة والآداب العربية عموماً، وهذا مهم وفاعل لا سيما لأشخاص مثلي تركوا بلدانهم منذ فترة بعيدة.

لمن تقرأ للكتاب الجزائريين؟

قرأت وأقرأ للعديد من الكتاب منذ كاتب ياسين حتى أصغر كتاب الجيل الجديد. قرأت أعمال آسيا جبار ورشيد بوجدرة وواسيني الأعرج وعمارة لخوص وفضيلة فاروق وفيصل الأحمر.

ماذا تحضر لقرائك؟

لا أخطط لكتبي فهي تأتي في وقتها حتى لو تأخرت كثيراً. أنجزت رواية جديدة أسمها "تقرير عن السرقة" أنهيتها عام 2016، ستصدر في غضون هذا الصيف عن دار نشر عراقية. كما أنني مستمر بكتابة القصص ولعلي أنشر مجموعة العام القادم. هذا يضاف للكتب البحثية التي أسعى لنشرها سواء بالعربية أو الإسبانية عن قضايا الثقافة والأدب ما بين العرب وإسبانيا.

رأيك في الموضوع

التعليقات ملك لصاحبها ولا تخص الجريدة