وداعا د· فؤاد فلیاشی
نذیر بولقرون
488

وداعا د· فؤاد فلیاشی

دعني، أیها الراحل العزیز، أن أعتبر نفسي صدیقا لك، حتى وإن لم تسمح لنا الظروف أن نلتقي أو أن نتعارف عن قرب، مع أننا كنا أكثر قربا، من خلال عدید المشتركات التي تجمع بیننا·


نعم، أیها الصدیق، لم ألتق بك یوما، لكني كنت ألتقي بك في كل یوم، من خلال منشوراتك التي كانت تصلني، وكنت أجد فیها ما یروقني وما یزید ارتباطنا معا بوطننا الجزائر ومدینتنا بسكرة·دعني، أیها الصدیق، أعود بك قلیلا إلى رسالة كنت أرسلتها لك قبل مدة، قلت فیها: "لن تضیف رسالتي هذه إلى شخصكم الكريم شیئا كبيرا، من حیث أن مكانتكم المحترمة، التي تحظون بها في مختلف ربوع ولایة بسكرة تحدیدا، لم یتبرع بها أحد علیكم، بل هي جائزة مستحقة، نظير ما تبذلونه من جهد خارق وما تقومون به من أعمال مشهودة، للتعریف بما تزخر به بسكرة من كنوز تاريخیة وثقافیة، والترویج لما تستند علیه من عراقة وأصالة وجمال وسحر ودفء انساني·

إن ما تقومون به منذ سنوات یسجل لكم في الذاكرة الجماعیة للمنطقة، لأنه یتصل بإبراز صورة بسكرة قديما وحدیثا، وما ساهم به أبناؤها، على تعاقب الأجیال، في مسيرة الزمن، ویكفي أا كانت ولا تزال معقل العلم والعلماء وحضن الشعر والشعراء، ملهمة المبدعين والفنانين ومقصد كل باحث عن الجود والكرم وجمال الطبیعة الفتان وتمور دقلة نور الشهیة·

إنكم تكرسون جهدكم وقلمكم، من أجل إعادة قراءة صفحات تاریخ بسكرة، إبداعا ورموزا وفنا وتراثا وجهادا ومعالم سیاحیة وآثارا تاريخیة، ولكم أن تتأكدوا بأن هذا الإنجاز الهام عمل جدیر بالتنویه وتستحقون علیه كل الشكر والتقدیر، خاصة وأنه یبرز وجه بسكرة الحقیقي، وهو الجمیل بكل المقاییس، ویزیل الستار على معالمها الضاربة بجذورها في عمق التاریخ، كما أن ما تنشرونه یكرس قیمة الحوار والفعل التواصلي، دون عنف أو تنافر·وإذا كان هناك من يحاول استهدافكم، من ذوي النفوس المریضة، المسكونة بالغيرة القاتلة، فلا علیكم وأنتم أعلم بأن الشجرة المثمرة هي التي تلقى علیها الحجارة، أما الأواني الفارغة، فهي لا تصلح إلا للضجیج وذلك هو حال ذوي العقول الفارغة، ولكم أن تثقوا، بأن ما تنشرونه على صفحتكم العامرة والمفیدة، هو زاد وفير، ذو قیمة ثقافیة وفكریة وتاريخیة، لا ینكر أهمیته إلا حاقد جحود أو جاهل جهول، على منوال الذین أصابهم الرعب وصوبوا نحو شخصكم سهامهم، حتى وإن كانت من ورق، ولذلك واصل مهمتك النبیلة ودعهم يموتون بغیظهم·

إن كلمتي هذه، وهي صادقة ومخلصة، لا أبغي منها سوى أن أشد على أیدیكم، دعما لكم في مواجهة "الرؤوس" الفارغة التي لا تنتج إلا الجهل والحماقة، وشحذا لعزيمتكم في مواصلة رسالتكم الرائدة·

وكما تعرفون، یا سي فؤاد، فإن أصحاب الرؤوس الفارغة یولدون بغبائهم قدرا من الفوضى والخراب، أما الرؤوس العامرة بالحكمة والمعرفة والتواضع، فإنها لا تنتج إلا العلم والحب والعطاء الخلاق·تحیاتي الصادقة لك، وأرجو أن تكون هذه الكلمة تعویضا عن تعارف بیننا لم تسمح به الظروف والأیام·

وكیف أنسى، أیها الراحل العزیز، اهتمامك الكبير، الذي كنت تولیه لثورة الزعاطشة، فكنت المتابع لكل ما ینشر عنها، وكان یصلني تباعا، تثمینا منك لهذه الثورة وقائدها ااهد الشیخ بوزیان، وإنك تتذكر جیدا المعركة التي خضناها معا، إلى جانب إخوان لنا، من أجل استرجاع جماجم شهدائنا الأكرمين، الموجودة بمتحف الإنسان بباریس·

أجل أیها الصدیق، كنت ألتقیك یومیا عبر صفحتك، وكانت طلتك تصلني حیثما كنت، مرفوقة بمتابعتك الحثیثة لتفاصیل الحراك الشعبي في سلمیته وحضاریته ومطالب الشعب المشروعة في بناء جزائر جدیدة·إن صورك رفقة كريمتك الدكتورة نسرین، وهي تتحصن بالرایة الوطنیة، وأنتما ترافقان الحراك كل یوم جمعة، ستبقى مطبوعة في ذاكرة كل الذین رافقوك في هذا المشهد الشعبي الرائع، وها هو الحراك في جمعته السادسة عشر یفتقدك·ودعني، أیها الراحل العزیز، أبوح لك بسر، حتى وإن كان بعد فوات الأوان، وهو أني قبل أیام فكرت في الاتصال بك، لكي نتواصل فكریا ونتعمق في الحوار حول الحراك، خاصة وأنك قد سجلت حضورك ادي في كل یومیاته، لكن أمنیتي لم تتحقق، فقد كان الموت أسبق، ولا حول ولا قوة إلا باالله، واالله أكبر·

ماذا أیضا، أیها الصدیق، وددت أن ألتقي بك، لما تتمیز به من خلق وتواضع وثقافة، ولما هو مشهود عنك من فضائل كثيرة، ویكفي أن أحد الإخوة، كان يحدثني عنك، ونحن نودعك الوداع الأخير، بینما كانت عیناه مسكونة بالدمع، قال لي :" كلما لجأت إلى سي فؤاد، كنت أجد لدیه القلب الطیب والمساعدة الكريمة، لقد كان كريما لا یرد سائلا ولا محتاجا"·

وتأتي كلمة الختام، أیها الراحل العزیز، إا سنة الحیاة، فلكل بدایة ایة، وما عساني أن أقول لك، وأنت الآن في دار الخلود، هل أعزي أسرتك الكريمة، أهلك وأصدقاءك،، إن كلمات العزاء لا تعوض خسارتنا الكبيرة، برحیلك، وإن أكثر ما یعوضنا أن بعض الناس یعیشون وهم أموات والبعض يموتون وهم أحیاء، وقد اخترت أن تموت حیا في ضمير كل الذین عرفوك··· فرحمك االله ووداعا دكتور فؤاد فلیاشي·

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة