من يريد إشعال النيران في الدار!
خليفة بن قارة
1192

من يريد إشعال النيران في الدار!

وَرِثت السنة الجديدة، أثقال السنة المنصرمة ومتاعبها ومخاطرها أيضا، وراحت تتعثّر في بداية أيامها الأولى، فالعشرات من الشبان الجزائريين- وهو عُدّة المستقبل- مازال العشرات منهم، يُفضِّلون الموت في أعماق البحار، طمعا في حياة أفضل، عن العيش بما يُشبِه الموت، في شوارع بلادهم، أو تحت حيطانها، والأطباء المقيمون ما زالوا مُضربين، وهم مُصِرون على افتكاك حقوقهم، دون أن يُستجاب لهم، رغم أن الجميع يُقِر بشرعية تلك المطالب، ورغم أن الوزارة تقول، إنها منفتحة للحوار بشأن كيفية تنفيذها، وأساتذة التعليم الثانوي، تركوا- بإضرابهم- بصمة، تؤشِّر على أن المرض الذي أصاب المنظومة التربوية خطير جدا، وما كادوا يعودون إلى أقسام الدراسة، حتى لاحقتهم الوزارة بمشكلٍ آخر، أدخلتهم فيه، وهو خصم أجر شهرٍ من المدة التي أضربوا فيها، وكأنها تدعوهم إلى العودة إلى الإضراب، وتلاميذ الثانويات، شدُّوا انتباه العقلاء، لما يمكن أن يحدث لو انفلتوا، بخروجهم إلى الشارع مطالبين بعودة أساتذتهم، الذين فصلتهم الوصية، أما طلاب المدارس العليا للأساتذة، فهم في إضرابهم نسْيٌ مَنْسِيّ رغم أنهم مضربون منذ أشهر، وكأنهم خارج الزمن الجزائري، وربما الأخطر، ما يعتزم زعماء الطوارق، القيام به من احتجاج، تقول المعلومات الواردة من أعماق عمقنا الجغرافي والتاريخي، إنه سيكون في النصف الثاني من هذا الشهر، والذي يجمع ممثلي القبائل الصحراوية، الذين قال متحدِّث باسمهم، إنهم يتوجّهون بمطالبهم المُستعجلة، إلى السلطات المركزية مباشرة، ويطالبونها بتلبيتها .

إن كل هذه الوقائع، تُعتبَر مؤشِّرًا لا يُخطئ، على حالة الهشاشة التي وصلها الأداء السياسي، للجهاز التنفيذي، فهل تحوّلت المشاكل الاجتماعية، التي تراكمت في كلِّ قطاع، إلى مشاكل سياسية جعلت الحكومة عاجزة، وحشرتها في وضْعٍ لا تُحسَد عليه، أم أن هناك مَن ينفخ في رمادٍ ما زالت ناره خامدة، بعدما استعصى نشْرُ الحرائق في الجزائر، التي تخطّت إلى حدّ الآن، كل الأعاصير التي ضربت العديد من الدول العربية، وأسقطت بعضها ؟ لا شك أن هناك من البلدان الأجنبية، مَن ينتظر فقط اللحظة المناسبة، للانتقام من هذا البلد الكبير، حسَدًا أو طمَعًا أو ثأرًا لتاريخٍ قديم، ولكن أليس بيننا مَن يساعد أولئك، غباءً أو سوءَ تسييرٍ أو عمالة، بسبب الو لاءات للأشخاص قبل الولاء للوطن، لا يهم، إنه يعمل على زرع ميكروب إضعاف مناعة المجتمع والدولة معا ؟ إذا كانت هناك حقوق مستحقة، تُقِرُّها القوانين، لصاح مختلف مكوِّنات المجتمع، فلِمَ لا يأخذها أصحابها تلقائيا، كما هو الحال في المجتمعات الراقية المتطوِّرة، وذلك قبل أن ينتفضوا فيما يمكن أن يُصبح فوضى منظمة، ولِمَ يتم حجبها حتى يخرج هؤلاء وأولئك، فيما يُشبِه الثورة، إما بقطع الطرق وتعطيل حياة الناس، وإما باحتلال الفضاءات العامة وخلق التوترات، وإما بالإضراب الذي تتجاهله الوصاية، حتى يتحوّل إلى أذى، تتعدّى مضاره القطاع المُضرِب ؟

إن منسوب الفساد الذي طغى، على معظم قطاعات الدولة، يكاد يجرف كل ما بناه الجزائريون، منذ استرجاع دولتهم، والخشية الكبرى، أن يتم شيئا فشيئا، تفكيك النسيج الاجتماعي، وتتلاشى هيبة الدولة، مما يجعلها نهْبًا لكل أنواع اللصوصية، المالية والأيديولوجية، المرتبطة مصلحيا بالكولونيالية العالمية، في شكلها الجديد، وهو ما يُحتِّم على المكلفين بتسيير شئون الدولة، وهم يقفون في لحظة تاريخية مفصلية، أن يتحلَّوْا بالشجاعة والصدق، في معالجة هذه الأمراض الزاحفة والأكثر فتكا، ولا يُخطئوا في التشخيص مرة أخرى، وألا تأخذهم العزة بالإثم، فيقولوا نحن الأعَلوْن، لأن إرث الشهداء، وأمانة الأجيال القادمة، هي الأسمى والأوْلى، في الدفاع عنها بكل الوسائل المشروعة والقانونية والشفافة، بعيدا عن المزايدات السياسوية، النابعة أساسًا من حسابات ضيقة، مرتبطة بالمكانة الاجتماعية المكتسَبة بشتى الطرق، أو المنصب، وما يجلبه من امتيازات لصاحبه، أو عشيرته العائلية أو الجهوية أو الفئوية .

 إن حالة الوهن التي يعيشها المجتمع، والمخاطر التي تُهدِّد الدولة، هي كلها نواقيس خطر، لمن في أذنيْه صمم، يجب أن يسمعها ويعيها الوطنيون حقيقة، لا منتحلو صفة قبل غيرهم، فيعيدون تجميع أنفسهم، وحشد قدراتهم، وإعادة بناء حُبِّهم لهذه الجزائر، كما أحبها الشهداء، من أجل الإسراع في إزالة الألغام، التي زُرِعت على الطريق، والقضاء على أكداس الحطب، الذي يقف بجانبه المتربصون، كي يُشعِلوا النار في الدار، لأن أيّ تأخُّرٍ أو تأخير، قد يؤدِّي إلى ما لا تُحمَد عقباه لا قدّر الله، لأن التاريخ سيكتب لهذا الجيل- بنخبه السياسية والثقافية وبشعبه كله- أو عليه، تماما كما فعل مع الأجيال السابقة، فمنهم مَن سجّل له، ممن كانت صحائفه بِيضًا وتزداد بياضًا مع الزمن، ومنهم من سجّل عليه، ممن سَوّدُوا صحائفهم في لحظة انحراف، وما زال السواد يلاحقهم في قبورهم إلى يوم الدِّين. 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة