مبادرات حزبية.. العرض والإخفاق في المشهد السياسي
بقلم: مختار بوروينة
1539

مبادرات حزبية.. العرض والإخفاق في المشهد السياسي


تميز المشهد السياسي الجزائري في السنوات الأخيرة بظاهرة إطلاق المبادرات السياسية، وصلت إلى حد إطلاق مبادرتين في شهر واحد خلال  نوفمبر الفارط، سواء كانت من قبل أحزاب التكتل الرئاسي أو من أحزاب المعارضة، تتقارب عناوينها بين الإجماع والتوافق والإنقاذ والجدار والاستمرارية، وبتوجهات الاستمرارية والحفاظ على الثوابت ومكتسبات الوطن والاستقرار والوحدة الوطنية والإصلاح، لكنها تتضارب من حيث أبعاد تحقيقها بأجندة مسبقة بتباين الخلفيات الإيديولوجية لمحركيها بين الوطني والإسلامي واليساري في غياب الآليات المهيكلة والمرافقة لها.


بالنظر لما أجاب وتضمنه دستور 2016 تتويجا لإصلاحات سياسية شارك فيها الجميع، وأنخرط الكل في آلياته المؤسساتية عبر المشاركة الانتخابية في الاستحقاقات المعلن عنها، وتباينت العضوية في المجالس المنتخبة محليا ووطنيا، أو عبر ما يتقدم بطرحه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مباشرة أو من خلال مبادرة تحالفه الرئاسي المشكل من جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، تجمع أمل الجزائر والحركة الشعبية الجزائرية.

الجدار، الحصيلة والجبهة الشعبية

أكبر المبادرات من أحزاب التحالف الرئاسي  أطلقتها جبهة التحرير الوطني بهدف دعم برنامج الرئيس بوتفليقة خلال عهدته الرابعة، سمتها "الجدار الوطني"  (2016 )، وضمت إليها 37 حزبا و300 جمعية، وحاولت أن تمدها بنوع من الاستقلالية والحرية الهيكلية من باب إشراك الجميع، غير أن ذلك لم يحصل بشأنه أي تقدم، لتختفي  المبادرة بعد آخر تجمع "جماهيري" بالقاعة البيضاوية (العاصمة)، أمام تفوق الخطاب الحكومي الرسمي الذي كانت تتغذى منه ومحاولة كل حزب الاستفراد بالعمل لوحده، كون البرنامج الذي تشكلت من أجله هو برنامج كل الجزائريين، وعلى أساسه تقدم ويعمل الرئيس بوتفليقة.

ومع حصول تغيير في منصب الأمين العام للحزب، والذي تم على مشارف استحقاق رئاسي قادم ( أفريل 2019 )، تقدمت جبهة التحرير بمبادرة أخرى تركز على الاستمرارية برؤية الرئيس بوتفليقة لمستقبل الجزائر 2020 - 2030، وفق ذلك ضبطت رزنامة لقاءات عبر قواعدها النضالية المفتوحة للأنصار من أجل مناشدة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الاستمرار في قيادة البلاد تثمينا للإنجازات القيمة والمكتسبات المعتبرة التي تحققت تحت قيادته.

الرئيس بوتفليقة، وخلال ذكرى اليوم الوطني للمجاهد في أوت الفارط، جمع ضمنيا المبادرتين التي باشرهما الحزب الذي يترأسه ودعا إلي قيام "جبهة شعبية قوية " لحماية الجزائر ضمن مشروع وطني يسمو فوق كل الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية

  موازة لذلك باشرت عملية جرد ما تحقق في شتى الميادين منذ تولي بوتفليقة الحكم في 1999، وعبر 48 ولاية، ونصبت لجنة وطنية لإعداد الحصيلة النهائية، غير أن الرئيس بوتفليقة، وخلال ذكرى اليوم الوطني للمجاهد في أوت الفارط، جمع ضمنيا المبادرتين التي باشرهما الحزب الذي يترأسه ودعا إلي قيام "جبهة شعبية قوية " لحماية الجزائر ضمن مشروع وطني يسمو فوق كل الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية، وهو النداء الذي زكته فورا جبهة التحرير وأحزاب التحالف الرئاسي التي وسعت سلسلة مشاوراتها مع مختلف الأحزاب ومنظمات فاعلة كنقابة العمال وأرباب العمل والنساء والفلاحين والشباب والطلبة للانخراط في تحقيقها سياسيا والاحتفاظ بكيانتها الهيكلية.

دعما لنداء بوتفليقة، لكن بعنوان أخر، أطلق 15 حزبا سياسيا، من الذين يمتلكون  مقعدا أو مقعدين بالغرفة السفلى للبرلمان، مبادرة سياسية " الاستمرارية من أجل الاستقرار والإصلاح"، حاولت من خلالها هذه الأحزاب المصنفة بالصغيرة صنع التميز في التموقع ضمن مشروع "جبهة شعبية قوية "دون الذوبان في الهيكلة التابعة للكبار، ومراعية لمحتوى الخطاب الرئاسي في انتظار إطلاق أرضية جامعة لكل الأحزاب الداعمة لاستمرارية برنامج بوتفليقة.

قرار التحالف.. وانقلاب التفرد

لكن المبادرة لم يتعد صداها دائرة محرريها  أمام خروج الأحزاب الأربعة المشكلة للتحالف الرئاسي، شهر نوفمبر الفارط ، بقرار إضفاء الطابع الرسمي على علاقتها و الاتفاق على برنامج عمل مرحلي متعدد النشاطات في إطار عمل جماعي تنخرط فيه كل القوى دون تصنيفها شرط مساندتها برنامج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تحسبا للرئاسيات المقبلة، وهو ما ظهر في عمل الهيئات الأخرى سواء كانت من البرلمان بغرفتيه أو من الجهاز التنفيذي حيث يحرص كلاهما على توفير الغطاء لقرارات التحالف الرئاسي بحكم الأغلبية التي يحوزها والالتزام الكامل ببرنامج بوتفليقة عند سن القوانين ومناقشتها أو الاضطلاع بمهام الرقابة والتقييم عند إنجازها.

بعد أسبوع واحد على قرار التحالف، صنع حزب " تجمع أمل الجزائر"  ودون مشاورة أو إعلام مسبق للأحزاب الموالية  المفاجأة  بإعلانه عن مبادرة جديدة "التوافق الوطني" ترمي إلى  تأجيل الانتخابات الرئاسية والذهاب إلى عقد ندوة وطنية برعاية الرئيس بوتفليقة قصد التوصل إلى إجماع وطني حول القضايا والتحديات الوطنية والدولية التي تهم الجزائر واستشراف أفاق 2050 عكس ما تطالب به جبهة التحرير بتحديد مدة المخطط إلى سنة 2030.

ما تهدف إليه المبادرة بتقوية مؤسسات الدولة مع التبرير بأنها لم تأت من أجل التقليص أو إلغاء أو مضايقة مبادرات التشكيلات السياسية الأخرى، افتقرت هي الأخرى  إلى الالتفاف حولها بما فيه بقية أحزاب التحالف الرئاسي التي رأت فيها نوعا من التفرد من جهة، ومن جهة أخرى لم تجب عنها إلا بالتعبير عن استعدادها لدراسة جميع الاقتراحات أو المبادرات السياسية الهادفة إلى تعميق الإصلاحات التي باشرها بوتفليقة وتجديد المشروع الاقتصادي لمستقبل البلاد، وأن التحالف بكل مكوناته وامتداداته يجدد دعمه المطلق لبوتفليقة في إطار عمل جماعي تنخرط فيه كل القوى ولن يكون سوى عبر ما دعا إليه عن طريق  "جبهة شعبية قوية "، وهو الموقف الذي أدي بقيادة "أمل الجزائر" إلى التراجع عن الأجندة المعلن عنها، مفيدة أن الانتخابات الرئاسية ستجرى في موعدها و هي تدعم بوتفليقة حول أي قرار يتخذه بخصوصها، ولم يمر ذلك من دون تعليقات سجلت فراغ المبادرة لتدبدب طروحاتها وعدم ثباتها ونضج محتواها.

الانتقال والإجماع.. أجندة واستفهامات

في الطرف الآخر،عند المعارضة، وبعد فشل أرضية "زفران 1 و 2" (2014 - 2016 ) الخاصة بالانتقال الديمقراطي والبناء المؤسساتي الذي يستجيب إليه، وغياب الاتفاق على الحد الأدنى العملي بين مجموع الألوان الإيديولوجية التي تكتلت كمعارضة وشخصيات سياسية غير حزبية حول هذا الطرح الذي ترفض السلطة مناقشته، وبتصدع صفوفها والتحاق الكثير من أطرافها للمشاركة في تشريعيات 2017، أطلق أقدم حزب معارض، جبهة القوى الاشتراكية، مبادرة "بناء الإجماع الوطني"، وسعى إلى تمرير محتواها الداعي إلى تكريس التغيير الديمقراطي ودولة القانون وتحقيق مشروع الجمهورية الثانية، ودون أن يحدد طبيعة إتباع أساليب المواجهة السلمية فقد ركز من خلال لقاءات مع بعض الأحزاب من مختلف الأطياف على توخي اليقظة والحذر من جميع أشكال التحرشات ومحاولات التفرقة التي تهدد وحدة الشعب وأمنه واستقراره، مما أثار العديد من التساؤلات حول المستهدف من ذلك، بالنظر لمفاهيم التحذيرات وعلاقتها بالإجماع المطلوب ؟، مثلما حاول النزول بذلك إلى الشارع في عمل تحسيسي ظل محدودا رغم الغطاء الإعلامي الذي ضمنته مبادرته عند عرضها إلا أن مسارها لم يكتمل بتحفظ الأحزاب السياسية الانخراط فيها، ولم تتعد، في الزمن، دورتها الأولى الخاصة بفتح الحوار والاستماع للاقتراحات فيما لم تعقد الدورة الثانية المخصصة للنقاط المتفق عليها وإشراك السلطة في الندوة لإنجاح الانتقال الديمقراطي، وهو الطرح الذي وصفه رئيس حكومة أسبق، قريبا من الحزب، بالخاطئ ومن دون جدوى.

مع تجدد تأكيدات جبهة القوى أن مبادرتها  لا تزال قائمة وصالحة كأرضية سياسية جامعة إلا أن المشهد السياسي العام صنفها في خانة الطرح القديم - المتجدد، ففكرة الانتقال الديمقراطي غير مفصولة عن  أجندتها في الذهاب إلى جمعية تشريعية تأسيسية و تعديل الدستور وحكومة وحدة وطنية، وهي الجبهة المعارضة التي تتواجد بالبرلمان الحالي وتمتلك كتلة قائمة كامتداد حزبي لها، إلى جانب التمثيل في مجلس الأمة والمجالس المحلية.  

التناقض السياسي.. تغييب البيداغوجيا

وحاولت  حركة مجتمع السلم بتوجهها الإسلامي استدراك العمل بمبادرة جبهة القوى بتوجهها اليساري، حيث قامت ببعث مبادرة "التوافق الوطني"، وسعت إلى تمريرها بنفس أسلوب القوى الاشتراكية من خلال سلسلة لقاءات مع الأحزاب دون إقصاء.

بجرأة ما طرحته بخصوص الانتقال الديمقراطي و تحقيق توافق بين المعارضة والسلطة مع تمكين مشاركة الجيش في الحياة السياسية عبر مرافقة التوافق، واجهت تحفظات كبيرة أملت عليها واجب التراجع عن الكثير مما طرحته خاصة بعد رفض المؤسسة العسكرية إقحامها في المتاهات الحزبية والسياسية وتأكيد حدودها ومهامها الدستورية، وأن لا وصاية عليها وتتلقى توجيهاتها من الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع عبد العزيز بوتفليقة ، مرورا بتحفظات كبيرة لأحزاب التحالف الرئاسي التي رأت في الحديث عن انتقال ديمقراطي في الجزائر ينافي واقع أن البلد يعيش في ديمقراطية ويلغي كل مراحل البناء الديمقراطي الذي كانت فيه حركة مجتمع السلم طرفا فيه، وحتى من أحزاب المعارضة بما فيها جبهة القوى الاشتراكية التي سجلت تطابق "التوافق" مع مبادرة "الإجماع" دون تأكيد أي التزام بشأنها، وهو ما فسر برفضها.

مبادرة "حمس" لم يتحقق لها الالتفاف مما أدى برئيسها إلى التصريح بأن حركته لن تتوقف على تقديم المبادرات واقتراح الحلول من أجل مصلحة البلاد

وبقدر الاجتهادات التصحيحية التي أطلقتها حركة مجتمع السلم لإنقاذ مبادرتها واعتبارها وطنية ولا علاقة لها بالمصلحة الحزبية، وأنها متفقة مع رد الجيش، وتحويل دائرة تركيزها على الجانب الاقتصادي وعلاقته بالاستقرار السياسي والاجتماعي، عبر تضخيم المبررات والتخوفات، إلا أن ذلك لم يحقق لها الالتفاف مرة أخرى مما أدى برئيسها إلى التصريح بأن حركته لن تتوقف على تقديم المبادرات واقتراح الحلول من أجل مصلحة البلاد، مقرا أنها أطلقت منذ نشأتها 10 مبادرات باءت كلها بالفشل، ليعود بعدها بطرح أخر تطالب من خلاله حركة مجتمع السلم بتأجيل الانتخابات الرئاسية المقبلة على ألا تتجاوز مدتها سنة واحدة يتم خلالها إجراء إصلاحات حقيقية وعقد ندوة وطنية يوافق عليها الجميع، وهو ما استغربته مجددا الساحة السياسية على حركة كانت تدعو إلى وقت قريب إلى مرشح توافقي لرئاسيات 2019، والتغيير في مخرجات مبادرتها من النقيض إلى النقيض.

المناورات والتهديدات.. استمرارية الحسم

باستثناء هاته المبادرات، فإن الأخرى لا تعدو عن كونها مطالب سياسية مرفوعة في خطابات أو محاور برامج مثلما هو الشأن لدى حزب العمال الذي يطالب بحل البرلمان والذهاب إلى انتخاب جمعية تأسيسية شرعية، إلى جانب إطلاقه عملية جمع توقيعات لعريضة مليونية، لم يعرف إلى أين وصلت نتائجها الآن؟، تناشد الرئيس بوتفليقة التدخل على وجه الاستعجال لمنع حدوث الفوضى وإيجاد حلول سيادية للوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد والتكفل بالشباب وحماية الملكية الجماعية للأمة وعدم  خوصصة القطاع العام.

وأطلقت حركة البناء الوطني مبادرة " الجزائر للجميع" بعد أن سمتها من قبل بـ "التوافق الوطني" وحتى بـ" الجدار الوطني" تدعو خلالها لأخلقة العمل السياسي وحماية الجزائر من مخاطر داخلية وخارجية بتقوية الجبهة الداخلية لمواجهة التهديدات الأمنية، وهو الطرح الذي يشترك فيه حزب جبهة المستقبل الذي يركز كثيرا على الأخلاق السياسية والجوانب البيداغوجية للعمل السياسي، محاولا التموقع في الوسط بين المعارضة والموالاة، ويلتقي مع أحزاب أخرى في مضمون إطلاق "جبهة شعبية قوية" ذلك أن القاسم المشترك الذي يجمعه هو خدمة الجزائر.

ما يسجل أيضا عن هاته المبادرات افتقادها إلى السند المقنع كبديل حقيقي وجاد، وعدم الإلمام بالمعطيات الكافية في العمل السياسي الجماعي

بتحليل المشارب الإيدلوجية لمن أطلقوا هذه المبادرات، يسجل أن ثلاثة منها تشترك  في  اتخاذها عنوان "التوافق الوطني" وإن تميزت في التموقع إلا أنها مصنفة في التيار الإسلامي، مثلما يلتقي حزبان من ذوي  الميل اليساري في مطلب تحقيق"الإجماع" والذهاب إلى هيئة تشريعية تأسيسية، فيما تصب مبادرات الأحزاب الوطنية والأخرى في قيام "جبهة شعبية قوية"تعزيزا لدعوة الرئيس بوتفليقة.

ما يسجل أيضا عن هاته المبادرات افتقادها إلى السند المقنع كبديل حقيقي وجاد، وعدم الإلمام بالمعطيات الكافية في العمل السياسي الجماعي، وأصحابها من المشاركين في ما هو قائم الآن ولم يحرموا من التعبير بخصوصه جهرا، واشتغلوا في  الميدان كمحك وفاصل عبر البرامج التي تقدموا بها إلى الشعب من جهة، ومن جهة أخرى فهم يمتلكون كتلا نيابية ضمن العشرة القائمة بالبرلمان المتميز بتركيبته التعددية التي تصل إلى وجود 36 حزبا إلى جانب كتلة الأحرار.

كما أن المبادرات لم تبلغ المراد بالجلوس "التعددي" من أجل دراسة معمقة لأهدافها وآليات عملها خارج دائرة العرض لتبقى مجرد أفكار عامة  في صيغة مطالب حزبية طرحت عبر محطات انتخابية سابقة، وواجهتها تحفظات ورفض من قبل أغلبية الفعاليات السياسية برئاسة أحزاب التحالف الرئاسي الذي يمتلك الأغلبية المطلقة ويتحكم في أهم مفاصل المؤسسات والهيئات، وماانفك يرد على أن المناورات الداخلية والتهديدات الخارجية واستمرارية البناء تتطلب المزيد من التجنيد والحيطة لضمان الاستقرار  في إطار "جبهة شعبية قوية"، ترفض المراحل الانتقالية حتى لا يتم التنكر لسيادتها الوطنية ولاختيارها الديمقراطي المرسخ والضامن في الوصول إلى السلطة عبر المواعيد الدستورية وإرادة الشعب، وفق ذلك فإن الحديث الذي يردد عن جمعية تأسيسية قد تجاوزه الزمن، وهو بذلك يزيل هذه المبادرات من الطريق بعد حراك سياسي عابر أمام استمرارية برنامج الرئيس بوتفليقة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة