ماذا بعد 25 عاما من الحلم بحرية الصحافة ؟؟؟
خليفة بن قارة
1929

حديث في الموضوع

ماذا بعد 25 عاما من الحلم بحرية الصحافة ؟؟؟

كانت القارة الإفريقية، جغرافية مُهملة عمدا من الوصي القديم، أو غباء من البديل الوطني، بعد انحسار موجة الاحتلال الأجنبي، منسية تحت مُخلّفات ما تركه من دمار وتجهيل ومسخ، حتّى هبّت رياح التغيير على العالم في نهاية القرن المنصرم، وبدأت معها التشققات تطال العلاقات الدولية، فتُغيِّر من ملامح كثير من الدول، ووسط تلك الرياح المتداخلة، اجتمع صحافيو القارة الإفريقية، يوم الثالث من شهر مايو عام واحد وتسعين وتسعمائة وألف (03/05/1991) بمدينة ويندهوك الناميبية، تحت راية منظمة اليونسكو، لتجعل الأمم المتحدة من ذلك الاجتماع، يوما عالميا لحرية الصحافة، خاصة وأن حركة مدٍّ للتعددية الإعلامية قد ظهرت في بعض دول القارة الأقدم، وبموجب مبادئ مدوّنة المبادئ، تلتزم الحكومات باحترام حرية الصحافة كاملة غير منقوصة، ويلتزم الصحافيون باحترام أخلاقيات المهنة .

خمس وعشرون سنة مضت على ذلك اليوم المشهود، الذي شارك فيه صحافيون جزائريون محترفون قبل أن يُغيِّر المال مواقعهم، كان الأفارقة بوجهٍ خاص، يأملون أن يكون بداية لتنوير إفريقيا السوداء، لأنه حمل آمال نخبة آمنت أن الصحافة- وهي إحدى أدوات التغيير وإعادة البناء في العالم كله- ستكون مشعلا يستضيء به المواطنون في حراكهم اليومي، من خلال تسليط الأضواء الكاشفة، على زوايا الظلم والفساد والفقر، وحتى استبداد السلطة، فيستقيم حال الحكم، وتُتَّخَذ القرارات الصائبة، المؤدِّية مباشرة إلى التنمية والتطور، فماذا بعد الخمسة والعشرين عامًا من ميلاد الحُلُم ؟

اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يحييه العالم كل عام في الثالث من شهر مايو، ليس عيدا للبطالة مدفوع الأجر، إنما هو لحظة تقييم صارمة، لحال الصحافة في بلادنا أو هكذا أرى : هل تحقّقت حرية الصحافة عندنا، بما يفيد المجتمع الذي تسعى لتطويره والدفاع عنه ؟ وهل الحكومات المتعاقبة المتعدِّدة في نظام الحكم الواحد، احترمت ما التزمت به قبل رُبُع قرن، ووعت أن صحافة قوية تؤشِّر حتما إلى دولة قوية ؟ وهل مِهنيّو الصحافة، وظّفوا تلك الحرية المنصوص عليه في مختلف القوانين، التوظيف الأمثل والصحيح، ولم يمسوا أخلاقيات المهنة بسوء، أم أنهم اكتسبوا صحافة عددية وأضاعوا الحرية ؟ لا أعتقد أن أحدا من المعنيين بحرية الصحافة، أجاب عن هذه الأسئلة وغيرها، في هذا اليوم- الذي أصبح البارحة- ولا في غيره من الأيام .

لا أحد يُنكر أن فجْرًا جديدًا كان انبلج على الصحافة في الجزائر، مع الإعلان عن اليوم العالمي لحرية الصحافة، حيث انتقل عمل الصحافيين من الرأي الواحد في الصحيفة الواحدة، إلى تعدّد الآراء في صحافة متعدِّدة، واستبشر الناس خيرا بهذه اليقظة الصحافية، غير أن نهار ذلك الفجر، سرعان ما اختفى مع الأحداث المأساوية التي شهدتها الجزائر، واصطبغت الكتابة فيها بلون الدماء النازفة بلا حدود، حتى إذا طل يوم آخر وقد برزت عشرات من الصحف الخاصة، وجدت الصحافة نفسها غَرْقى في الفساد الذي خُلِقت أصلا لكشفه والمساهمة في محاربته، وضاعت من يومياتها مبادئ أخلاقيات المهنة، التي تعتبر جوهر وجودها، من نقل دقيق للحقيقة، إلى الموضوعية في المعالجة إلى الحياد في الطرح، وقد سهّل تغييبُها مهمّةَ النظام في إعادة خنقها، بخلق أسباب إفقادها لمصداقيتها- وهي رأسمالها الثابت- أمام شركائها الطبيعيين، وإن ترك لها الحبل على الغارب كما يقال، فإنه اعتمد ومازال على منهجية قديمة مفادها : أنا أحتكر المعلومة ولا أعطي منها إلا بمقدار، فاكتبوا ما تشاؤون، وأنا أفعل ما أريد .

لقد انتعل كثير من الصحافيين العاملين في الصحافة الخاصة، أحذية السلطة  فداسوا على كثير من قيّم المجتمع، وكانوا أشد وطأً على حرية الصحافة من بطش السلطة ذاته، بينما ركن العاملون في القطاع الإعلامي العام، إلى ما اعتبروه قدَرًا محتومًا، في أن يكونوا رجْع صدًى لما تريده السلطة المتعاقبة، وأن يُجمّلوا كل عمل تقوم به، ولا يتعرّضوا لأيِّ نقيصة تضر بسير المجتمع، حتى وإن هدّدت الدولة في وجودها، في حين غيّر آخرون كُثُر خندقهم الطبيعي، وأهدروا دم حرية الصحافة، حينما انضموا إلى خنادق "مصّاصي الدماء"، والعاملين على تشويه مهنة النبل والأخلاق، وباعوا ذِممهم ومعها زملاء لهم بأبخس الأثمان، إلى مَن يدفع أكثر، من الغرباء الغزاة الوافدين على القطاع، بمال متسرِّب من بؤر الفساد النتنة .

إن خارطة حرية الصحافة في الجزائر تقول، إنه وإن كان لدينا صحافيون أحرار ذوو كعبٍ عال، إلا أنه ليس لدينا إلى حدِّ اليوم صحافة حرة مستقلة، وهو ما جعل سلطة الأمر الواقع، تُحكِم قبضتها على القطاع بعمومه وخاصِّه، فقد مدّت ضرعها للعاملين في الصحافة العمومية والخاصة على السواء، بالتّكفل الذي يكاد يكون كاملا كأنهم أيتام أو قُصَّر، فإذا ما شبُّوا نبتوا- لا أقول على حبِّ التملّق أو الشيتة، ولكن أقول- كبروا وقد أصبحت لديهم قابلية الذوبان في الآخر، الذي يخاف من حرية الصحافة، وساعتها لم يبقَ لها أي السلطة، إلا أن تُغيِّر مفهوم الصحافة- على ما يبدو- فتحصره في جعلها انعكاسًا لما يراه أولئك الذين يتحكّمون في إدارة الشأن العام، على كل المستويات، واعتبار كلِّ خروج عن هذا الخط، جنوحا يجب معاقبة أصحابه، بشتّى الوسائل القانونية والمالية المعروفة لديهم، وربما هو ما جعل الجزائر، تهوِي إلى المرتبة التاسعة والعشرين بعد المائة، حسب رصْدٍ لمدى ازدهار حرية الصحافة، وإن كان أصحابه لا يحبون الخير لا للجزائر ولا لحرية الصحافة فيه ...

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة