ماذا بعد إسدال الستار؟
خليفة بن قارة
1686

حديث في الموضوع

ماذا بعد إسدال الستار؟

الاحتفال بيوم العلم تميّز هذه السنة، بإنهاء تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة، التي شهد على رحيلها الوزير الأول ورهط من وزرائه، وهي التي لم يرَ فيها الإعلام العمومي، إلا غيثًا سيُخصِّب الأرض الثقافية العطشى، كي تُزهِر في مقبل الأيام، في حين لم يجد فيها الإعلام الخاص، سوى فوضى كبيرة، تصدّرها الفلكلور المناسباتي، الذي سرعان ما يتبخّر مع انتهاء لحظته، إذن فقد انتهى العرض، ونزل الستار وتفرّق المتفرِّجون، فماذا بقي من أحداث المسرحية الكبرى، التي دامت عامًا كاملا، وهل ثبّتت قسنطينة جسورها مع الثقافة، وقطعت ما كان يربطها- على غرار مدن الوطن الأخرى- بالقحط الثقافي ؟ لم أشأ أن أكتب عن هذه التظاهرة في بدايتها، كي لا يقال إني أُشوِّش على المُؤلَّفة قلوبهم، أو العاملين عليها، ممن يستعملون الثقافة لأغراض سياسوية محضة، أمَا وقد بدأ يوم جديد على قسنطينة خارج العرس، فإنه حريٌّ بنا أن نقف باتِّزان وصدق ونسأل: هل أوفت السلطات العمومية بما وعدت، وهل ربطت مدينة التاريخ والعلم بما كان مقطوعًا، كي تكون قسنطينة عاصمة دائمة للثقافة العربية، في زمن تقدّمت العربية وتقهقر أهلها ؟

لا أحد يجادل في أن هناك جُهدًا ماديا كبيرا بُذِل، وغلافًا ماليا أكبر صُرِف، فأنتج مرافق ثقافية ستكون- إن فُعِّلت- آليةً في أيدي أحباب الثقافة، يزيلون بها مظاهر الكساح الثقافي، الناتج أصلا عن الفعل السياسي المُخِل، والذي انتشر في العشريتين الأخيرتيْن من هذه الألفية، بشكلٍ يُنذِر بسقوط جدار الأمة الواقي، ولكن ما هو الأهم، إقامة الهيكل أم بثّ الروح التي يجب أن تسري فيما لدينا من هياكل ؟ وبعيدا عن جدلية من ينفع أولا، أقول إنني أعتقد أننا إن ربحنا هياكل مهمة يحسدنا عليها غيرنا، فإنها ستظل بلا معني، وقد تُصبِح أطلالا كغيرها مما هو موجود في عديد المدن، ما لم توضَع إستراتيجية ثقافية وطنية، تستثمر أساسًا في الإنسان، لأنه وحده مَن يُنتِج المعرفة الحقيقية، إستراتيجية تُحرّر من رغبة هذا المسئول أو ذاك، ويُجنَّد لها رجال الكفاءة والخبرة والالتزام، ويُبعَد عنها أصحاب الولاء والمحسوبية والانتهازية .

من أفريل 2015 إلى أفريل 2016 جاءت إلى قسنطيينة، وفود عربية عديدة، إما لحضور العرس أو المشاركة فيه، وككل »وليمة« فقد شحّ بعض الضيوف في عرْض إنتاجهم الثقافي، واكتفوا بما تيسّر من فلكلور سياسي، يمتدح "الضيف" أكثر مما يضيف إلى تراث المضيف، غير أن الرهان كان على المشاركة الوطنية، نظرا للغنى "الفاحش" في المجال الثقافي للجزائر، وهنا ينتصب أمامنا سؤال جوهري: هل حققت الأسابيع الثقافية التي وفدت على قسنطينة من مختلف جهات الوطن، ما كان مأمولا، من إبراز للتنوّع الثقافي الذي تزخر به البلاد، وإعادةٍ لتمتين عُرَى الثقة فيما يجمع الجزائريين، على اختلاف ألسنتهم وموروثهم، وجعله قاعدتهم المشتركة، لإقلاع حضاري يُحلِّقون فيه معا، إلى عوالم يرتفع فيها شأن الجزائري، الذي أطاحت به من علٍ السنون العجاف، التي تلظَّى فيها بنار الفساد على كلِّ المستويات، وأخيرا هل كسبت قسنطينة التحدِّي، لنقول إن الجزائر ربحت بها الرِّهان؟

يقول كثير من المتتبِّعين للتظاهرة الحولية الراحلة، إن سوء التنظيم يكون الميزة الأبرز لها، ويُرجِعو ذلك إلى أن أمورها أُسنِدت إلى أعوان الإدارة بشكلٍ أساسي، مع الاستعانة ببعض الموظفين في المؤسسات الثقافية، ممن يفتقدون إلى الخبرة، وإبعادٍ يكاد يكون مُتعمَّدًا لرجال الثقافة والمثقفين، وكأن هناك إصرارًا من جهة ما على إقصائهم، قد يكون ذلك صحيحًا إلى حدٍّ ما، فإذا ما نظرنا إلى قائمة المدعوين لإحياء أماسي قسنطينة، نجدها تضم- في أغلبها- نفس الوجوه الحاضرة في كل المناسبات، والأسماء المدعوّة هي ذاتها التي تتردّد على كل تظاهرة، ممن ساهم الإعلام في تبييض صحائفهم عند الناس أكثر مما هي مبدعون، مما سيُولِّد ضغينة تجاه هؤلاء من طرف الأجيال التي تلتْهم ووُضِعت على التّماس، وكأن الجزائر التي يُجمِع كل المتحدِّثين على أنها قارة، لم تُنجِب غيرهم، أو أنها عقرت بعدهم، مع أن تجربة »شاعر الجزائر« التي يُعدّها الإعلامي التلفزيوني المتخصِّص سليمان بخليلي والتي يُنتجها لفائدة إحدى الفضائيات، التي تتغذّى على الشأن الجزائري، كشفت عن ما يقارب ألفيْ شاعر في الجزائر راسلوا إدارة البرنامج في أيامه الأولى فقط، أي أن الجزائر تمتلك أكثر من هذا العدد من الشعراء، الذين تكاسل الإعلام أو تخلَّى عمْدا عن مهمة التعريف بهم، ولا شك أن هناك كتّابًا وقصّاصين وروائيين ومسرحيين وسنمائيين ومطربين ورسامين كُثرًا، أُبعِدوا عن الواجهة، بفِعل لوبي نَشِطٍ اختطف قاطرة الثقافة.

إذا كنا نعتزّ بكثير من الأسماء التي عرّفت بالثقافة الجزائرية، سواء تلك التي وصلت بمجهوداتها الشخصية، حينما غامرت على الدخول بقوة إلى ساحة الإبداع العالمي، أو حتى تلك التي أوصلها مَن يملك أدوات المناولة، فإن تظاهرة قسنطينة قد أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أنه لن ينجح أيّ فعلٍ ثقافي- ولو أُعطِيّت له أموال قارون- ما لم يُسنَد إلى أهله، من المثقَّفين الحقيقيين الذين يؤمنون بالجزائر، بعيدا عن الفرز القبَلي أو اللغوي أو الأيديولوجي أو السياسوي، وأن إعطاء تسيير الفضاءات الثقافية لغير المثقفين، هو إهانة لموروث الأمة المشترك، بقدر ما هو مسخ له، وتنفير للأجيال الجديدة منه، ومع كل ذلك نقول، هنيئا لقسنطينة ما كسبته، من هياكل ومرافق ثقافية جديدة، نرجو أن يوجد مَن ينفخ فيها بصدقٍ وتفانٍ روح العطاء والإبداع، حتى نكون في مستوى أمةٍ لم تبدأ البارحة، ولم تتنكّر أجيالها المتعاقبة، لإرثها التراكمي الإيجابي الذي تركه الأجداد.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة