ليبيا .. خطة الشرعية أمام انسداد فوضى السلاح
مختار بوروينة - كاتب ومحلل
620

ليبيا .. خطة الشرعية أمام انسداد فوضى السلاح

يحتفل فرقاء ليبيا في الشهر الحالي بثورة الإطاحة بنظام القذافي مع استمرار أزمتها التي تدخل عامها الثامن على خلفية الصراع بين الشرعية غير المحسومة سياسيا والأمر الواقع المكرس بفوضى السلاح وما يفصل بينهما من  غياب للدولة الموحدة وهدر وتهريب للثروات الطبيعية  التي تنعم بها وعلى رأسها النفط المورد الأساسي لها.


وبالرغم من الجهود المبذولة في إطار خطة التسوية الأممية لأزمة ليبيا بإعطاء دفع للحل السياسي ووضع الترتيبات الأمنية لإعادة الاستقرار في كافة أجزاء البلاد، إلا أن الوضع ما يزال قائما بكل حيثياته اللاوحدوية ممثلا في وجود سلطتين تتنافسان على الشرعية ومحاولات توسع كل منهما للاستحواذ على مواقع الآخر بالسيطرة الميدانية، وارتكازهما على جيش ووحدات امن منقسمة بين حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة والمجلس الأعلى للدولة ومقرها طرابلس التي تسيطر منها على معظم مدن غرب البلاد، وحكومة مؤقتة ترفض إنهاء عهدتها ومقرها بنغازي بالشرق الليبي  و من خلالها يحظى الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر بدعم مجلس النواب.

 شرق – غرب وملايين قطع السلاح

حالة الانقسام السائدة "شرق – غرب" انعكست سلبا على مسار عملية التسوية السلمية للأزمة وأبقت خارطة الطريق التي وضعها المبعوث الأممي،غسان سلامة، في نفس النقطة التي أعلن عنها رغم الخطاب الظاهري لكل طرف في إعلان النية عن احترام ما جاءت به  دون الالتزام بتنفيذها، أو حتى العمل على إنضاج الحد الأدنى من التفاهم بين الليبيين في إطارها، أو الوفاء لما تمخض عن اتفاقات دون التوقيع عليها في باريس و جنيف وباليرمو الايطالية، وعلى مستوى دول الجوار، وبمرجعية اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 محل طلب بمراجعة بعض بنوده، خاصة المادة الثامنة المتعلقة بصلاحية المجلس الرئاسي في تعيين كبار قادة الجيش، دون التقيد بالعمل من أجل ذلك، والانطلاق بصيغة يتفق عليها لتعديلها.

بالنسبة للمبعوث الاممي إلى ليبيا، الذي غير لهجة تصريحاته من عرض وشرح للخطة إلى تقييمها،  أنه ليس هناك حل في ليبيا إلا إذا كان سياسيا وبعثة الأمم المتحدة ليست بقوة عسكرية لحفظ للسلام في ليبيا بل هي بعثة سياسية، تسعى لاستعادة الشرعية وبسطها على ليبيا موحدة عبر خطة "العمل الجديدة من أجل ليبيا "، وفق ثلاث خطوات : أولا تعديل الاتفاق السياسي، ثانيا عقد مؤتمر وطني جامع لكل الأطياف الليبية قبلية وسياسية ومدنية، ثالثا تنظيم انتخابات عامة في حال فشل الخطوتين، غير  أن الخطوات الثلاث لم تتقدم وظلت أسيرة وضع أمني غير مستقر وغير معقول مثلما توصل إليه المبعوث الاممي ،وهو ما يساهم في جمود الحل السياسي والانقسام المستمر والانفلات الدموي في عدم احترام اتفاقات التهدئة بعد المعارك المتجددة.

 وتقود  تصريحات، سلامة، الأخيرة حول  وجود ما بين 12 إلى 18 مليون قطعة سلاح في ليبيا خارج السيطرة، إلى طرح إشكالية أمنية بتبعاتها التي تدخل في صميم إعاقة مسار التسوية عندما يؤكد أنه "إذا انتظرنا جمع السلاح للتقدم بالعملية السياسية فهذا يتطلب وقتا طويلا"، لذلك فإن المطلوب هو " تحييد السلاح عن العملية السياسية" ووقف إطلاق النار، وهو ماقد يؤشر بالتوجه في إعادة ترتيب الخطة بإحلال الأمني قبل السياسي.

تحييد السلاح في الساحة الليبية ليس بالأمر الهين في غياب التوافق السياسي وتأمين الالتزام به في العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة المتلاشية أمام تشابك أطراف المصلحة من ذلك وما يوفر لأطراف منها من دعم خارجي، بعضه صار علني

مساعي الخطة.. الاتفاق والافتراق

لكن تحييد السلاح في الساحة الليبية ليس بالأمر الهين في غياب التوافق السياسي وتأمين الالتزام به في العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة المتلاشية أمام تشابك أطراف المصلحة من ذلك وما يوفر لأطراف منها من دعم خارجي، بعضه صار علني، كما أن الدفع بالحلول الأمنية العسكرية لاستعادة  الشرعية وبسط نفوذ الدولة الموحدة قد تنجر عنها مخاطر عدة ومفتوحة الجبهات في غياب تهيئة للأجواء السياسية من قبل الليبيين أنفسهم، ويجعل إعادة بناء الدولة في موقع صعب جدا بواقع الحرب ومخلفاتها، وهي التي لم تقو الآن سوى على تنفيذ قرارين من أصل 20 إجراء اقتصاديا رغم الدعم الاممي مما يزيد من إرهاق وتعب الشعب الليبي.

ويبقى الإقرار بتنظيم الانتخابات العامة مجرد مسعى بعد أن كان من المفترض أن تتم حسب اتفاق باريس في 10 ديسمبر المنصرم، ولا يمكن تنظميها دون وجود دعم دستوري لم يتم إعداده وعرضه للاقتراع، وحتى تأجيلها لم يصاحب برزنامة أخرى مثلما أعلن عنها في اتفاق باليرمو الايطالية التي دعت إلى عقدها خلال ربيع السنة الحالية، دون تحديد الموعد التاريخي أو اتفاق سياسي حاسم يلتزم عبره الجميع بتهيئة الأجواء والشروط  وقبول نتائجها حسما وتثبيتا للشرعية .

كما يبقى المسعى بعيدا مادامت الخطوة التي تسبق الانتخابات الشاملة والمتعلقة بعقد مؤتمر وطني للأطراف الليبية الفاعلة والمعنية بالاتفاق وحل الأزمة وبناء الدولة لم يحصل بشأنه أي تقدم وهو الذي كان مقررا في يناير 2019 وبرعاية الأمم المتحدة، وذلك نتيجة العقبات والفوضى واستمرار القتال والانقسامات بين القادة الليبيين والاعتداءات الإرهابية.

وحتى وثيقة توحيد الجيش التي أقيمت من أجلها، بالقاهرة، ست جولات للحوار بين العسكريين الليبيين من مختلف مناطق ليبيا لم يتم التوقيع عليها بسبب عدم الاستقرار حول مسائل تفصيلية بسبب الولاءات الداخلية والضغوطات الخارجية ، وهو ما يعمق بحسب وقائع الميدان الواردة في تقارير من حجم التحديات الأمنية داخل ليبيا وعبر الحدود خاصة في جنوب ليبيا حيث يسجل نشاطا مستمرا للجماعات الإرهابية لا سيما منها تنظيم " الدولة الإسلامية (داعش)"، أمام ما تجده السلطات الليبية من صعوبات في تامين حراسة الحدود من عصابات الجريمة المنظمة منها المرتبطة بجماعات ذات توجهات سياسية، وتنامي رهيب لشبكات التهريب  المدعومة.

مؤشرات الترتيب.. الأمني قبل السياسي

هل ليبيا محل صياغة جديدة في خطة تسوية بحلول أخرى وفق تلك المؤشرات؟، وهل يمكن فصل إشكالية التسوية السياسية عن علاقتها بملايين القطع من السلاح المنتشرة و مئات المليشيات المسلحة؟، الجواب قد يفسره الاحتراز الكبير الذي تؤكد عليه المبادرة الثنائية لدول الجوار ( الجزائر، مصر وتونس ) لمبادئها لحل الأزمة الليبية بالحوار والحل السياسي ورفض الحل العسكري والتدخل الخارجي بأي شكل من الأشكال، وهي المبادرة التي تفاعلت إيجابا مع خطة التسوية الأممية وبادرت بالعمل من أجلها، وأمام ما تعبر عنه الجزائر من انشغال إزاء الوضع السائد في ليبيا وعن تأثيره على المنطقة.

في مخاطبته لليبيين عبر تلفزيون "ليبيا " حاول غسان سلامة بعث بعض إشارات التحولات داخل المشهد الليبي لكن تبقى غير كافية وفاعلة، فعودة النشاط لمجلس النواب وقيام حكومة الوفاق الوطني بعدة ترتيبات أمنية داخل العاصمة طرابلس لم يمكن من تهدئة وانفراج الأوضاع ولم تقدم للخطة التي كان قد قدمها في سبتمبر 2017 أي تقدم، وإلا ما كان يعلن أنه سيتوجه مجددا لمجلس الأمن من أجل ترتيبات جديدة دون الكشف عنها لكن غير مفصولة عن معضلة الحسم في مسألة السلاح والميلشيات والتمرد على مساعي إتفاقات توحيد الجيش وتوضيح الموقف من تدخل  قوى إقليمية ودولية في جزء من الجنوب الليبي دونما أي احترام للسيادة الليبية، ومن أنظمة قائمة بحد ذاتها، تجد في الفوضى بليبيا خدمة لمصالحها وتدفع بتنافس قوى أخرى إقليمية ودولية  في التدخل المعاكس.

ما كان متروكا للتوافق في تحقيق الحل السياسي عبر قيام آلياته كخطوة أولى، يراوح مكانه والسنوات تمر، وفي حقائق الوضع وتصريحات غسان سلامة ما يوحي لذلك، بعد أن ظل متنقلا و محللا وشارحا لخطته دون أدنى تقدم في الإطار الشامل لحل الأزمة، الشيء الذي جعل المتتبعون يقرؤون من خلال تصريحاته الأخيرة تثبيت مؤشرات قريبة من الفشل بعد أن لاقت مخرجات خطته ترحيبا دوليا وإقليميا واسعا من اجل تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي عبر ربوع ليبيا، لكن هو الترحيب أيضا الذي يتماطل في مواجهة حقائق من أجل مصلحة الليبيين ومرافقتهم بجد في تحقيق خطة التسوية السلمية والسياسية حيث مصالح الدول الكبرى تطغى على قرارات الهيئة الأممية، وستتضح لاحقا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة