طباعة
"كورونا"..هذا القاتل الذي بعث الحياة في أوصال الدولة
كتبت: شهرزاد شرفي
1985

"كورونا"..هذا القاتل الذي بعث الحياة في أوصال الدولة

المثير في معضلة "فيروس كورونا" الصحية، هو أننا لم نصل بعد إلى معرفة أصل الداء، ولا أشكاله أو كيفية انتقاله بين الأشخاص، ومن هم الناس الأكثر عرضة له، وحسم انتشاره ووضع حد له..، ولكن اللافت بشكل أكبر، هو كيف تحولت هذه الأزمة إلى همة، وصارت مخاوف الوباء القاتل محركا، ومنشطا لقوى "الدولة الوطنية" ومفجرا لطاقاتها الكامنة.


مع تفاقم عدوى "فيروس كورونا" المستجد (كوفيد-19) تجلت بوضوح معاني الرهان على مقدراتنا الداخلية، وبرزت إلى واجهة الأحداث صور تسخير الدولة لكامل طاقاتها وتدبير حالها بسواعد أبنائها، في سلوك مشابه لما ظهرت به باقي دول العالم في تعاطيها مع الأزمة الصحية الراهنة، وهي اتجهت بعدما شعرت بالمرارة جراء هذا الوباء، إلى تطوير أدوات المواجهة الداخلية بدلا من انتظار الحلول "السحرية" المستوردة من وراء الحدود، فيما يعرف بـ"التضامن الدولي"، الذي ظهر أنه مجرد وهم وسراب.

فإيطاليا كانت وستظل نموذجا للتيه والضياع، بسبب عدم تدخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بآليات دعم وإسناد للتقليل –على الأقل- من حجم الأضرار المترتبة عن الانتشار الفظيع لـ"كورونا" حتى باتت هذه الدولة، البؤرة الأكثر وباء في الفضاء الأوربي.

ويبدو أن الحالة الإيطالية دفعت معظم دول العالم إلى التعامل بأنانية مطلقة مع الجائحة التي تجتاح الأرض وتهدد الكيانات البشرية، فلم نرى ذلك الحجم المعهود من المساعدات في الأزمات والكوارث المختلفة المعتادة، فلا المستلزمات الطبية الضرورية، ولا البعثات الطبية، ولا النصح بالخبرة والتوجيهات، فالكل منكفئ على ذاته، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تغنت طويلا بخدمة الإنسانية خرصت وانكفأت في مجابهة خطر الفيروس، وحرمان دول العالم من التمكن من أدوات المكافحة الضرورية، وأكدت هذا الضعف في التضامن الدولي منظمة الصحة العالمية.

وتجلت الأنانية أيضا في النزاع الذي وقع بين "تركيا" و"اسبانيا" حول ملكية شحنات من المستلزمات الطبية والكمامات القادمة من الصين، بالإضافة إلى تصارع بعض الدول المتقدمة حول ملكية اللقاحات ضد"فيروس كورون"ا (كوفيد 19)، وعرض أمريكا مبالغ تناهز المليار دولار لمختبرات ألمانية قصد تملكها للقاح.

فكل دولة وضعت نفسها وشعبها أولى من الشعوب والدول الأخرى، كما أن التراجع الكبير في المبادلات التجارية الدولية والتخلي عن الكثير من الصادرات والواردات، يبرز أيضا مدى النزعة للحلول الداخلية والرهان على القدرات الوطنية وضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي وإعطاء فرصة للكفاءات والتكفل بهم وإحياء الإنتاج المحلي.

 إن الحجر الصحي الذي فرضه "فيروس كورونا" في الجزائر أدى إلى تسريع العودة إلى الإنتاج المحلي، بحيث في مدة زمنية جد قصيرة نجد مجموعة من الحرفيين وأصحاب المؤسسات المصغرة أو الناشئة في عدة ولايات يسارعون في إنتاج كمامات ومعقمات ومواد التنظيف وكذا ملابس الوقاية (الطاقم الطبي) بالإضافة إلى تطوير وإنشاء جهاز التنفس الاصطناعي الذي أطلقته الشركة الجزائرية الخاصة "غاتيك" (غلوبال ألجيريان تكنولوجي) بالتعاون مع منتدى رؤساء المؤسسات، كما استطاع الشاب الجزائري  محمد لطفي مكناش  من وضع حيز الخدمة في ظرف 72 ساعة النظام المعلوماتي المؤشر الذي يسمح بتحليل البيانات المتعلقة بانتشار ومسار وباء "كوفيد 19"  المستجد عبر 48 ولاية بطريقة آنية، وهو نظام جزائري مائة في المائة،  ومطور من طرف المؤسسة الناشئة لهذا الشاب والممولة من طرف الوكالة الوطنية لدعم وتشغيل الشباب.

وحتى خارج الوطن قام العالمان الجزائريان طه مرغوب و بلقاسم حبة المقيمان في أميركا بإطلاق مبادرة من أجل اقتناء العتاد الطبي لمساعدة الجزائر في مكافحة فيروس كورونا المستجد، وغيرها من المبادرات الثمينة لمواجهة هذا الوباء من طرف الجزائريين سواء داخل الوطن أو خارجه. كل هذا يكرس مكانة الدولة الوطنية ويؤكد على ضرورة الاهتمام وإعادة النظر في عدة وظائف وتطويرها.  

من جهة أخرى عندما نسمع زغاريد من عدة مستشفيات رغم قلة الإمكانيات التي كانوا يتحدثون عنها ونرى في العديد من الولايات خروج كل من رجال الأمن ورجال الحماية المدنية والمواطنين للتعبير عن تقديرهم وعرفانهم للجهود المبذولة من طرف الأطباء أو الملقبين بالجيش الأبيض، وكل الذين كرسوا جهودهم لمجابهة جائحة كورونا، كل هذا يبرز مدى تضامن وتلاحم كل فئات المجتمع سواء كانوا أفراد أو جمعيات أو غيرهم.

وبالموازاة لذلك نرى كيف قامت الدولة الجزائرية بإنشاء صندوق حكومي للتضامن الموجه لدعم وإسناد الإمكانيات الحكومية لمكافحة انتشار جائحة "فيروس كورونا"، أين سارعت شخصيات جزائرية ومسؤولون سياسيون وقيادات عسكرية واطارات وعمال في مختلف المؤسسات والشركات وغيرهم للتبرع.

وتعاظم التضامن بحجم في حساب "كوفيد – 19"، التي بلغت حتى يوم الاثنين 20 أفريل 2020  حوالى "230 مليار سنتيم و حوالى مليون دولار.

وتفاديا للانتشار السريع لـ "كورونا" قامت الدولة بإحالة 50 في المائة من العمال إلى عطل استثنائية مدفوعة الأجر والتكفل بتعويض أصحاب  والحرف أين كانت هناك استجابة من طرف المواطنين والتزامهم بالحجر الصحي على عكس ما شهدناه في بعض الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة اين دعا الرئيس الأمريكي الى رفع الحجر الصحي رغم وفاة أكثر من 50 ألف إلى الآن، وقامت مظاهرات في شوارع أمريكا لدعمه يقف ورائها أرباب عمل و"لوبيات" المال الذين تهمهم أموالهم وليس أرواح الناس. 

كما قامت الدولة الجزائرية بإجلاء مواطنيها العالقين بالخارج وإسكانهم مدة الحجر الصحي مجانا في فنادق فخمة خوفا عليهم وعلى أهاليهم عكس الكثير من الدول التي تركت مواطنيها عالقين بالخارج مثل المغرب الذي ترك أكثر من 18 ألف مغربي عالقا بالخارج ومصر التي اشترطت على مواطنيها دفع تكاليف السفر وتكاليف الحجر الصحي في الفنادق ورفضها لاستقبال طائرة إسبانية استأجرتها قطر لمصريين يرغبون في العودة الى وطنهم، ونفس الشيء بالنسبة لبعض الدول الأوروبية التي فرضت على مواطنيها الدفع مقابل العلاج.

ما سبق، ودون نسيان صور تلاحم الجيش الشعبي الوطني من خلال تسخيره لعشرات الرحلات الشاقة بالطائرات العسكرية لجلب العتاد الطبي من الصين في مدة زمنية لا تزيد عن 48 ساعة، ومنح الحكومة مليون سنتيم للأسر المعوزة والمتضررة من جراء الحجر الصحي، ومساعدات المواطنين في حملات التآزر المختلفة، كل هذا يكفي للدلالة على أهمية ومكانة المراهنة على الذات وعلى المقدرات المحلية، وهذه هي ميزت الدولة الوطنية.