قراءة هادئة في صورة حداد والسعيد
د. محمد لعقاب
2382

قراءة هادئة في صورة حداد والسعيد

كل الأصدقاء الذين هاتفوني اليوم يتحدثون عن صورة رجل المال والأعمال ورئيس منتدى رجال الأعمال علي حداد مع شقيق الرئيس ومستشاره الخاص السعيد بوتفليقة خلال تشييع جنازة المرحوم رضا مالك، تغمده الله بواسع رحمته، وكانت الصورة تعكس نوعا من المودة والعلاقات الحميمية بين الرجلين، إلى درجة أنهما استقلا سيارة واحدة. وبالموازاة مع ذلك كانت صورة أخرى تجمع بين الوزير الأول عبد المجيد تبون وشقيق الرئيس أيضا، وكانت تعلو كل منهما ابتسامة عريضة، وهي تعكس أيضا علاقة مودة بين الرجلين.

لكن بين هذه وتلك، أخفت الصحافة عن المواطنين صورة أخرى تعكس علي حداد معزولا في المقبرة ولم تعد له الروح حتى وصل السعيد بوتفليقة، وكأنه ألقى إليه حبل النجاة، حتى يعود للإسهام في التنمية الوطنية بصفته رجل أعمال. تنفيذا لبرنامج عمل الحكومة، المستمد من برنامج رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة.

لقد ركز الصحفيون على تلك الصور، فضلا عن مدة اللقاء بين شقيق الرئيس وحداد من جهة، ومدة لقائه بالوزير الأول من جهة أخرى، وبناء عليها فسّروا لقاء على هامش تشييع جنازة تفسيرا سياسيا، وأعطوا عديد القراءات والتساؤلات لدى  المواطنين، وهو ما يتجلى بوضوح عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ومما جاء في تلك التفاعلات أن"تبون أصبح هشا"، كما قالت جريدة الوطن، وتساءل موقع "كل شيء عن الجزائر": هل "خسر تبون معركته مع حداد، ليجيب بأنه طوى صفحة الخلاف معه بعد لقاء الثلاثية، عندما وصف أرباب العمل بـ"الشريك الذي لا يمكن العمل من دونه"، وهو ما اعتبره الموقع " تغيرا في موقف تبون" الذي كما قالت يثير الكثير من التساؤلات، بعد تداول الصور التي تظهر ارتياح حداد وسيدي السعيد بجانب السعيد بوتفليقة، في حين يبدو الغضب على وجه عبد المجيد تبون وعدم رضاه.

ومن التساؤلات المطروحة: هل أخذ تبون الضوء الأخضر من رئيس الجمهورية أم أنه ارتجل فاصطدم بعلاقات متينة بين حداد وبين الدائرة الضيقة في "صنع القرار"، فكان من الصعب على تبون الاستمرار في مسعاه.

أما شبكات التواصل الإجتماعي فراحت تعتبر أن هناك مؤامرة ضد الوزير الأول، لأنه أراد تصحيح المسار، حتى بدأ بعض الفنانين يتغنون به وهو الذي لم يصل تسلمه الوزارة الأول ثلاثة أشهر.

لقد ركز الإعلاميون والمحللون على الصور وفسروها حسب مكنوزهم المعلوماتي وتطلعاتهم للمستقبل، وشددوا عليها أكثر من تركيزهم على القضايا الجوهرية.

ذلك أن العلاقة بين شقيق الرئيس بوتفليقة وعلي حداد معروفة لدى الرأي العام بفضل الإشارة المتكررة لها عبر وسائل الإعلام منذ سنوات، حتى أن هذه الوسائل تحدثت عن إسهام علي حداد في تمويل الحملة الإنتخابية للرئيس بوتفليقة.

من جهة ثانية، عندما يختلف تبون مع حداد مثلا، لا يشترط أخلاقيا أن تسوء العلاقات بين سعيد بوتفليقة وحداد. والأكثر من ذلك أنه إذا كانت هناك علاقة غير ودية بين تبون وحداد على الصعيد الشخصي، فإنه لا ينبغي أن تمتد لتمس علاقة منصبين حساسين: الأول هو منصب الوزير الأول والثاني هو منصب رئيس منتدى المؤسسات، وهو الأمر الذي جعل تبون وحداد يلتقيان في لقاء الثلاثية يوم الأحد 29 جويلية في قصر الحكومة.

ولأن صراع المؤسسات لا يخدم البلاد، فإن شقيق الرئيس قد يكون في الوقت المناسب الرجل الضابط لهذه العلاقات بحكم أنه مستشار الرئيس.

ومن زاوية أخرى، لقد شاءت الصدف فقط، أن يتزامن رحيل رضا مالك مع انعقاد الثلاثية، فحدث اللقاء بين شقيق الرئيس وعلي حداد وسيدي السعيد أمام الناس وأمام الكاميرات ورجال الإعلام، وكان ممكنا لهؤلاء جميعا أن يلتقوا في مكان بعيد عن أعين الجميع ما عدا عين الله سبحانه وتعالى.

ومن يدري أن سعيد بوتفليقة قضى مع الوزير الأول عبد المجيد تبون قبل الجنازة وما بعدها مدة أطول من تلك التي قضاها مع حداد في مقبرة العالية.

وعلى هذا الأساس فإن الترويج لرابح وخاسر في تأزم العلاقة بين الحكومة ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات هو مجرد تضخيم إعلامي ربما هو بدوره يخضع لحسابات الربح والخسارة.

أما بخصوص مسألة الإعذارات التي رفعتها الحكومة إلى العديد من المقاولين بمن فيهم حداد فهو واجب يقع على عاتق الحكومة، لأن المشاريع موجهة لصالح الوطن والمواطن، ويجب على كل مقاول أو مستثمر أن يتحمل مسؤوليته، ولا يعقل أن يقبل شقيق الرئيس بوتفليقة، حتى لو كانت له علاقات فوق الحميمية مع علي حديد، بأن يتخلف هذا الأخير عن إنجاز ما أوكل إليه من مشاريع وقد تسلم مقابل ذلك تسبيقات مالية.

إن عبد المجيد تبون لم يخسر شيئا، بل فاز بثقة الرئيس بوتفليقة، وكان ممكنا للرئيس أن لا يجري أي تغيير حكومي، ويبقي على عبد المالك سلال وفريقه، لكن يبدو أن الرئيس أدرك أن برنامجه تعثر مع حكومة وسلال أو أن سلال ليس رجل المرحلة، فجئ بالوزير الأول الحالي عبد المجيد تبون، ولا نعتقد أن شقيق الرئيس لم يكن على دراية بذلك حتى تصور وسائل الإعلام أن شقيق الرئيس انتصر لعلي حداد وعبد المجيد سيدي السعيد ضد الوزير الأول عبد المجيد تبون، لأن ذلك يعتبر طعنا في الرئيس بوتفليقة شخصيا.

وعليه فإن دعم برنامج الرئيس بوتفليقة، يمر بالضرورة عبر دعم الوزير الأول عبد المجيد تبون، لأنه دستوريا هو منسق عمل الحكومة.

إن تعامل وسائل الإعلام مع صورة علي حداد وشقيق الرئيس بوتفليقة ومستشاره الخاص، لم تمر دون أن تؤثر على الرأي العام والمواطنين عموما، الذين استبشروا خيرا بقرار الرئيس بوتفليقة تعيين تبون وزيرا أول، كما استبشروا خيرا بالقوة التي بدأ بها الوزير الأول في تطبيق برنامج الرئيس بوتفليقة، في عدة مجالات منها الصناعة والفلاحة وقضية الإستيراد وعدم اللجوء للإستدانة الخارجية وغيرها، وكل ذلكم جاء في كلمة تبون أمام الثلاثية، لكن وسائل الإعلام ركزت على الصورة التي شوهدت في المقبرة ولم تركز على مضمون كلمة تبون أما شركاء الحكومة.

إن تلك القوة التي بدأت بها الحكومة عملها أربكت خصوم الرئيس بوتفليقة، لأنهم يريدون انجازات ضحلة حتى يحملوه مسؤولية الإخفاق، لكن نجاح الوزير الأول يعتبر نجاحا للرئيس بوتفليقة أولا وقبل كل شيء.

وهو الأمر الذي جعل مستخدمي شبكة التواصل الإجتماعي يعتقدون أن هناك مؤامرة ضد الوزير الأول لحمله على التراجع عن سياسة تصحيح المسار الخاطئ للحكومة. ويتخوفون من تقييد الحكومة الحالية تحت تأثير رجال المال،  غير أن من يتمعن في كلمة الوزير الأول في لقاء الثلاثية يدرك أن تبون تصرف كرجل دولة عندما قال أن منتدى رؤساء المؤسسات والمركزية النقابية شريكان أساسيان للحكومة، وهذا عين الصواب، ولقد رأينا كإعلاميين أن رؤساء الدول الكبرى كلما تحركوا تحركت معهم أرمادة من رجال المال والأعمال.. فهم من المفروض أن يولدوا الثروة خاصة عندما تواجه الحكومة صعوبات اقتصادية، لكن ليس معقولا أن يظل القطاع الخاص متطفلا على الحكومة والخزينة العامة.

إن الوزير الأول يلتزم بتوجيهات رئيس الجمهورية ولا يمكن أن يتراجع عن خطته وطريقة عمله، لأن ذلك قد يصيب المواطنين بالصدمة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة