في زيارة ولي العهد السعودي إلى الجزائر..
عامر بغدادي
120

في زيارة ولي العهد السعودي إلى الجزائر..

تثير الزيارة المرتقبة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الجزائر جدلا في الساحة السياسية بين مؤيد ومعارض، وهو ما يعكس، على الصعيد الداخلي، حركية جديدة في المجتمع لم نعهدها من قبل، حيث أن العلاقات الخارجية للدولة الجزائرية هي من صلاحيات رئيس الجمهورية وينفذها الوزير المكلف بقطاع الشؤون الخارجية، أما تدخل التيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني في التأثير على صناعة القرار السياسي في القضايا الدولية فهو توجه جديد لم يكن مألوفا،


ولا شك أن هذا الحراك الداخلي يرتبط بتطور مشابه على المستوى العالمي، فعلى صعيد العلاقات الدولية، تتأكد يوما بعد يوم حقيقة مفادها أن الكيانات السياسية أو الدول لم تعد الفاعل الرئيسي الوحيد في الساحة السياسية الدولية، فقد برزت قوى عابرة للكيانات السياسية كالأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني وكذا الأفراد والشركات متعددة الجنسية، وأصبح لكل لتلك القوى كلمتها في قضايا العلاقات الدولية.

ولعل خير دليل على ذلك، هو ما صار يعرف بقضية خاشقجي،  التي تجاوزت الأطر المحلية والإقليمية لتصبح ذات بعد عالمي، نرى ذلك بوضوح في  عموم بلدان الغرب وفي الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا، وهي القوة العالمية الأولى حاليا ونراه أيضا في دول مجاورة للجزائر، على غرار مصر وتونس، حيث دعت حركات سياسية ومنظمات مجتمع مدني حكومتي البلدين لرفض زيارة ولي العهد السعودي.

الملاحظ أن التيار السياسي الذي يتبنى مرجعية إسلامية مرتبطة بحركة الإخوان المسلمين هو الذي بادر برفض زيارة ولي العهد السعودي إلى الجزائر، ولحقت به تيارات تصنف بأنها علمانية وشخصيات، ولعله من الأهمية التذكير بأن التيار الإسلامي كان الوحيد الذي رحب بزيارة الرئيس التركي إلى الجزائر في وقت سابق من هذا العام ردا على مواقف معارضة تبنتها أحزاب علمانية، مما يعني أن الصراعات الأيديولوجية اصبحت تتجاوز الكيانات السياسية وظهرت كلاعب مواز للدول في الصراعات العالمية.

وبعيدا عن هذه الصراعات وتلك التحولات في بنية العلاقات الدولية، لعله من الأهمية وضع زيارة ولي العهد السعودي إلى الجزائر في إطارها الصحيح وهي علاقة الدولة الجزائرية بالدولة السعودية بعيدا عما يعرف بقضية خاشقجي، فالجزائر ليست طرفا في الصراعات الدائرة في منطقة المشرق العربي وفي عموم الشرق الأوسط، ولا يجب بأي حال من الأحوال جرها الى معارك سياسية تخوضها دول إقليمية نافذة في الشرق الأوسط هي تركيا وإيران والسعودية فضلا عن الكيان الإسرائيلي، هذه القوى تتصارع وأحيانا بشراسة، يعني عبر تأجيج الحروب، من أجل النفوذ في تلك المنطقة، الجزائر بقيت بعيدة عن تلك المعارك فلم تنخرط في الحرب الدائرة في اليمن وهي جزء من الصراعات السياسية بين السعودية وإيران، وبقيت بعيدة عن الصراع الخليجي/ القطري وهي اليوم لم تنخرط في الصراع التركي/ السعودي تحت ستار ما يعرف بقضية خاشقجي.

ولذلك فالتيارات السياسية والشخصيات التي تطالب الدولة الجزائرية بعدم استقبال ولي العهد السعودي تريد في واقع الحال جر الجزائر  إلى تلك المعارك، يعني إقحامها في معركة سياسية ليست معركتها.

ومن باب التذكير القول إن القضية المحورية بالنسبة للجزائر في منطقة المشرق العربي هي قضية فلسطين، وهذا لا يعني أن المسائل الأخرى ذات الطابع الاقتصادي والسياسي لا تنال الاهتمام نفسه لدى القيادة الجزائرية، ولعله من باب التذكير كذلك، أن الرئيس التركي حظي صيف هذه السنة باستقبال هام في الجزائر واليوم يرتقب استقبال ولي العهد السعودي، كما  نشير إلى الجولة التي قام بها وزير الشؤون الخارجية السيد عبد القادر مساهل إلى ثماني دول عربية في أواخر شهر جويلية وبداية أوت الماضيين، حيث تم استقباله على مستوى عال في تلك الدول وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

قبل تلك الجولة وبعدها كان الصراع السعودي/ التركي على النفوذ في المنطقة معروفا وكان الخلاف الخليجي/ القطري موجودا وكانت الحرب قائمة في اليمن، فضلا عما صار يعرف بصفقة القرن وكذا الوضع في سوريا وغير ذلك من القضايا والصراعات التي تعج بها منطقة الشرق الأوسط، ولعل المستجد في الساحة هو مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده باسطنبول لأن موضوع أسعار النفط والذي يحظى بأولوية في الجزائر يعالج على مستويات أخرى أبرزها لقاءات منظمة الدول المصدرة للنفط، نقول ذلك، لأن الذين يعارضون زيارة ولي العهد السعودي إلى الجزائر بعضهم يربط معارضته بمواقف القيادة السعودية من القضايا المذكورة أعلاه وبالتالي انطلاقا من حسابات أيديولوجية والبعض الآخر ينطلق من مواقف مسبقة ضد السعودية لا غير.

إن إثارة قضية مقتل مواطن سعودي في قنصلية بلاده، وهي قضية سعودية أساسا لا علاقة لأي بلد آخر بها،  تدخل ضمن الصراع التركي- السعودي على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وهو صراع متعدد الأوجه، وهذا لا ينفي إسقاطات الصراع التاريخي المرير بين الطرفين منذ منتصف القرن الثامن عشر مع بدايات ظهور مساعى بعث كيان سعودي في شبه الجزيرة العربية والإجهاض المتكرر لتلك المساعي من طرف تركيا العثمانية.

كان الاستخدام للدين وما يزال عاملا حاسما في الصراع على النفوذ في المنطقة بين الطرفين، فقد كان ذلك الصراع هو العامل المحرك لإثارة مقتل جمال خاشقجي وهو مواطن سعودي من أصول تركية بكل هذه الحدة من طرف انقرة، لما نتكلم عن التوظيف المتعمد لهذه القضية في ذلك الصراع لا يعني قبول الواقعة التي شهدتها القنصلية السعودية في اسطنبول، فما وقع عمل بائس لا تقره القوانين الوضعية ولا الشرائع السماوية، لكن التوظيف غير البريء للواقعة وبهذا الحجم غير المسبوق هو ما يثير الشكوك نظرا لذلك التحامل الغربي على السعودية وكأن ذلك ما كانت تنتظره أنقرة والعواصم الغربية لتصفية الحساب المقدم والمؤخر مع الرياض.

هناك قضية محورية في المنطقة هي القضية الفلسطينية، شعب بأكمله اغتصبت أرضه ويدفع قهرا وظلما إلى المنافي العالمية ليحل محله خليط من الأقوام لا رابط بينها إلا العداء للعرب والمسلمين يؤسسون لكيان ذي طابع عرقي وديني، فمتى كان الغرب يقبل بإقامة دولة على أسس عرقية أو دينية، هم ينادون بمبدأ المواطنة ويعتبرونه  هو الأساس، فلماذا يتم السماح بإقامة دولة عنصرية تقوم على العرق والدين ويتم في الوقت نفسه تجييش الإثنيات والطوائف في المنطقة لتفكيك دولها ودفع مواطنيها إلى الاقتتال.

لما نتكلم عن فلسطين نرى أنه لا أحد في عواصم الغرب يثير قضية هذا الشعب،  و في بورما يتعرض شعب آخر للتنكيل والطرد من موطنه من طرف حكام ذلك البلد جهارا نهارا أمام العالم لا لسبب، فقط لأن ذلك الشعب يدين بالإسلام، لكن لا أحد في عواصم الغرب تكلم عن  مأساة الروهينغيا، هناك صحفية بلغارية كانت مؤخرا تجري تحقيقات عن الفساد اغتيلت أمام العالم في نفس الوقت الذي قتل فيه خاشقجي لكن قضيتها تم طمسها ولا أحد تكلم عنها بينما أقام الغرب الدنيا على مقتل المواطن السعودي المذكور.

هذا هو قانون الكيل بمكيالين بعينه، الفلسطينيون شعب بأكمله يقتل ومن لم يمت أو يهاجر يتم محاصرته ليموت، يقف العالم أخرس أمام قضيتهم، فلا يتكلم ولا يرى ولا يسمع، الروهينغيا شعب بأكمله يباد ويسحق ويطرد من أرضه ولا أحد في العالم تكلم بشأنهم بل تقدم الأوسمة والنياشين لحكام بورما مكافأة لهم على صنيعهم، موقفنا هذا لا يتعارض مع التزامنا بكامل الاحترام لأرواح كل الأشخاص، الذين كانوا ضحية للقتل بغض النظر عن أعراقهم ودينهم وآرائهم ومواطنهم، يكفي أنهم بشر وأنه من حقهم العيش في أمن وطمأنينة وسلام. 

يربط البعض بين زيارة ولي العهد السعودي وموقف القيادة السعودية مما صار يعرف بصفقة القرن والتي ينظر إليها على نطاق واسع في المنطقة على أنها صفقة هدفها الأساسي خدمة الكيان الاسرائيلي وتصفية قضية فلسطين، ولذلك يعتبر تأييد هذه الصفقة والسكوت أمام ما يطبخ في مخابر واشنطن وغيرها من العواصم العالمية والإقليمية خيانة للقضية الفلسطينية.

يضاف إلى ذلك عمليات التطبيع مع الكيان الاسرائيلي الجارية على قدم وساق في منطقة الخليج، هذه توجهات مدانة بكل المقاييس، لكن لماذا لم يقم المعارضون لولي العهد السعودي بكل هذا الحراك أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانول ماكرون إلى الجزائر في وقت سابق، بل نظم له استقبال حافل في شوارع العاصمة وبعض الجزائريين تمسحوا بهدومه وتسابقوا على تقبيله والترحيب به، هل فرنسا تعترف بدولة فلسطين ضمن حدود 1967 وهل تعادي الكيان من أجل ذلك؟ ثم أليست الجزائر لها ثأر تاريخي مع فرنسا الاستعمارية ؟ ألم تقم فرنسا باحتلال الجزائر؟  ألم تكن هناك ثورات شعبية متتالية توجت بثورة نوفمبر لاسترجاع السيادة الجزائرية المغتصبة؟

ألم يدفع الجزائريون مليونا ونصف مليون شهيد في سبيل حرية بلدهم واستقلاله؟ ألم تكن السعودية من أوائل الدول العربية التي ناصرت الثورة الجزائرية وأمدتها بالمال والسلاح والملك سلمان نفسه،  والد ولي العهد،  كان هو المشرف على عمليات جمع التبرعات لصالح الثورة لنصرة القضية الجزائرية؟ ألم يكن أعضاء أول وفد جزائري حضر أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها سنة 1955م مسجلا ضمن أعضاء الوفد السعودي؟ ألم يدخل السفير السعودي للجمعية العامة رافعا علم الجزائر وطالب بتسجيل القضية ضمن جدول أعمال تلك الدورة؟.

هذا لا يعني بأي حال من الأحوال السكوت عن المس بحقوق الإنسان وضمان امنه وسلامته وحرية رأيه، ولا يعني موالاة بعض الدول العربية والإسلامية المؤيدة لصفقة القرن، ولا يعني الوقوف إلى جانب البعض منها في الصراع الذي تقوده على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط تحت أي ذريعة كانت.

هنا يجب أن نميز تماما بين المواقف السياسية الظرفية التي تمليها ارتباطات تلك الدول بخدمة أجندات غربية في إطار الصراع العالمي للهيمنة وبين العلاقات التاريخية التي تربط بين الدول والشعوب، لا يجب أن نفقد البوصلة، أما ما صار يعرف بقضية خاشقجي وأمثاله بالآلاف عبر العالم ممن عانوا من ظروف مشابهة فهي تخفي صراعا ظرفيا ينتهي بانتهاء المرحلة الراهنة، لكن العلاقات التاريخية بين الدول والشعوب هي الدائمة.أخيرا، أنا لا أدافع عن السعودية ولا أبرر مواقفها السياسية فهي ليست بحاجة للقيام بذلك، فلها من يدافع عنها ، لكنني ضد العمل الممنهج الذي تقوم به بعض القوى التي تحمل عداء لكل ما هو عربي، وتغتنم كل فرصة لتأجيج الصراع ضد الدول العربية وضرب علاقات الجزائر بالعالم العربي خدمة لأجندات مشبوهة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة