ولادة جديدة للسياسة
نجيب بلحيمر
3486

ولادة جديدة للسياسة

 الأحزاب التقليدية في فرنسا تحتضر، والحديث يدور عن موت الحزب الاشتراكي، وعن تفكك اليمين التلقيدي بعد أن النتائج التي حققها حزب الرئيس امانويل ماكرون في الانتخابات التشريعية التي جرى دورها الأول الأحد الماضي.

النتائج تؤكد أن انتخاب ماكرون، الشاب الذي لم يخض أي انتخابات من قبل، لم يكن حدثا عارضا، وأن الذين وضعوا ثقتهم فيه هم في الأصل نفضوا أيديهم من النخب السياسية التقليدية التي فشلت في تقديم البدائل المناسبة للتعامل مع الأزمات الاقتصادية وآثارها الاجتماعية، والتحديات الأمنية.

عبر آلان جوبي، وهو من أبرز وجوه اليمين، عن مخاوفه من أن يؤدي سقوط الساسة ذوي الخبرة في هذه الانتخابات سيؤدي إلى صعود نواب لا خلفية سياسية لهم، وهذا قد يحول البرلمان إلى غرفة تسجيل، كما تحدث كثير من النواب السابقين الذين خسروا الانتخابات، أو يخوضون الدور الثاني في وضع صعب، عن مخاطر هيمنة حركة الجمهوية إلى الأمام التي تدعم ماكرون على الجمعية الوطنية، بما يعني نهاية النقاش الديمقراطي، وتغييب السلطة الموازنة التي يمثلها البرلمان.

هذه التصريحات تصف واقع الحال، غير أن الأزمة السياسية تبدو أعمق بكثير، فالأمر يتعلق بفقدان النخب التقليدية لمصداقيتها سواء بسبب الفشل في تقديم البدائل العملية، أو من خلال إفلاسها الأخلاقي الذي تجلى في عدم الوفاء بالوعود الانتخابية، وفي الفضائح التي تورط فيها بعض هؤلاء والتي تتعلق بالسعي إلى الاستفادة من المال العام بالالتفاف على القوانين.

فرنسا ليست البلد الوحيد الذي يشهد هذه التحولات السياسية العميقة، حدث أن اختار الأمريكيون رئيسا بلا خلفية سياسية، وفي تمرد واضح على المؤسسة السياسية، وفاجأ الناخبون البريطانيون وسائل الإعلام ومراكز سبر الآراء عندما اختاروا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وسيشهد العالم مزيدا من التحولات في هذا الاتجاه.

لم تعد وسائل الإعلام التقليدية تصنع الرأي وتتحكم في توجهات الناخبين، وثورة الاتصالات أتاحت مزيدا من البدائل لرؤية الواقع بطريقة مختلفة، في حين توفر الديمقراطية فرصة تغيير النخب بشكل دوري، وهو ما يعني ولادة جديدة للسياسة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة