موت الإنسانية!
نجيب بلحيمر
348

موت الإنسانية!

انسحبت الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مثلما انسحبت من اليونيسكو، وهذه المرة أيضا وجدت إسرائيل تصفق لقرارها بحماس كبير، غير أن هذا الانسحاب لم يكن حدثا كبيرا رغم الأسف الذي أبدته الأمم المتحدة وأمينها العام، إذ تزامن القرار مع حدثين مفصليين كشفا الإفلاس الأخلاقي على المستوى العالمي.

أول الحدثين كان رفض إيطاليا وفرنسا ومالطا استقبال مئات المهاجرين الذين أنقذتهم من الغرق سفينة أكواريوس التابعة لمنظمة غير حكومية، وقد قبلت حكومة إسبانيا الاشتراكية المنصبة حديثا استقبال هؤلاء بعد أن صاروا مهددين بالموت.

لم يتوقف الأمر عند رفض استقبال هؤلاء وإغاثتهم، بل أعاد فتح الجدل حول الهجرة، وبدا واضحا أن التيارات السياسية العنصرية أصبحت في موقع قوة، وهي في أكثر من دولة تدعي تمثيل المجتمع وتقدم نتائجها في الانتخابات دليلا على صدق ادعائها.

جدل الهجرة في القارة العجوز تحول إلى ورقة بيد الرئيس الأمريكي ترامب الذي غرد من الضفة الأخرى للأطلسي قائلا إن الألمان انقلبوا على حكومتهم بسبب الهجرة، وأمريكا لن تكون ملاذا للاجئين والمهاجرين، وفي كلام ترامب محاولة لتبرير قرار وحشي اتخذه بفصل أطفال المهاجرين القادمين من المكسيك عن والديهم، وقد تم تداول صور مروعة عن مئات الأطفال وهم في حالة من الذعر بسبب قرار الرئيس الأمريكي.

بعد أيام تراجع ترامب عن قراره وأعاد أطفال المهاجرين إلى أحضان عائلاتهم وهو يحتجز الجميع في انتظار طردهم خارج الولايات المتحدة، غير أن الصورة التي رسمتها سياسة ترامب بخصوص الهجرة تقدم أمريكا كدولة عظمى مجردة من الأخلاق والإنسانية، وسيكون من الصعب تصحيح هذه الصورة في المستقبل القريب.

عادت الجدران لترتفع عاليا، فهذا ترامب يريد أن يجعل بينه وبين المكسيك سدا منيعا، وأوروبا تعيد تفعيل الحدود بعد أن كانت إسبانيا سباقة إلى بناء الجدار على الحدود مع المغرب، وبعد سنوات من التغني بشعارات العولمة، وحرية تنقل الأشخاص، تم إخراج السكاكين مرة أخرى لمواجهة الآخرين المختلفين لونا وثقافة والذين قد يشكل تكاثرهم الخارج عن السيطرة تهديدا لنقاء الأعراق المتفوقة وانسجام ثقافتها وصفاء هويتها.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة