ما وراء الاتهام !
نجيب بلحيمر
54

ما وراء الاتهام !

الاتهامات التي وجهت للجزائر بإساءة معاملة المهاجرين الذين تم ترحيلهم إلى بلدانهم يجب التعامل معها بجدية كبيرة، ولن يكون كافيا إصدار البيانات التي تدحض تقارير المنظمات غير الحكومية، وتصريحات المتحدثة باسم مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خاصة وأن هذه الاتهامات بقيت تتردد منذ فترة.

لا تتعلق المسألة هنا بجدل إعلامي، وهي لا تعني الرأي العام المحلي، رغم أن بعض وسائل الإعلام المحلية تحدثت خلال السنوات الماضية عن ممارسات تمييزية ضد المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، فضلا عن عمليات اعتقال واقتياد إلى الحدود، ويبدو واضحا أن موقف المفوضية السامية لحقوق الإنسان مبني على تراكم من المعلومات المتداولة منذ سنوات والتي شكلت المادة الأساسية لتقارير المنظمات غير الحكومية.

عملية ترحيل المهاجرين بدأت في سياق ظرف اقتصادي وأمني حساس، وقد تحدثت السلطات آنذاك عن مخاطر أمنية حقيقية تتمثل في استغلال شبكات إجرامية للمهاجرين، وجرت الإشارة إلى أن الجزائر مستهدفة من خلال موجات الهجرة السرية هذه، غير أن هذه التحذيرات لم تأت إلا في وقت متأخر جدا، حيث استقبلت الجزائر ولفترة سنوات، آلاف النازحين من دول جنوب الصحراء التي تعاني ظروفا اقتصادية صعبة ونزاعات مسلحة، ومع مرور الوقت تحولت البلاد من مركز عبور للمهاجرين نحو أوروبا إلى بلد استقبال وهو أمر شكل عبئا إضافيا على اقتصاد يعاني من آثار تراجع أسعار النفط.

التعامل الأمني مع المهاجرين القادمين من الدول المجاورة ترك ثغرات في تسيير ملف شديد الحساسية، وقد صدرت بعض ردود الفعل السلبية من جانب بعض الحكومات في المنطقة بسبب ترحيل مهاجرين إلى بلدان لا ينحدرون منها ولا يحملون جنسيتها، وهو ما فتح الباب أمام تعقيدات أكثر في هذه القضية.

إن التصريحات التي صدرت مؤخرا عن مفوضية حقوق الإنسان، وتقارير المنظمات غير الحكومية، هي بمثابة إنذارات يجب أن تتعامل معها الحكومة بمزيد من الجدية، فتسميم العلاقة مع الدول المجاورة، وتشويه صورة الجزائر لدى شعوب هذه الدول يمس بالعمق الاستراتيجي للجزائر، ويفتح ثغرة أخرى على حدودنا الجنوبية تضاف إلى المشاكل القديمة المتمثلة في التواجد العسكري الأجنبي، والنزاعات المسلحة، والنشاط الإرهابي، ثم إن هذه التقارير قد تتحول إلى أوراق سياسية توظف ضد الجزائر وأمنها في المستقبل.

إن على الجهات المعنية أن تراعي جميع التفاصيل القانونية في عمليات الترحيل لأن العالم يراقب كل شيء، فالصور والشهادات لا يمكن تكذيبها بالخطابات والبيانات.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة