ما هو أهم من العواطف !
نجيب بلحيمر
30

ما هو أهم من العواطف !

عندما يأتي رئيس فرنسي لزيارة الجزائر تسيطر العواطف على كل شيء، يعود التاريخ إلى الواجهة، وتنسج القصص عن خطوة جريئة بخصوص الذاكرة، وفي كل مرة يتبين أن العلاقات بين البلدين لا تسير بهذه الطريقة أبدا، وأن المفاجآت التي طال انتظارها لن تأتي.
مسألة الذاكرة التي عادت وسائل الإعلام لتناولها بمناسبة الزيارة التي يجريها الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون إلى الجزائر اليوم لا يمكن أن تفك عقدها بإعلان مدو بالاعتراف الفرنسي بالجرائم الاستعمارية، والاعتذار عنها، فهذا عمل يتطلب إنجازه مزيدا من الوقت والقسم الأكبر منه يقع على عاتق الجزائريين أنفسهم.
صحيح أن ثقل التاريخ الذي ترزح تحته العلاقة الجزائرية الفرنسية يستحق معالجة شجاعة وجذرية، غير أنه من الخطأ الفادح اختصار العلاقة بين البلدين في هذا الجانب، وعلى الجانب الجزائري أن يتعامل بجدية أكبر مع واقع هذه العلاقة وليس الاستغراق في الحديث عن الجوانب القابلة للاستغلال السياسي بدغدغة عواطف الناس.
الواقع يقول إن للجزائر علاقة معقدة مع فرنسا يمكن النظر إليها من زاوية هذا التشابك الإنساني الذي يمثله ملايين الجزائريين الذين يعيشون في فرنسا، وربما حان الوقت لنقول إن هؤلاء يمثلون طاقة مهدرة، وأننا لم نعرف كيف نحولهم إلى نقطة توازن في علاقتنا مع دولة قوية اقتصاديا وعسكريا، ومؤثرة بشكل كبير في جوارنا المباشر حيث يمس وجودها العسكري في منطقة الساحل أمننا في صميمه.
من غير الواقعية الحديث عن ندية اقتصادية أو ثقافية أو دبلوماسية مع فرنسا، لكن من الواجب العمل على تحسين قدرة الجزائر على التأثير في القرار الفرنسي خدمة لمصالح بلدنا بتفعيل العلاقة مع الجالية الجزائرية من مختلف أجيال المهاجرين، وسيكون الاستثمار في هذا الميدان هو الخيار الوحيد لاستعادة بعض التوازن في هذه العلاقة المختلة لصالح فرنسا لأسباب لا تحتاج إلى تفصيل.
ثم إن حسن تدبير العلاقة مع باريس وتسييرها يفتح المجال إلى مزيد من استقلالية القرار الجزائري على المستويات الإقليمية والدولية، وكل هذا يمكن بلوغه بعيدا عن منطق المواجهة والثنائيات الشكلية التي تثقل الأدبيات السياسية والخطاب الرسمي، في حين أن الواقع يخبر بعلاقة مختلفة تماما عما يراد لنا أن نراه.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة