طريق الخراب
نجيب بلحيمر
83

طريق الخراب

 لم يحدث أبدا أن كانت الولايات المتحدة معزولة مثلما هي عليه اليوم، فحتى بريطانيا الحليف التقليدي اعتبرت قرار دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل غير قانوني ويخالف القرارات الأممية، ومع بريطانيا وقفت دول أوروبية حليفة لواشنطن، وهو ما يعطي العرب والفلسطينيين دعما دوليا غير مسبوق بخصوص هذه القضية.

هناك معركة دبلوماسية لابد من خوضها، وهذه مهمة الحكومات العربية، فالولايات المتحدة لم تعد وسيطا ذا مصداقية، وسيكون الموقف الدولي بخصوص القدس ورقة تفاوضية مهمة إذا كانت هناك نية حقيقية في انتزاع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهذه الورقة هي في يد المفاوض الفلسطيني، وإذا أضيف لها ضغط ميداني شعبي من قبل الشارع الفلسطيني، في الضفة الغربية تحديدا، فإن الموقف التفاوضي الفلسطيني سيكون أفضل مما هو عليه الآن عشية طرح صفقة ترامب للتسوية.

ورغم هذه التطورات فإن احتمالات استغلال هذا الوضع تبقى ضعيفة، فالمشكلة الأساسية في العلاقة بين الأنظمة العربية والولايات المتحدة هي الخضوع التام الذي يجعل الحكام العرب ينفذون الأوامر الأمريكية دون مناقشة، بل وحتى دون مراعاة تأثير بعض القرارات على استقرار هذه الأنظمة والدول التي تحكمها، وقد أظهرت الأزمة الخليجية بين السعودية وقطر كثيرا من الرعونة حيث دخل الطرفان في سباق محموم من أجل إرضاء ترامب من خلال عقد صفقات بمليارات الدولارات من ضمنها شراء أسلحة لا تغير شيئا في التوازنات العسكرية القائمة في المنطقة.
لقد اتضح مع مرور الأيام أن ترامب يحمل مشروعا لبث الفوضى في المنطقة، وهو يعتمد على التفرقة بين مختلف الدول على أمل أن تتولى هذه الدول محاربة إيران نيابة عن إسرائيل وأمريكا، في حين يجني هو مزيدا من الصفقات بعد أن تأكد بأن بعض الدول تعتقد أن الارتماء في حضن ترامب هو الضمانة الوحيدة للاحتفاظ بمكانة ما في الاستراتيجية الأمريكية في منطقة فقدت كثيرا من قيمتها لصالح مناطق أخرى مثل آسيا.
إن السعي إلى إرضاء ترامب لن تكون له إلا نتيجة واحدة هي دفع المنطقة نحو مزيد من الفتن والحروب التي ستأتي على كثير من الأنظمة والكيانات التي تعتقد أن طريق الخلاص يمر عبر واشنطن.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة