شجرة "الحرقة" وغابة الهجرة
نجيب بلحيمر
299

فكرة

شجرة "الحرقة" وغابة الهجرة

شجرة "الحرقة" وغابة الهجرة

وزارة الداخلية تنظم ندوة وطنية حول مسألة الهجرة السرية أو ما يسمى "الحرقة"، والقضية تستحق دارسة عميقة وجادة لما تنطوي عليه من تناقضات تجعل فهم الظاهرة مستعصيا إلى حد الآن.

وزير الداخلية في مداخلته حاول أن يتطرق إلى الجوانب التي تتعلق بهذه الظاهرة التي تسبب في وفاة وفقدان أكثر من مائتي جزائري خلال سنة 2018، ويرى الوزير أن الأمر لا يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ومقارنة بسيطة بين وضعنا وأوضاع دول مماثلة تؤكد صحة الاستنتاج غير أن الإجابات المقدمة للسؤال المتعلق بالأسباب الحقيقية التي تجعل مئات الشباب يغامرون بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط تبدو ناقصة أو غير مقنعة.

يعيش كثير من الجزائريين حالة من التمزق بين نمط المعيشة هنا وما يرد إليهم من صور وقصص عن حياة مختلفة في دول أوروبا، وهذه الظاهرة ليست حكرا على الجزائر، وموجات الهجرة من أمريكا الجنوبية في اتجاه الولايات المتحدة تثبت عالمية الظاهرة التي تزيدها وسائل الاتصال الحديثة سرعة في الانتشار وتعقيدا في الطرق المستعملة للوصول إلى الدول المزدهرة اقتصاديا حيث فرص العمل أوفر وظروف العيش أفضل.

  إلى هذا يضاف إحساس عام بالظلم بسبب عدم شفافية المعايير المتعلقة بالترقية الاجتماعية سواء تعلق الأمر بالحصول على مناصب عمل، أو الوصول إلى بعض الامتيازات، وهو ما يشيع شعورا بالظلم يدفع إلى البحث عن حياة أفضل في أماكن أخرى، وهو ما يمكن أن نقرأه في هذه الآلاف من المهاجرين الذين يبحثون عن جنسيات أخرى توفر لهم فرصا أفضل لحياة أكثر رفاهية.

السعي إلى محاربة الحرقة من خلال تشديد الرقابة، وتفكيك شبكات المهربين وإحالة أعضائها إلى القضاء لا يجوز أن يتجاهل البحث في الأسباب العميقة التي تجعل الجزائر عاجزة عن الحفاظ على الكفاءات التي أنفقت أموال طائلة من أجل تكوينها، فالشباب  الذي يخاطر بركوب البحر يمثل نسبة قليلة جدا من الآلاف الجزائريين الذين يغادرون البلاد سنويا بطريقة قانونية وهو يحملون أعلى الشهادات لتستقبلهم دول أخرى كقوة منتجة جاهزة ودم جديد يضخ في اقتصاديات تلك الدولة.

من المفيد أن نذكر أن الهجرة هي في النهاية بحث عن الحياة التي يراها الإنسان لائقة به، ولا يختلف الأمر هنا بين شاب مغامر فشل في دراسته وصاحب شهادة عليا رغم الفوارق الكبيرة بين الفئتين واختلاف طريقيهما نحو تلك الحياة التي فشلنا في توفيرها هنا.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة