خطاب شعبوي !
نجيب بلحيمر
3292

خطاب شعبوي !

 الخطاب الرسمي الجزائري ينبذ كراهية الأجانب والعنصرية، وتؤكد الحكومة أنها لن تتسامح أبدا مع أي حملات عنصرية يمكن أن تشن ضد المهاجرين واللاجئين الأفارقة الذين دفعتهم ظروف الحرب والأزمات الاقتصادية التي تعرفها دول جنوب الصحراء إلى ترك أوطانهم واللجوء إلى الجزائر طلبا للأمن والاستقرار، وقد دافع الوزير الأول وقت سابق عن موقف الجزائر من هذه القضية، وأكد أن هناك عملا يجري إنجازه من أجل إحصاء اللاجئين وتوفير ظروف إقامة مناسبة لهم، كما أكد أن الجزائريين ليسوا عنصريين، ولا يكرهون الأجانب، واتهم أطرافا بالسعي إلى تشويه سمعة الجزائر من خلال إلصاق تهمة العنصرية بها.

أول أمس جاء ما ينقض الموقف الرسمي الجزائري من داخل مؤسسة الرئاسة نفسها، فقد اعتبر مدير ديوان رئاسة الجمهورية أحمد أويحيى المهاجرين الأفارقة مصدرا للجريمة وتجارة المخدرات، وقد أثار هذا الموقف استياء بعض منظمات حقوق الإنسان مثل العفو الدولية.

سيقال إن أويحيى تحدث بصفته أمينا عام للتجمع الوطني الديمقراطي، وهو بالفعل تلقى دعم حزبه الذي تبنى بشكل كامل تلك التصريحات التي وصفها البعض بأنها صادمة، غير أن الفصل بين مدير الديوان بالرئاسة والأمين العام لحزب ينتمي إلى السلطة ليس ممكنا في مثل هذه الحالات. فالمسألة تتعلق أصلا بموقف مبدئي لا علاقة له بالسياسة، والشخص الذي ينظر إلى المهاجرين الأفارقة على أنهم مصدر لكثير من الآفات، هو في الحقيقة يحمل مسؤولية موقفه للدولة بحكم المنصب الرسمي الذي يشغله، وموقفه هذا مناقض تماما للموقف المعلن للحكومة من طريق وزيرها الأول.

لم يقل لنا أويحيى كيف استنتج أن المهاجرين الأفارقة يروجون للمخدرات، وأي جرائم تورطوا فيها، ولا نعلم إن كان حكمه مبنيا على إحصائيات رسمية تؤكد أن كبار تجار المخدرات في البلد هم من المهاجرين الأفارقة، وأن أغلبية الجرائم التي تحدث عندنا يتورط فيها هؤلاء المهاجرون.

الظاهر أن أويحيى نقل انطباعا سائدا، تم الترويج له من خلال وسائل إعلام تبنت نظرة سلبية تجاه المهاجرين الأفارقة، وانحازت إلى أولئك الذين يدعون إلى ترحيلهم بصرف النظر عن المصير الذي ينتظرهم في بلدانهم الأصلية، وتبني مسؤول في مرتبة أويحيى لهذه الأحكام المسبقة وغير المؤسسة هو مؤشر خطير على غياب ثقافة الدولة، وعلى عدم إدراك حساسية هذه القضية بالنسبة لبلد تعتبر إفريقيا عمقه الاستراتيجي ومحيطه الذي فيه يتقرر مصيره على المستويات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية.

بقي تفصيل قد يمثل مفاتحا لفهم تصريحات أويحيى، إنه الربط بين السيادة الوطنية ومسألة معالجة قضية اللاجئين، وهذا الربط يختزل الخطاب الشعبوي الذي يتبناه الأمين العام للأرندي متجاهلا الأعباء التي يفرضها عليه منصبه الرسمي كمدير لديوان الرئاسة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة