المخاطرة من أجل البقاء !
نجيب بلحيمر
254

المخاطرة من أجل البقاء !

 توقع الرئيس الأمريكي ترامب أن يهرول الإيرانيون صوبه، فالوضع هناك صعب حسب قوله، وقد أراد تشجيعهم على هذه الخطوة عندما قال إنه مستعد للقائهم متى أرادوا ودون شروط مسبقة، ولعل اللعبة التي لعبها مع كوريا الشمالية أغرته فأراد أن يكررها مرة أخرى. تصور الرئيس الأمريكي عن إدارة العلاقة مع إيران يبدو بسيطا وواضحا، فقد أعلن انسحابه من الاتفاق النووي، ووضع شهر نوفمبر كحد لمنع تصدير النفط الإيراني من خلال فرض العقوبات على الشركات التي تتعامل مع إيران، ثم إنه جلس يتفرج على الإيرانيين وقد حل بهم الفزع من إمكانية سقوط النظام تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية التي تغذيها الأزمة الاقتصادية المتفاقمة بفعل عودة العقوبات الأمريكية. لم يأت الرد الإيراني كما توقع ترامب، فقد أعلنت طهران رفض دعوة ترامب إلى اللقاء والحوار، وقالت إن ذلك ممكن فقط بشرط أن تعود واشنطن إلى الاتفاق النووي، ويوقف ترامب تهديداته بعرقلة تصدير النفط الإيراني، فإيران تعرف جيدا أن أي اتصالات مع ترامب الآن هي بمثابة رضوخ لقراراته، وستمنحه نصرا دبلوماسيا لا يستحقه. لا جدال في أن الولايات المتحدة قوة عسكرية واقتصادية جبارة، وهي قادرة على بلوغ أهدافها بوسائل متعددة، لكن هذا لا يمكن أن يكون مبررا لخيار الخضوع التام الذي تأخذ به بعض الدول في التعامل مع هذه القوة، فإيران تمسكت بمشروعها النووي وقاومت ضغوطا هائلة لسنوات حتى افتكت اتفاقا مع الدول الغربية، وهي اليوم مصرة على عدم التنازل. لا تتعلق المسألة بالمبادئ والإيديولوجيا كما يعتقد كثير من الناس، فالتجارب التاريخية أثبتت أن الخضوع لأمريكا لا يمكن أن يكون ضمانة، وما يريد ترامب فرضه سيأخذ طهران إلى الانهيار، وسيجعل النظام فيها مهددا بالتفكيك، وهذا ما يفسر السعي إلى استغلال كل الأوراق المتاحة من أجل تصحيح توازن القوى المختل لغير صالح طهران. قيادة بلد والحفاظ على مصالحه ليست أمرا هينا في عالم مليء بالمخاطر، واختيار الطريق الأسهل والأسلم لا يمثل دائما الخيار الأكثر حكمة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة