اقتحام الحياة !
نجيب بلحيمر
66

اقتحام الحياة !

مئات المهاجرين من دول جنوب الصحراء اقتحموا السياج الحديدي الفاصل بين الأراضي المغربية ومدينة سبتة المحتلة من طرف إسبانيا، وقد نجحت أغلبيتهم في الوصول إلى المدينة شديدة التحصين رغم أنه تم إلقاء القبض عليهم واقتيادهم إلى مراكز الإقامة قصيرة الأمد المخصصة للمهاجرين غير النظاميين.

هذه الحادثة التي وصفتها الشرطة الإسبانية بأنها أكبر عملية اقتحام والأكثر عنفا تعكس المأساة التي يفر منها المهاجرون، وقد لا تنفع الجدران التي ترفعها أوروبا في وجوههم، في ثنيهم عن السعي إلى الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

ليس لدى المهاجرين ما يخسرونه، فهم يفرون من بلدانهم ليس تجسيدا لحلم في الهجرة، أو انبهارا بنمط المعيشة الغربي، ولا انجذابا إلى قيم معينة، بل من أجل العيش بالمفهوم البسيط الذي يتضمن شروط البقاء على قيد الحياة، ففي دول جنوب الصحراء توجد أدنى المعدلات العالمية في الأمل في الحياة والتي لا تكاد تبلغ الخمسين سنة، وفي مقابلها أكبر معدلات النمو الديمغرافي، وتقف هذه المفارقة على أرض قاحلة تزحف عليها الصحراء بشكل مخيف، وتظهر فيها آثار التغيرات المناخية التي ليس لإفريقيا يد فيها.

على الضفة الأخرى من البحر توجد المصانع التي أفسدت البيئة، والإنتاج الوفير الذي يتجاوز بكثير ما يحتاجه المستهلك من غذاء، لكن الفوائض لا تذهب إلى من يحتاجها في بلدان أخرى، فالقواعد التي يقوم عليها النظام الرأسمالي لا تترك متسعا للقيم والمثل الإنسانية، وحده الربح يحدد السلوك.

لا يهتم المهاجر بالتفاصيل التي تعج بها الكتب عن أوروبا واقتصادها وقيمها ونظمها السياسية، فهو بالكاد يتابع نشرات الأخبار، وحتى التهديدات والجدران التي ترتفع لا تعني له الشيء الكثير، كل ما يهمه هو أن يحافظ على الأمل في الحياة، يتسلح به ويستعد لمواجهة كل العقبات التي تحول بينه وبين الحياة التي يراها على الطرف الآخر، والتي يريد أن يبلغها بحرا أو اقتحاما للسياج.

تختزل مأساة المهاجرين مأزق الإنسانية، وستفشل كل الحيل القانونية، والإجراءات البوليسية في وقف هذا المد البشري لأن الهارب من الموت لن يوقفه إلا الموت، وبموت هؤلاء تموت الإنسانية كل يوم.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة