إرث الأخيار
نجيب بلحيمر
468

إرث الأخيار

مارس شهر الشهادة والنصر، فيه استشهد رموز الثورة وقادتها الكبار، العربي بن مهيدي، ولطفي، وعميروش، وسي الحواس، ومصطفى بن بولعيد، وهو شهر انتصار ثوار الحرية والإنسانية على الإجرام الاستعماري.

 نذكر الشهداء في شهرهم ونحن عاجزون عن تبين الطريق القويم، لا نعرف كيف نتجاوز تخلفنا وعجزنا، ومنا من صار أمله في الحياة مرهونا بإيجاد وطن بديل، فلا نكاد نجد من يؤمن بالتضحية طريقا للخلاص، رغم أن هذا السبيل الذي سلكه الأخيار الذين نذكرهم اليوم هو الذي منحنا حياة كريمة أعادتنا إلى مصاف البشر بعد أن أرادت فرنسا أن تحول الجزائريين إلى مجرد بهائم أو دون ذلك.

الإرث العظيم الذي تركه الشهداء لا يمكن اختزاله في سيرة تسرد على تلاميذ المدارس ولا في فيلم يعرض في مناسبة ثم يطويه النسيان، إنه أكثر من ذلك بكثير، هو خارطة ترسم طريق الخلاص لأمة أنهكتها الخيارات الخاطئة، وتهددها الأنانية والنزعة الفردية بالانقسام والفناء.

لا مستحيل أمام عزيمة الرجال، هذا ما نحن بحاجة إلى استلهامه من الشهداء، فمهما تكن المصاعب التي يواجهها الجزائريون اليوم لا يمكن أن تبرر اليأس من الإصلاح، والتقاعس عن بناء الدولة، فهؤلاء الشباب الذين اختاروا الوطن فجروا ثورة كانت تبدو مطلقة الاستحالة، غير أنهم آمنوا من أول لحظة بأنهم  ماضون في طريق شاق، وأن ثمار ما يزرعونه ستقطفها أجيال أخرى لن يدركوها أبدا.

ما حقر الشهداء شعبهم وما يئسوا منه، فقد كانت ثقة بن مهيدي في الجزائريين فوق أن يستوعبها عقل أو يحيط بها وجدان، ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب، رغم البؤس والجهل الذين زرعهما الاستعمار انتصر إيمان بن مهيدي بشعبه على جميع عقبات الواقع، و لن يفلح مصلح اليوم ما لم يؤمن بشعبه، ولن تبنى الدولة التي أرادها الشهداء دون أن يكون الشعب سيد قراره وصانع مصيره.

بعد هذا كله، أو ربما قبله، آمن الشهداء بجزائر موحدة، كانت حدودها معلومة في وجدانهم، وساروا في ربوعها ليقدموا دماءهم ثمنا لوحدتها، وعلينا أن نتذكر اليوم أن كل سياسة خاطئة، أو تعصب مقيت يقود إلى تفكيك الجزائر هو خيانة للدم الطاهر الذي عمدها به أبناؤها الأخيار.

سلام على الشهداء في شهرهم، وسلام على أرواحهم التي أعادت للمضطهدين الأمل في الحرية والكرامة، وسلام على من يسعى للنهوض بهذه الأمة من كبوتها بالعودة إلى معين الأخيار الذي لا يخالطه دنس.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة