فرنسا في الجزائر؟؟؟
خليفة بن قارة
801

فرنسا في الجزائر؟؟؟

معظم الرؤساء الفرنسيين يفضلون زيارة "الجزائر المستقلة" في شهر ديسمبر، ربما لأنهم مازالوا يُخضِعون علاقاتهم بالدولة الجزائرية، إلى ذلك المرسوم الفرنسي، الصادر في العشر الأوائل من هذا الشهر، قبل مائة وثلاثة وثلاثين عاما، والذي "أقرّ بعدم وجود شخصيةٍ قانونية للجزائر، وقسّمها إلى ثلاث مقاطعات فرنسية"، أو إلى الفلسفة الاستعمارية النائمة في وعي الساسة الفرنسيين، ففي نفس هذا الشهر وبعد سبعين عاما أيضا، يُقسِم الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، الذي كان وزيرا للداخلية، أمام الجمعية الوطنية الفرنسية بالقول: "إذا قبلنا الحوار مع البلدييْن المَحمِيين، تونس والمغرب، فإن ذلك غير ممكن إطلاقا مع الجزائر، التي هي مقاطعة فرنسية، وجزء لا يتجزّأ من فرنسا". .
كل الذين أقاموا في قصر الإليزيه بصفة رئيس، استفادوا من زياراتهم إلى الجزائر، ذات الراية المختلفة عن الراية الفرنسية، وأن معظم الذين ساقتهم الأقدار، ليحكموا تحت ظل راية الشهداء، قدّموا لفرنسا أكثر مما طلبت، وجعلوها موجودة بقوة في الجزائر، عِوَض أن تكون الدولتان متكافئين في الرِّبْح من تلك العلاقات، فمن الرضا بطيّ الصفحة الأكثر سوادا للكولونيالية في الجزائر، إلى إصدار قانون العار، الذي مجَّد الاحتلال، باعتباره إحدى نِعَم الحضارة الفرنسية، إلى إنقاذ مئات الشركات المُفلِسة، بإعادة الحياة لها في الجزائر، وكان الشعارُ السياسيُّ الوحيد، المرفوع في زيارات كل الرؤساء، هو ضرورة إغفال الماضي، والتركيز على المستقبل، الذي تكون فيه فرنسا الرابح الأكبر، وربما الرابح الوحيد، وجاء مانويل ماكرون بصفته مُرشَّحًا للرئاسة، وهو يحمل حقّ تجريم الاحتلال، كما أعطى إشارات إيجابية، للاعتذار عن الجُرْم الفرنسي الأكبر، في حق الجزائر والجزائريين، ولكن حينما عاد إلى الجزائر رئيسا، اكتفى بالقول، لا إنكار ولا تجريم لما جرى في الجزائر، ليُؤكِّد لكل مَن لا زال يأمل في استعادة الحق بالضعف والهزال، من السياسة الفرنسية، أنه واهِم وساذج وبليد حتى لا أقول إنه عميل .
لم يفهم الكثيرون- وأنا منهم- ما الدّاعي إلى تحشيد الناس، لاستقبال الرئيس الفرنسي، استقبالا شعبيا، في ظاهرة كنت أعتقد أن زمانها ولّىَّ إلي غير رجعة، ولم تُسعِفني مداركي لأتبيَّن الهدف من ترْك "الماكرون" يُحدِّد الأماكن التي يزورها، والشوارع التي يسير فيها، بل ويختار وحده، الأشخاص الذين يُفضِّل تناول غدائه معهم، بل ربما أصابني انسداد و"حبَس" تفكيري، حينما رأيت حفيدات النساء الجزائريات، اللواتي كُنَّ لا يُزغرِدْن إلا على الشهيد، الذي سقط في ميدان الشرف، من أجل عِزّة الجزائر وكرامتها، وقد أطلقن لحناجرهن العنان، فرُحْنَ يُزغردن بلا انقطاع، على حفيد مَن أوقفوا الحياة في مليونٍ ونصف المليون من الشهداء، والأغرب أنْ تعانقه امرأة- وهي تشهق- عناق المُحِبَّة، التي عاد إليها عزيزها بعد غيابٍ طويل، فهل مَنْ يُفتيني فيما رأيته رأْي العين، ولم يُخبرني به أحد، أثناء زيارةٍ لم تدم أكثر من سبع ساعات، لرئيسٍ اعتبره الذين دعوْه ضيفًا فوق العادة ؟
إذا ابتعدنا عن بروتوكول هذه الزيارة، فإن تساؤلاً مشروعا فرض نفسه علينا جميعا: ماذا كنا ننتظر من "فارسها" ؟ أعتقد أن الجزائريين، من غير الكتلة الصامتة اليائسة، هم أنواع ثلاثة إزاء هذه الزيارة، لكل نوعٍ مطالبه، أو ما يأمل أن يُحقِّه له الرئيس الوسيم القادم من زمنٍ آخر:
*النخبة السياسية، سواء تلك التي تتمتّع بملذات السلطة والحكم، أو الراغبة في التلذُّذ ولو بجزء بسيط من منافعها، ترى فيه الآتي في الوقت المناسب، للمساعدة في إيجاد حلٍّ للمشاكل المتناسلة في تراكم، من أجل البقاء في كرسيِّ الحكم، للذين هم جالسون عليه ومَحْمِيّون به، أو إدامة الرغبة في الوصول إليه بأي طريق، من اللاهثين المتربصين، المُنفطِرة قلوبُهم وهي ترنو إليه .
*الشباب الذي سُدَّت في وجهه الطرق، وتوقّفت به الحياة في شبه شللٍ ويأس، وأحيل بينه وبين مستقبلٍ في الحياة الكريمة التي يهفو إليها، كي يُثبِت وجوده، ويستطيع المشاركة الفعالة، في بناء المجتمع الذي يعيش فيه، ينتظر منه تسهيل الحصول على الفيزا، التي يظن أنها تأشيرة الذهاب الوحيدة، إلى المستقبل المحجوز في بلاده .
*الأسرة الثورية الحقيقية، وبقية الشعب المكلوم من فرنسا، تودّ أن تراه شجاعا قويا في أفعاله، كما كان يبدو في أقواله، ويتجاوز عقدة "الاستعمار"، فيعترف بالجُرْم الأكبر لجيوش الاحتلال الفرنسية، ويُقدِّم اعتذارًا صريحًا، يكون برْدًا على قلوب الملايين، ممَّن قضوا نحبهم، أو ممَّن لا زالوا ينتظرون، ويخطو بفرنسا الرسمية، خطوة تُصدِّق نواياها في تحسين علاقات الشعبيْن، بتقديم تعويضٍ مناسب، لضحايا الاغتصاب، والتدمير، والمذابح، والتفجيرات النووية، التي لا تزال تقتل وتشوِّه إلى ما شاء الله من العقود القادمة، فقد يُشجِّع ذلك مسئولينا، على أن يرفعوا أيديهم، عن فكرة إصدار قانونٍ جزائريٍّ يُجرِّم الاحتلال، بعدما عطّل الذين يظنون أنهم أوصياء على الشعب، فكرة تقنينه في وقت سابق، بحجة أن مصالح الحُكْم الآنية، أولى من أحاديث الماضي .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة