عندما يدوس الدكتور دوراري على الدستور ويتجاهل حقائق التاريخ
عامر البغدادي
191

عندما يدوس الدكتور دوراري على الدستور ويتجاهل حقائق التاريخ

الدكتور عبد الرزاق دوراري هو مدير المركز الوطني البيداغوجي لتعليم تمازيغت، فهو مسؤول سام في الدولة الجزائرية، مكلف بالإشراف على الجهاز الوطني الذي يعهد له على المستوى البيداغوجي بتعليم اللغة الأمازيغية. يعني مسؤول هيئة حكومية سامية ضمن حقل التعليم. هذا المسؤول السامي أدلى مؤخرا بحديث لصحيفة »صوت الأحرار« ذكر فيه أن العرب الذين نشروا الإسلام في الجزائر عادوا أدراجهم من حيث أتوا، مما يعني أنه لا وجود لعرب في الجزائر. وحسبه فإن ما يصفه بالجين الشمال أفريقي حاضر بنسبة 92 %، مما يعني أن نسبة 8 % الباقية فقط هي ما يمكن وصفهم بالعرب.


المفارقة العجيبة أنه قبل مدة قصيرة، وبالتحديد في شهر فبراير 2017 ، ألقى الدكتور دوراري محاضرة مكتبة »شايب الدزاير« بالعاصمة، قال فيها إن لغة بني هلال في الجزائر ليست هي لغة القرآن. يعني منذ سنة فقط كان يقر بوجود عرب في الجزائر هم بني هلال وحكم بأن لغتهم ليست هي لغة القرآن، وفجأة وبعد سنة ينفي وجودهم جملة وتفصيلا. وهو لا يسعى في واقع الحال إلى نفي أي حضور عربي في الجزائر وعموم المنطة المغاربية ولكنه يسعى إلى إقصاء اللغة العربية من الفضاء الجزائري باعتبارها، كما كان يقول الفرنسيون، لغة أجنبية أو دخيلة، ولكي لا يصدم غالبية الجزائريين، يسميها عربية المدرسة، ويدعو إلى تدريس ما يصفه باللغة الجزائرية.
نحن لا نعرف، كيف توصل الدكتور دوراري إلى هذه الأحكام، وهو رجل يفترض فيه التحفظ بخصوص هذه القضايا التي تمس الهوية الوطنية. وإذا لم يلتزم بالتحفظ فله ذلك، لكن عليه الابتعاد عن الأيديولوجيا والذهاب نحو إصدار أحكام مؤسسة، أي تستند إلى أسس علمية أو تاريخية أو قانونية على الأقل.
ومن باب المنطق كيف يمكن نكران وجود عرب في الجزائر، في الوقت الذي يقال فيه إن لغتهم ليست هي لغة القرآن. من أين جاء بهذا الحكم وكيف توصل للحكم الآخر الذي ينفي وجود عرب من أساسه، وما هي الأدوات التي استعملها للوصول إلى أن نسبة 92 % من جينات السكان تشير إلى أنهم ظلوا كذلك دون أي تغيير منذ مليوني عام. وهو بذلك ينفي سنة التطور التي تتميز بها طبيعة الحياة وينفي حدوث أي تفاعلات حضارية أو ثقافية أو لغوية بين قدماء السكان وروافد بشرية أخرى اختلطت بهم أو اندمجت معهم بحكم أن الجزائر كانت ملتقى للحضارات التي عرفها البحر المتوسط ولم تكن أرضا معزولة عن محيطها الذي وصفه البيان المؤسس للدولة الجزائرية المعاصرة بالمحيط الطبيعي العربي الإسلامي.
هذا النوع من النقاشات الذي محوره الهوية الوطنية ويمس الدستور الجزائري تحديدا، يجب أن يتسم بالمقاربة العلمية دون أية صبغة أيديولوجية. وكنا نأمل أن الهوية يجب أن تظل بعيدة عن الجدل والتجاذب السياسوي، لأنها تعبر في أبسط صورها عن القواسم المشتركة الكبرى التي تتلاقى حولها الجماعة الوطنية، والتي يجب الحفاظ عليها في منأى من أي تلاعبات سياسوية، لأنها تشكل الأسس الكبرى التي يقوم عليها الوطن، وضرب الأسس التي تقوم عليها والمتوافق عليها يعني ضرب الدولة الوطنية.
وما يجب توضيحه في هذا المجال هو أن الهوية الوطنية في جوهرها هي المحصلة النهائية للتطورات التي عرفها الكيان السياسي الجزائري عبر القرون . فهي لا تعبر عن عرق بذاته ولا عن لغة بمفردها ولا عن دين بعينه ولكنها هي محصلة تفاعل كل هذه العناصر مع مسار التاريخ وعوامل الجغرافيا. وعليه فلا يجب إخضاع الهوية لمنطق الانتقاء، انتقاء الحقب أو الأشخاص والتوقف عندها واعتبارها ثابتا لا يتحول ولا يتبدل. ولا يجب مسح التطورات التاريخية والاجتماعية مجتمعة ومتكاملة أو القفز عليها أو نفي بعضها أو تغييره بجرة قلم، خدمة لأغراض سياسوية أو أيديولوجية ظرفية.
ومن المفيد للجزائر أن يوضع حد لمثل هذه الأساليب الملتوية لضرب الانسجام المجتمعي الذي ترسخ عبر القرون. لقد سبق لسيدتين جزائريتين هما نعيمة صالحي ومليكة معطوب أن تلاسنتا حول الموضوع، حيث دعت السيدة معطوب السيدة صالحي إلى العودة للسعودية إذا كانت تعتقد أنها عربية، وذلك ردا على تصريح للسيدة صالحي دعت فيه إلى معاقبة ابنتها إذا تحدثت بالقبائلية، وهي إحدى تنوعات اللسان الأمازيغي. لم ندخل حينها في ذلك النقاش لأننا اعتبرناه جدلا يجري بين العامة من الجزائريين وهو منتشر عبر وسائط التواصل الاجتماعي. لكن عندما يتعلق الأمر بأهل الاختصاص والمسؤولين، فهذا لا نقره ليس من باب الوصاية أو فرض تصورنا على الآخرين لكن لتصويب ما نراه انحرافا عن الثوابت الوطنية ومسا بالقواسم المشتركة الكبرى التي يتلاقى حولها الجزائريون كل الجزائريين.
الملاحظ أن الدكتور دوراري وفي المحاضرة التي ألقاها بمكتبة »شايب الدزاير«، قال إن الجزائر بلد متعدد لغويا وثقافيا وعقائديا، فكيف ينفي اليوم وجود عرب بالجزائر. كما نلاحظ كذلك أنه ينطلق في رؤيته من خلفية أيديولوجية مفادها أن النظام القائم بعد الاستقلال فرض أحادية اللغة على الجزائريين بالجبر والإكراه ولم يسمح بالتعددية اللغوية والثقافية ويرى أن هذا هو سبب مشاكل الجزائر وليس قضايا التنمية والتحديث. وهي رؤية تقفز على الواقع وتتجاوزه لتعود به إلى نهاية عقد الأربعينات، وتسعى لفرض تصورات المدرسة الكولونيالية الفرنسية في التاريخ والثقافة والمجتمع.
من الناحية الدستورية، تم تحديد مكونات الهوية الوطنية في الدستور، وقد نصت ديباجته على أن مكونات الهوية الجزائرية هي الإسلام والعروبة والأمازيغية. وتنص نفس الديباحة على أن الجزائر أرض عربية وأفريقية ومتوسطية. وهو هنا يعني بعبارة أرض الفضاء الجغرافي وليس الجانب العرقي أو الإثني. وفي كلتا الحالتين، سواء من ناحية المكونات البشرية والثقافية والحضارية أو على مستوى الفضاء الإقليمي يكرس الدستور وبصريح العبارة مكون العروبة الذي ينفيه السيد دوراري. وبنفيه لذلك، يكون قد مس بالدستور وفي الوقت نفسه تجاهل حقائق التاريخ ومعطيات الجغرافيا.
من الناحية التاريخية، كنا نأمل من السيد دوراري، وهو ممن رافقوا العالم الفاضل واللغوي الكبير الحاج صالح، أن يكون أكثر تفهما لحقائق التاريخ ومعطيات الجغرافيا وأن يبرز ما يجمع الجزائريين ويوحدهم وليس ما يفرق بينهم ويفتت وحدتهم ويضرب انسجامهم الاجتماعي ويمس بالتعايش بينهم، خاصة وأن الجزائر هي من تقدمت مؤخرا على مستوى الأمم المتحدة بإقرار يوم عالمي للتعايش في سلام.
وكنا نأمل منه أن يلتزم بحدود اختصاصه، بوصفه باحثا في اللسانيات وليس مؤرخا ولا عالم جينات، حتى يصدر أحكاما تاريخية أو معطيات ترتكز على علم الجينات، سيما إذا كان الأمر يمس الهوية الوطنية. تاريخيا، ترافقت حركة الفتوحات مع استقرار جاليات عربية في الجزائر عبر المحور الممتد من بسكرة وطبنة، بريكة، والحضنة جنوبا إلى سطيف وميلة شمالا. لكن في الوقت نفسه، يجب الإقرار بأن القادة الذين شاركوا في الفتوحات وكذا الجيوش التي أطروها كانوا يعودون إلى المشرق وتحديدا إلى مصر أو الشام عند انتهاء مهماتهم. تلك الجاليات العربية عرفت تاريخيا بعرب الفتح أو العرب البلدية وقدرتهم المصادر التاريخية بحوالي مائة ألف، إذا أخذنا برواية شارل أندريه جوليان لتقريب الفهم إلى أذهان مؤيدي المدرسة الاستعمارية في التاريخ.
ومع منتصف القرن الحادي عشر للميلاد أي مع بدايات الألفية الثانية استقرت جموع عربية أخرى عبر بلاد المغرب ومن بينها الجزائر، عرفت تاريخيا ببني هلال الذين قال عنهم السيد دوراري بأن لغتهم ليست هي لغة القرآن. وقدر المؤرخون عدد هذه الجموع التي كانت من الكثرة مما جعل المؤرخ العربي عبد الرحمن بن خلدون يصفها بالجراد المنتشر، بحوالي أربعمائة ألف أي قرابة نصف مليون إذا أخذنا بمصادر وطنية كالمؤرخ أحمد توفيق المدني. ولذلك نستطيع أن نؤكد اعتمادا على المعلومات التاريخية أن الجموع العربية فاقت خلال القرون الوسطى نصف مليون نسمة. لنتساءل الآن أين ذهبت تلك الجموع التي فاق عددها نصف مليون شخص خلال العصر الوسيط مع العلم أن الأرض لا تأكل البشر.
إذا أضفنا إلى هذه الجموع العربية، مئات الآلاف من اللاجئين الأندلسيين الفارين خلال القرون الوسطى وبدايات العصر الحديث من بطش المسيحيين الإسبان والذين استقروا على طول السواحل الجزائرية وكذا بعض المناطق الداخلية، وقدر عددهم ما بين 600 ألف و700 ألف نسمة وكانوا حملة ثقافة عربية راقية نشروها عبر السواحل الجزائرية فأسسوا مدنا كاملة وجددوا بنيان مدن أخرى، نكون أمام أكثر من مليون شخص يحمل الطابع العربي لغة وثقافة وهو ما عزز في وقت مبكر انتشار العربية من مشرق الجزائر إلى مغربها باستثناء مناطق جبلية معزولة.
على مستوى علم الجينات، وهو علم معاصر، تقول معظم الدراسات المتوفرة حتى الآن أن تواجد المورث J1 الذي يمثل العنصر العربي يقدر في الجزائر ب 35 في المائة وأن تواجد المورث J2 في الجزائر والذي يمثل كذلك العنصر العربي والعنصر الفينيقي يقدر بأكثر من 9 في المائة. مما يعني ان العنصر العربي جينيا أو الشرق أوسطي على العموم يقدر بحوالي 45 في المائة من سكان الجزائر وهو ما يعادل قرابة نصف السكان. وفي المقابل تشير آخر الدراسات الجينية لباحثين أمريكيين والتي مست مدينة تيزي وزو بوصفها مدينة ذات طابع أمازيغي بحت أن نسبة سكان المدينة الذين يحملون المورث الجيني E-M81 المعبر عن الكتلة الأمازيغية يقدر ب47 % من مجموع السكان بينما يشكل السكان الذين يحملون المورث J1 والذي يمثل العنصر العربي نسبة 15،79 في المائة وهي نفس النسبة تقريبا التي يحملها سكان ينحدرون من أوروبا أي حاملي المورث R1b1 . كما أبرزت الدراسة وجود عناصر تنحدر من أصول شرق أوسطية من حملة المورث E-M123 بنسبة 10،53 والأمر نفسه بالنسبة لحاملي المورث *F . وحسب هذه الدراسة فإن أكثر من نصف سكان مدينة تيزي وزو لا ينحدرون من اصل أمازيغي الذي يشار إليه بالمورث E-M81.
إذن، عندما يتكلم السيد دوراري عن ثبات التركيبة الأنتروبولوحية منذ مليوني عام وأن المورث أو الجين الشمال إفريقي بقي حاضرا بنسبة 92 في المائة من السكان يكون قد جانب الصواب، سيما إذا تعلق الأمر بمنطقة المغرب المعروف عنها أنها احتضنت الوجود الكنعاني أو الفينيقي لمدة تزيد عن ألف عام والوجود الروماني الوندالي الرومي لمدة تزيد عن ستة قرون والوجود العربي الإسلامي لمدة ألف وأربعمائة عام، فضلا عن الوجود الأوروبي المعاصر في سواحل الجزائر وكذا الوجود الأفريقي البارز في مناطق الجنوب التي عرفت تلاقحا بربريا زنجيا واضح البصمات. كل هذه التطورات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في أي حديث عن التركيبة الأنتروبولوجية للسكان وهذا لا يتعارض مع القول بأن أقدم من عرف تاريخيا بهذه الربوع هم البربر أو كما يقال حاليا الأمازيغ.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة