شَعْبُ الفَضاءِ الأزْرَق؟
خليفة بن قارة
644

شَعْبُ الفَضاءِ الأزْرَق؟

يبدو أن سلطة تكنولوجيا الإعلام والاتصال، قد أقامت جغرافية بشرية في شكل دولة ليس لها حدود، ولا تعترف بالأنماط التقليدية للمجتمعات، وقد بدأ الناس يتوافدون على هذا التجمّع، وطابت لكثير منهم الإقامة، حتى بدا وكأن هناك انفصاما بين هؤلاء الوافدين وبين ربوع إقاماتهم القديمة، بل أصبح كثيرهم مواطنين لبلدٍ افتراضي، مخلصين له أكثر من إخلاصهم لدولة ميلادهم، وهو ما راح يُصعِّب التعايش بين مَن ينتسب إلى واقعٍ ملموس، تتراوح ألوانه بين الأسود والأحمر، حتى تحوّل إلى مجتمع طارد، وبين أناس ينتمون إلى فضاءٍ أزرقَ هلاميٍّ، تتكاثر أعداده باستمرار، خاصة بعدما ارتفع تعداد شعب الفايسبوك إلى مستويات قياسية، فقد بلغ في الجزائر وحدها، تسعة عشر (19) مليونا من أصل تسعة وعشرين (29) مليون جزائري، يسبحون عبر الأنترنت، خارج واقعهم الذي لم يعُودوا يطيقونه.

تكاد تتأكد صورة مجتمع الواقع، الذي يفقد مواطنيه بوتيرة متسارعة، تمثِّل خطرا كبيرا على توازنه، لصالح مجتمعٍ آخر، ليس لها خطوط نهاية، سيما في الدول الغارقة في وحل التخلف، ففيها يتشكّل مجتمعان متوازيان، مجتمع السلطة، أو مجتمع الأمر الواقع، وهو تجمّع لعُصب حاكمة تمتاز،بانعدام رؤية المسئول لمن هو يدير شئونهم كرها، إلا من خلال أعين حَرَسِه الشخصي، الذي يمنع وصول مظالم سوء تسييره إليه، أو بواسطة سائقه الذي يضمن له الهرب، من زحف المغبونين كلما ارتفع منسوب الغُبْن، أو يراه فقط بأعين كاتبته الجميلة، المختصة في تجميل كلِّ ما يُقدَّم له، ومنْع كل قبيح كي لا يتعكّر مزاجه، وإن كان سيُصدَم حينما يتهاوى من علياء منصبه، حيث يجد نفسه وسط أقوامٍ كأنه يراهم لأول مرة، ولم يسمع أنينهم إلا لتوّه، فيزداد هروبا وانسلاخا عن هذا الواقع، وكلما كثر مثل هذا المسئول، كلما تقبَّح وجه هذا العالم الحقيقي، وانتعشت الحياة في العالم الافتراضي، الذي يهرب إليه كل أولئك الذين لم يجدوا مكانًا لهم في واقعهم، ففيه يتنفّسون، وعبر زواياه المختلفة يقولون ما يحلو لهم، وعلى جدرانه يقضون حوائجهم وحتى حاجاتهم.

المسئول في "الدول السائرة في طريق التخلّف"، لا يُعطِي أهمية لضجيج دولة الجوار، ولا إلى صراخ ساكنيها المتزايد، ولم يُكلِّف نفسه حتى عناء الدخول إليها، عبر الوسائط الاجتماعية العديدة، التي ركبها زميله المسئول في البلدان المتقدمة، باعتبارها إحدى أدوات البناء الجديدة في الدول الحديثة، ربما لأنه غير مهتم أصلا بالإنسان، الذي يُعتبَر سبب وجوده حاكمًا، فجُلّ اهتمامه مُنصَبّ على تحقيق مصالح شخصية أو أيديولوجية أو فئوية على أكبر تقدير، وهو مُحتكِر لفكرة التطوير المغشوشة، التي تُعتبَر أكبر أكذوباته، ولا يريد أن يشاركه في حكمه أحد، لأنه يظن أن كل محاولة للمشاركة في عميلة البناء، ليس إلا حيلة للإطاحة بحكمه، أو سطوًا على ما اغتصبه بأدوات ديكتاتورية، أو بوسائل ديمقراطية مدلّسة، وكلما ابتعد عن استعمال تلك الوسائط، كلما ازداد توغّلا في الابتعاد عن معرفة الواقع، حتى إذا فطن يومًا، وجد أنه دخل في قطيعة تامة مع مَن يحكمهم، وقد يدخل في مواجهةٍ مفتوحةبينه وبينهم، تأتي على أخضر الواقع ويابسه، وقبل أن يحدث ذلك الأمر المفزع ، صنع سكان الواقع مواسم للهرب، فرادى وجماعات، حيث وصل عدد طالبي اللجوء السياسي في الجزائر فقط إلى فرنسا،ألفيْن وأربعمائة وستة وخمسين (2456) في العام الماضي وحده، وارتفع عدد طالبيه إلى هولندا، في نفس العام، إلى تسعمائة وواحد وثمانين (981) بينما كان قبل ثلاث سنوات، لا يتجاوز خمسة وخمسين (55) فردا، وهذا دون إحصاء الآلاف، ممن راحوا يخوضون تجربة الإبحار نحو أوروبا، من كلا الجنسيْن، ومن مختلف الأعمار والمستويات الاجتماعية والتعليمية، لا يهمهم إن وصلوا أم لم يصلوا.

يزداد تعداد سكان الفضاء الأزرق، ليس من أجل التّلهِّي الذي أحدثه التّطوّر التكنولوجي في مجال الإعلام والاتصال فقط، إنما بسبب إخراج كثير من أفراد المجتمع من واقعهم، وإلحاقهم بساكنة الفضاء الافتراضي، الذي أصبح أكبر تجمّعٍ بشريٍّفي التاريخ الحديث، له مُثقَّفوه ومُنظِّروه، تماما كما هو الحال مع الواقع المعيش، وربما يكون هؤلاء أكثر مصداقية وتأثيرا، ولعل نسبة الثمانين (80%) من الجرائم المُسجَّلة في الجزائر، والتي تمّت عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، يؤكِّد حيوية نشاط هذا العالم، المُهمَل من طرف المسئول، والذي جمَع داخله كل مَن يرغب في الدخول إليه، دون النظر إلى لونه أو أيديولوجيته أو دينه أو مذهبه أو جغرافيته، ويزداد الولاء إلى هذه الجمهورية الافتراضية، كلما ازداد غُبْن القادمين إليها من واقعهم، ليتحوّلوا مع الوقت، إلى شعْبٍ لا تربطه بواقعه رابطة، وولاؤه إلى مَن يستثمرون في جمهورية الافتراض، أكثر من ولائه لأهله وقبيلته ووطنه، بل قد يتحوّلون- في لحظة لامبالاة أو سذاجة- ليس إلى طابورٍ خامس، إنما إلى طابور أول، يُهدِّد أركان الدولة، التي أقامتها الأجيال المتعاقبة بالتضحيات الكبرى.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة